You are on page 1of 241

‫الفصل الول‬

‫ابو بكر الصديق رضي الله عنه في مكة‬

‫المبحث الول‬
‫إسمه ونسبه وكنيته وألقابه وصفته‬
‫وأسرته وحياته في الجاهلية‬

‫أو ً‬
‫ل‪ :‬أسمه ونسبه وكنيته وألقابه‪:‬‬
‫هو عبدالله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن‬
‫تيم بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي)‪ ،(1‬ويلتقي‬
‫ويكنععى‬ ‫كعععب)‪(2‬‬ ‫في النسب في الجد السادس مرة بن‬ ‫مع النبي ‪ε‬‬
‫بأبي بكر‪ ،‬وهي من البكر وهو الفتى من البل‪ ،‬والجمع بكارة وأبكر‬
‫وُلقععب أبععوبكر ‪،τ‬‬ ‫عظيمة)‪(3‬‬ ‫مت العرب بكرًا‪ ،‬وهو أبو قبيلة‬
‫وقد س ّ‬
‫بألقاب عديدة كلها تدل على سمو المكانة‪ ،‬وعلعو المنزلعة وشعرف‬
‫الحسب منها‪:‬‬
‫‪ -1‬العتيق‪:‬‬
‫لقّبه به النبي ‪ε‬؛ فقد قال له ‪) :ε‬أنت عععتيقُ اللععه مععن النععار(‬

‫)( الصابة لبن حجر ) ‪.(4/144،145‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( سيرة وحياة الصديق‪ ،‬مجدي فتحي السيد‪ ،‬ص ‪.27‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( ابو بكر الصديق‪ ،‬علي الطنطاوي‪ ،‬ص ‪.46‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-1 -‬‬
‫وفي رواية عائشة قععالت‪ :‬دخععل أبععو بكععر الصععديق‬ ‫عتيقا ً)‪(1‬‬ ‫ي‬
‫م َ‬
‫س ّ‬
‫ف ُ‬
‫على رسول الله ‪ ،ε‬فقال له رسععول اللععه ‪) :ε‬أبشععر فععأنت عععتيق‬
‫سمي عتيقا ً)‪ ،(3‬وقععد ذكععر المؤرخععون‬ ‫الله من النار()‪ ،(2‬فمن يؤمئذ ُ‬
‫أسععبابا ً كععثيرة لهععذا اللقععب‪ ،‬فقععد قيععل‪ :‬إنمععا سععمي عتيقعا ً لجمععال‬
‫وجهه)‪ ،(4‬وقيل لنه كععان قععديما ً فععي الخيععر)‪ ،(5‬وقيععل سععمي عتيقعا ً‬

‫لعتاقة وجهه)‪ ،(6‬وقيل إن أم أبي بكر كععان ليعيععش لهععا ولععد‪ ،‬فلمععا‬
‫ولدته استقبلت به الكعبة وقالت‪ :‬اللهم إن هذا عتيقك مععن المععوت‬
‫فهبه لي)‪ ،(7‬ول مانع للجمع بين بعض هذه القوال‪ ،‬فأبي بكر جميل‬
‫الوجه‪ ،‬حسن النسب‪ ،‬صاحب يد سابقة الى الخير‪ ،‬وهو عتيق اللععه‬
‫له)‪.(8‬‬ ‫من النار بفضل بشارة النبي ‪ε‬‬
‫‪ -2‬الصديق‪:‬‬
‫لقبه به النبي ‪ ε‬ففعي حعديث أنعس ‪ τ‬أنعه قععال‪ :‬أن النععبي ‪ε‬‬
‫صعد أحدًا‪ ،‬وأبوبكر‪ ،‬وعمر‪ ،‬وعثمان‪ ،‬فوجف بهم فقال‪ :‬اثبععت أحععد‪،‬‬
‫فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان)‪.(9‬‬
‫وقد لقب بالصديق لكثرة تصديقه للنبي ‪ ،ε‬وفي هذا تروي أم‬
‫الععى‬ ‫المؤمنين عائشة رضي الله عنها‪ ،‬فتقول‪ :‬لما أسري بالنبي ‪ε‬‬
‫)( الحسان في تقريب صحيح ابن حبان )‪ (15/280‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( رواه الترمذي رقم ‪ 3679‬في المناقب وصححه اللباني في السلسلة ‪.1574‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( أصحاب الرسول‪ ،‬محمود المصري )‪.(1/59‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( المعجم الكبير للطبراني )‪.(1/52‬‬ ‫‪4‬‬
‫)( الصابة )‪.(1/146‬‬ ‫‪5‬‬
‫)( المعجم الكبير )‪ ،(1/53‬الصابة )‪.(1/146‬‬ ‫‪6‬‬
‫)( الكنى والسماء للدولبي )‪ (1/6‬نقل ً عن خطب أبي بكر‪ ،‬محمد أحمد عاشور‪ ،‬جمعال‬ ‫‪7‬‬
‫الكومي‪ ،‬ص ‪.11‬‬
‫)( تاريخ الدعوة الى السلم في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬د‪.‬يسري محمد هاني‪ ،‬ص ‪.36‬‬ ‫‪8‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب فضائل أصحاب النبي‪ ،‬باب فضل ابي بكر )‪.(5/11‬‬ ‫‪9‬‬
‫‪2‬‬
‫س‪ ،‬كععانوا‬
‫المسجد القصى‪ ،‬أصبح يتحععدث النععاس بععذلك‪ ،‬فارتععد نععا ُ‬
‫آمنوا به وصدقوه وسعى رجال الى أبي بكر‪ ،‬فقالوا‪ :‬هععل لععك الععى‬
‫صاحبك؟ يزعم أن أسري به الليله الى بيععت المقععدس! قععال‪ :‬وقععد‬
‫قال ذلك؟ قالوا‪ :‬نععم‪ ،‬قععال‪ :‬لئن قععال ذلععك فقعد صعدق‪ .‬قععالوا‪ :‬أو‬
‫تصدقه أنه ذهب الليلة الى بيت المقدس‪ ،‬وجععاء قبععل أن يصععبح؟!!‬
‫قال نعم ‪ ،‬إني لصدقه فيما هو أبعد من ذلك‪ ،‬أصدقه بخبر السععماء‬
‫في غدوة أو روحة‪ ،‬فلذلك سمي أبوبكر الصديق)‪.(1‬‬
‫وقد أجمعت المة على تسميته بالصديق لنه بادر الى تصديق‬
‫ولزمه الصدق فلم تقع منععه هنععاة أبععدا ً)‪ ،(2‬فقععد اتصععف‬ ‫الرسول ‪ε‬‬
‫بهذا اللقب ومدحه الشعراء‪:‬‬
‫قال ابو محجن الثقفي‪:‬‬
‫ميت صديقا ً وكل مهاجر‬
‫س ّ‬
‫و ُ‬
‫مى باسمه غير منكر‬
‫س ّ‬
‫سواك ي ُ َ‬
‫سبقت الى السلم والله شاهد‬
‫المشهر)‪(3‬‬ ‫وكنت جليسا ً في العريش‬
‫وأنشد الصمعي)‪ ،(4‬فقال‪:‬‬
‫ب بكل قلبي‬
‫ولكني أح ّ‬
‫وأعلم أن ذاك من الصواب‬

‫اخرجه الحاكم )‪ (63 -3/62‬وصححه وأقره الذهبي‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫الطبقات الكبرى )‪.(2/172‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫أسد الغابة )‪.(3/310‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫هو عبدالملك بن قريب الباهلي رواية العرب ونابغة الدنيا في الحفظ‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪-3 -‬‬
‫ديق حب ّا ً‬
‫رسول الله والص ّ‬
‫الثواب)‪(1‬‬ ‫به أرجو غدا ً حسن‬
‫‪ -3‬الصاحب‪:‬‬
‫ق عد ْ‬‫صُروه ُ فَ َ‬ ‫لقبه به الله عز وجل في القرآن الكريم‪} :‬إ ِل ّ ت َن ْ ُ‬
‫مععا فِععي‬ ‫ن إ ِذ ْ هُ َ‬ ‫ي اث ْن َي ْع ِ‬ ‫فُروا ث َععان ِ َ‬ ‫ن كَ َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ه ال ّ ِ‬ ‫ج ُ‬ ‫خَر َ‬ ‫ه إ ِذ ْ أ َ ْ‬ ‫صَره ُ الل ّ ُ‬ ‫نَ َ‬
‫ل الل ّع ُ‬
‫ه‬ ‫معَن َععا فَعأ َن َْز َ‬ ‫ه َ‬ ‫ن الل ّع َ‬ ‫ن إِ ّ‬
‫ح عَز ْ‬ ‫حب ِهِ ل ت َ ْ‬ ‫صا ِ‬ ‫ل لِ َ‬ ‫قو ُ‬ ‫ال َْغارِ إ ِذ ْ ي َ ُ‬
‫َ‬
‫ن‬‫ذي َ‬ ‫ة ال ّع ِ‬ ‫مع َ‬ ‫ل ك َل ِ َ‬ ‫جعَ ع َ‬ ‫م ت ََروْهَععا وَ َ‬ ‫جن ُععود ٍ ل َع ْ‬‫ه ع َل َي ْهِ وَأي ّد َه ُ ب ِ ُ‬ ‫كين َت َ ُ‬
‫س ِ‬ ‫َ‬
‫م{‬ ‫كي ع ٌ‬ ‫ح ِ‬ ‫زي عٌز َ‬ ‫ه عَ ِ‬ ‫ي ال ْعُل َْيا َوالل ّع ُ‬ ‫ة الل ّهِ ه ِ َ‬ ‫م ُ‬ ‫فَلى وَك َل ِ َ‬ ‫س ْ‬
‫فُروا ال ّ‬ ‫كَ َ‬
‫)التوبة‪ ،‬الية‪ (40:‬وقد أجمع العلماء على أن الصاحب المقصود هنا‬
‫هو أبوبكر ‪ ،( )τ‬فعن أنس أن أبا بكر حععدثه فقععال‪ :‬قلععت للنععبي ‪ε‬‬ ‫‪2‬‬

‫وهو في الغار‪ :‬لو أن أحدهم نظر الى قدميه لبصرنا تحت قدميه!!‬
‫فقال النبي ‪) :ε‬ياأبابكر ماظنك باثنين الله ثالثهما()‪.(3‬‬
‫قال الحافظ رحمه الله‪ :‬ومن أعظم مناقبه قول اللععه تعععالى‪:‬‬
‫روا‪.........‬‬ ‫ن كَ َ‬
‫فعع ُ‬ ‫ه ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫ج ُ‬ ‫ه إ ِذ ْ أ َ ْ‬
‫خَر َ‬ ‫صَره ُ الل ّ ُ‬
‫قد ْ ن َ َ‬ ‫}إ ِل ّ ت َن ْ ُ‬
‫صُروه ُ فَ َ‬
‫معَن َععا{فععإن المععراد بصععاحبه هنععا أبععوبكر بل منععازع)‪،(4‬‬ ‫ن الل ّع َ‬
‫ه َ‬ ‫إِ ّ‬
‫والحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شععهيرة ولععم يشععركه‬
‫في المنقبة غيره)‪.(5‬‬
‫‪ -4‬التقى‪:‬‬

‫أبوبكر الصديق للطنطاوي‪ ،‬ص ‪.49‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء‪ ،‬يسري محمد هاني‪ ،‬ص ‪.39‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫البخاري‪ ،‬فضائل الصحابة رقم ‪.3653‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫الصابة في تمييز الصحابة )‪.(4/148‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫نفس المصدر )‪.(4/148‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬
‫‪4‬‬
‫لقبه به الله عز وجل فععي القععرآن العظيععم فععي قععوله تعععالى‪:‬‬
‫جن ّب َُها ال َت ْ َ‬
‫قى{ )سورة الليل‪ ،‬الية‪ .(17 :‬وسيأتي بيان ذلك‬ ‫سي ُ َ‬
‫}وَ َ‬
‫في حديثنا عن المعذبين في الله الذين أعتقهم أبوبكر ‪.τ‬‬
‫‪ -5‬الواه‪:‬‬
‫لقب أبو بكععر بععالواه وهععو لقععب يععدل علععى الخععوف والوجععل‬
‫والخشية من الله تعالى‪ ،‬فعن ابراهيععم النخعععي قععال‪ :‬كععان أبععوبكر‬
‫يسمى بالواه لرأفته ورحمته)‪.(1‬‬
‫خْلقية‪:‬‬
‫ثانيًا‪ :‬مولده وصفته ال َ‬
‫لم يختلف العلماء في أنه ولد بعد عععام الفيععل‪ ،‬وإنمععا اختلفععوا‬
‫في المدة التي كانت بعد عام الفيععل‪ ،‬فبعضععهم قععال بثلث سععنين‪،‬‬
‫وبعضهم ذكر بأنه ولد بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر‪ ،‬وآخععرون‬
‫قالوا بسنتين وأشهر ولم يحددوا عععدد الشععهر)‪ ،(2‬وقععد نشععأ نشععأة‬
‫كريمة طيبة في حضن أبوين لهما الكرامة والعز فعي قومهمعا ممعا‬
‫جعل أبا بكر ينشأ كريم النفس‪ ،‬عزيز المكانة في قومه)‪.(3‬‬
‫خلقيعة‪ ،‬فقعد كعان يوصعف بالبيععاض فعي اللععون‪،‬‬
‫وأما صعفته ال ِ‬
‫والنحافة في البدن‪ ،‬وفي هذا يقععول قيععس بععن أبععي حععازم‪ :‬دخلععت‬
‫على أبي بكر‪ ،‬وكان رجل ً نحيفًا‪ ،‬خفيف اللحم أبيض)‪ ،(4‬وقد وصععفه‬
‫اتصععف بععأنه‪:‬‬ ‫أصحاب السير من افواه الرواة فقالوا‪ :‬أن أبا بكععر ‪τ‬‬

‫الطبقات الكبرى )‪.(3/171‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫سيرة وحياة الصديق‪ ،‬مجدي فتحي السيد‪ ،‬ص ‪29‬؛ تاريخ الخلفاء‪ ،‬ص ‪.56‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫تاريخ الدعوة الى السلم في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.30‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫الطبقات لبن سعد )‪ (3/188‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪-5 -‬‬
‫صفرة‪ ،‬حسن القامة‪ ،‬نحيف عا ً خفيععف العارضععين‪،‬‬ ‫كان أبيض تخالطه ُ‬
‫أجنأ)‪ ،(1‬ليستمسععك إزاره يسععترخي عععن حقععويه)‪ (2‬رقيق عا ً معععروق‬
‫الوجه)‪ ،(3‬غعائر العينيعن)‪ ،(4‬اقنعى)‪ ،(5‬حمعش السعاقين)‪ ،(6‬ممحعوص‬
‫ويخضععب لحيتععه‪،‬‬ ‫الشعجاع)‪(8‬‬ ‫الفخذين)‪ ،(7‬وكان ناتئ الجبهة‪ ،‬عععاري‬
‫وشيبه بالحناء والكتم)‪.(9‬‬
‫ثالثًا‪ :‬أسرته‪:‬‬
‫أما والده‪ ،‬فهو عثمان بععن عععامر بععن عمععرو يكنععى أبععا قحافععة‬
‫فقعال‪ :‬ياأبعا‬ ‫أسلم يوم الفتح‪ ،‬وأقبل به الصديق على رسول الله ‪ε‬‬
‫بكر هل تركته‪ ،‬حتى نأتيه‪ ،‬فقال أبوبكر‪ :‬هوأولى أن يأتيععك يارسععول‬
‫الله‪ ،‬فأسلم أبو قحافة وبايع رسول اللععه ‪ ،(10)ε‬ويععروى أن رسععول‬
‫هنأ أبا بكر بإسلم أبيه)‪ ،(11‬وقال لبععي بكععر غيععروا هععذا مععن‬ ‫الله ‪ε‬‬
‫)( الجنأ‪ :‬ميل في الظهر‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( حقويه‪ :‬الحقو هومعقد الزار‪ ،‬يعني الخصر‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( المعروق‪ :‬هو قليل اللحم‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( غائر العينين‪ :‬دخلت في الرأس‪.‬‬ ‫‪4‬‬


‫ف َ‬
‫ظ حياءه ولزمه‪.‬‬ ‫ح َ‬
‫)( أقنى واستقنى‪َ :‬‬ ‫‪5‬‬

‫)( حمش الساقين‪ :‬دقيق الساقين‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫)( الممحوص‪ :‬هو الشديد الخلق في الفخذين‪ ،‬مع قلة اللحم بهما‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫)( الشاجع‪ :‬هو مفاصل الصابع‪.‬‬ ‫‪8‬‬

‫)( البخاري رقم ‪ ،5895‬ومسلم ‪ ،2341‬أبوبكر الصديق‪ ،‬مجدي السيد‪ ،‬ص ‪.32‬‬ ‫‪9‬‬

‫‪ () 10‬الصابة )‪.(4/375‬‬

‫‪ () 11‬السيرة النبوية في ضوء المصادر الصلية‪ ،‬ص ‪.577‬‬

‫‪6‬‬
‫شعره‪ ،‬فقد كان رأس أبي قحافة مثل الثغامة)‪.(1‬‬
‫في توقير كبععار‬ ‫وفي هذا الخبر منهج نبوي كريم سن ُّه النبي ‪ε‬‬
‫السن واحترامهم ويؤكد ذلك قوله ‪) ε‬ليس منا من لم يوقر كبيرنععا‬
‫ويرحم صغيرنا()‪.(2‬‬
‫وأما والدة الصديق‪ ،‬فهي سلمى بن صخر بن عمرو بن كعععب‬
‫بن سعد بن تيم وكنيتها أم الخيععر أسععلمت مبكععرا ً وسععيأتي تفصععيل‬
‫على الظهور بمكة)‪.(3‬‬ ‫ذلك في واقعة إلحاح أبي بكر على النبي ‪ε‬‬
‫وأما زوجاته؛ فقد تزوج ‪ τ‬من أربع نسوة أنجبن له ثلثة ذكععور‬
‫ن على التوالي‪:‬‬
‫وثلث إناث وه ّ‬
‫‪ -1‬قتيلة بنت عبدالعزى بن أسعد بن جابر ابن مالك‪:‬‬
‫اختلف فععي إسععلمها)‪ ،(4‬وهععي والععدة عبععدالله وأسععماء وكععان‬
‫أبوبكر طلقها في الجاهلية‪ -‬وقد جاءت بهدايا فيها أقط وسمن الععى‬
‫إبنتها أسماء بنت أبي بكر بالمدينة‪ ،‬فابت أن تقبل هععديتها وتععدخلها‬
‫فقال النععبي ‪) :ε‬ل ِت ُعد ْ ِ‬
‫خلها‬ ‫بيتها فأرسلت الى عائشة تسأل النبي ‪ε‬‬
‫ن‬
‫ذي َ‬‫ن اّلعع ِ‬
‫ه عَ ِ‬‫م الل ّ ُ‬‫ولتقبل هديتها(‪ ،‬وأنزل الله عز وجل }ل ي َن َْهاك ُ ُ‬
‫خرجععوك ُم معن ديععارك ُ َ‬
‫ن‬‫مأ ْ‬ ‫ْ ِ ْ َِ ِ ْ‬ ‫م يُ ْ ِ ُ‬‫ن وَل َع ْ‬ ‫دي ِ‬
‫م فِععي الع ّ‬ ‫قععات ُِلوك ُ ْ‬ ‫ل َع ْ‬
‫م يُ َ‬
‫ن{ )سععورة‬ ‫طي َ‬
‫س ِ‬ ‫ق ِ‬‫م ْ‬‫ب ال ْ ُ‬ ‫ح ّ‬ ‫ن الل ّ َ‬
‫ه يُ ِ‬ ‫طوا إ ِل َي ْهِ ْ‬
‫م إِ ّ‬ ‫س ُ‬
‫ق ِ‬ ‫م وَت ُ ْ‬
‫ت َب َّروهُ ْ‬

‫)( الصابة )‪ ،(4/375‬الثغامة نبات أبيض يشبه به الشيب‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫)( الترمذي‪ ،‬كتاب البر‪ ،‬باب ‪.15‬‬ ‫‪2‬‬

‫)( تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.30‬‬ ‫‪3‬‬

‫)( الطبقات لبن سعد )‪.(8/249) (3/169‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪-7 -‬‬
‫المتحنة‪ ،‬الية‪ (8:‬أي ليمنعكم الله من البر والحسان وفعل الخيععر‬
‫الى الكفععار الععذين سععالموكم ولععم يقععاتلوكم فععي الععدين كالنسععاء‪،‬‬
‫والضعفة منهم كصلة الرحم‪ ،‬ونفع الجار‪ ،‬والضيافة‪ ،‬ولم يخرجععوكم‬
‫من دياركم‪ ،‬وليمنعكم أيضا ً من أن تعدلوا فيما بينكم وبينهم‪ ،‬بععأداء‬
‫مالهم من الحق‪ ،‬كالوفاء لهم بالوعود‪ ،‬وأداء المانة‪ ،‬وإيفععاء أثمععان‬
‫المشتريات كاملة غير منقوصعة‪ ،‬إن اللععه يحععب العععادلين‪ ،‬ويرضعى‬
‫عنهم‪ ،‬ويمقت الظالمين ويعاقبهم)‪.(1‬‬
‫‪ -2‬أم رومان بنت عامر بن عويمر‪:‬‬
‫من بني كنانة بن خزيمة‪ ،‬مات عنها زوجها الحارث بن سخبرة‬
‫بمكة‪ ،‬فتزوجها أبععوبكر‪ ،‬وأسععلمت قععديمًا‪ ،‬وبععايعت‪ ،‬وهععاجرت الععى‬
‫المدينة وهي والدة عبدالرحمن وعائشة رضي الله عنهم‪ ،‬وتععوفيت‬
‫بالمدينة سنة ست من الهجرة)‪.(2‬‬ ‫في عهد النبي ‪ε‬‬
‫ميس بن معبد بن الحارث‪:‬‬
‫‪ -3‬أسماء بن عُ َ‬
‫أم عبدالله‪ ،‬من المهاجرات الوائل‪ ،‬أسلمت قديما ً قبل دخول‬
‫دار الرقم‪ ،‬وبايعت الرسول ‪ ،ε‬وهاجر بهععا زوجهععا جعفععر بععن أبععي‬
‫الى الحبشة‪ ،‬ثم هاجرت معه الى المدينة فاستشهد يععوم‬ ‫طالب ‪τ‬‬
‫مؤتة‪ ،‬وتزوجها الصديق فولدت له محمدا ً روى عنها من الصععحابة ‪:‬‬
‫عمر‪ ،‬وأبو موسى‪ ،‬وعبدالله بن عباس‪ ،‬وأم الفضل امرأة العبععاس‪،‬‬
‫فكانت أكرم الناس أصععهارا ً فمععن أصععهارها‪ :‬رسععول اللععه وحمععزة‪،‬‬

‫)( تفسير المنير للزحيلي )‪.(28/135‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( الصابة )‪.(8/391‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪8‬‬
‫والعباس وغيرهم)‪.(1‬‬
‫‪ -4‬حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير‪:‬‬
‫النصارية‪ ،‬الخزرجية وهي التي ولدت لبي بكر أم كلثععوم بعععد‬
‫سنح)‪.(2‬‬
‫وفاته وقد أقام عندها الصديق بال ّ‬
‫وأما أولد أبي بكر رضي الله عنهم فهم‪:‬‬
‫‪ -1‬عبدالرحمن بن أبي بكر‪:‬‬
‫أسععن ولععد أبععي بكععر‪ :‬أسععلم يععوم الحديبيععة‪ ،‬وحسععن إسععلمه‬
‫وصحب رسول الله وقعد إشعتهر بالشعجاعة ولعه مواقعف محمعودة‬
‫ومشهودة بعد إسلمه)‪.(3‬‬
‫‪ -2‬عبدالله بن أبي بكر‪:‬‬
‫صاحب الدور العظيم في الهجرة‪ ،‬فقد كان يبقععى فععي النهععار‬
‫بين أهل مكة يسمع أخبارهم ثم يتسلل في الليل الى الغععار لينقععل‬
‫هذه الخبار لرسول الله وأبيه‪ ،‬فإذا جاء الصبح عاد الى مكععة‪ ،‬وقععد‬
‫أصيب بسهم يوم الطائف‪ ،‬فماطله حتى مات شهيدا ً بالمدينععة فععي‬
‫خلفة الصديق)‪.(4‬‬
‫‪ -3‬محمد بن أبي بكر‪:‬‬
‫أمه أسماء بنت عميس‪ ،‬ولد عام حجة الوداع وكان من فتيععان‬
‫قريش‪ ،‬عععاش فععي حجععر علععي بععن أبعي طععالب‪ ،‬ووله مصععر وبهععا‬

‫سير أعلم النبلء )‪.(2/282‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫منازل بني الحارث بن الخزرج في عوالي المدينة‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(6/346‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫نسب قريش‪ ،‬ص ‪.275‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪-9 -‬‬
‫قتل)‪.(1‬‬
‫‪ -4‬أسماء بنت أبي بكر‪:‬‬
‫ذات النطاقين أسن من عائشعة‪ ،‬سععماها رسعول اللعه ‪ ε‬ذات‬
‫ولبيها سفرة لما هاجرا فلععم‬ ‫النطاقين لنها صنعت لرسول الله ‪ε‬‬
‫تجد ماتشدها به فشقت نطاقها‪ ،‬وشدت به السفرة فسماها النععبي‬
‫بذلك‪ ،‬وهي زوجة الزبير بن العوام وهاجرت الععى المدينععة وهععي‬ ‫‪ε‬‬
‫حامل بعبدالله بن الزبير فولدته بعد الهجرة فكععان أول مولععود فععي‬
‫السلم بعدالهجرة‪ ،‬بلغت مائة سنة ولم ينكر من عقلها شيء‪ ،‬ولم‬
‫يسقط لها سن‪ ،‬روى لها عععن الرسععول ‪ ε‬سععتة وخمسععون حععديثًا‪،‬‬
‫روى عنها عبدالله بن عباس‪ ،‬وأبناؤها عبدالله وعروة‪ ،‬وعبدالله بععن‬
‫مل َْيكة وغيرهم وكانت جوادة منفقة توفيت بمكة سنة ‪73‬هع)‪.(2‬‬
‫أبي ُ‬
‫‪ -5‬عائشة أم المؤمنين ‪ -‬رضي الله عنها‪:‬‬
‫وهععي بنععت سععت‬ ‫الصديقة بنت الصديق تزوجها رسول الله ‪ε‬‬
‫سنين‪ ،‬ودخل بها وهي بنت تسع سععنين‪ ،‬وأعععرس بهععا فععي شععوال‪،‬‬
‫أم عبدالله‪ ،‬وكععان حبععه لهععا‬ ‫وهي أعلم النساء‪ ،‬كناها رسول الله ‪ε‬‬
‫مثال ً للزوجية الصالحة)‪.(3‬‬
‫كععان الشعععبي يحععدث عععن مسععروق أنععه إذا تحععدث عععن أم‬
‫المؤمنين عائشععة يقعول‪ :‬حععدثتني الصعديقة بنععت الصعديق المععبرأة‬
‫حبيبة حبيب الله ‪ ،ε‬ومسندها يبلغ ألفين ومائتين وعشععرة أحععاديث‬

‫)( نسب قريش‪ ،‬ص ‪ ،277‬الستيعاب )‪.(3/1366‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( سير أعلم النبلء )‪.(2/287‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.34‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪10‬‬
‫)‪ (2210‬اتفق البخاري ومسلم على مععائة وأربعععة وسععبعين حععديثًا‪،‬‬
‫وانفرد البخاري باربعة وخمسين‪ ،‬وانفرد مسعلم بتسععة وسععتين)‪،(1‬‬
‫وعاشت ثلثا ً وستين سنة وأشهرًا‪ ،‬وتععوفيت سععنة ‪57‬هععع‪ ،‬ول ذريععة‬
‫لها)‪.(2‬‬
‫‪ -6‬أم كلثوم بنت أبي بكر‪:‬‬
‫أمها حبيبة بنت خارجة‪ .‬قال أبوبكر لم المؤمنين عائشة حيععن‬
‫حضرته الوفاة‪ :‬إنما هما أخععواك وأختععاك فقععالت‪ :‬هععذه أسععماء قععد‬
‫عرفتها فمن الخرى قال‪ :‬ذو بطن بنت خارجة‪ ،‬قد ألقي في خلدي‬
‫أنها جارية فكانت كما قال‪ :‬وولدت بعد موته)‪ ،(3‬تزوجها طلحععة بععن‬
‫عبيدالله وقتل عنهععا يععوم الجمععل‪ ،‬وحجععت بهععا عائشععة فععي عععدتها‬
‫فأخرجتها الى مكة)‪.(4‬‬
‫هذه هي أسرة الصديق المباركة الععتي أكرمهععا اللععه بالسععلم‬
‫مععن بيععن الصععحابة وقععد قععال‬ ‫وقد اختص بهععذا الفضععل أبععو بكععر ‪τ‬‬
‫العلماء‪ :‬ليعرف أربعة متناسلون بعضهم من بعض صععحبوا رسععول‬
‫الله ‪ ،ε‬إل آل أبي بكر الصديق وهم‪ :‬عبدالله بن الزبير‪ ،‬أمه أسماء‬
‫بنت أبي بكر بععن ابععي قحافععة‪ ،‬فهععؤلء الربعععة صععحابة متناسععلون‪،‬‬
‫وأيضا ً محمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة ‪.(5)τ‬‬

‫)( سير أعلم النبلء ) ‪.(2/135،139‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( طبقات ابن سعد )‪(58/58‬؛ المنذر )‪.(4/5‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( الطبقات )‪.(3/195‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( نسب قريش‪ ،‬ص ‪278‬؛ الصابة ) ‪(8/466‬؛ تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين‪،‬‬ ‫‪4‬‬
‫ص ‪.35‬‬
‫)( ابوبكر الصديق‪ ،‬محمد رشيد رض‪ ،‬ص ‪.7‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪-11-‬‬
‫وليس مععن الصععحابة مععن أسععلم أبععوه وأمععه وأولده‪ ،‬وأدركععوا‬
‫وأدركه أيضا ً بنو أولده‪ :‬إل أبوبكر من جهة الرجال والنساء‬ ‫النبي ‪ε‬‬
‫‪-‬وقد بينت ذلك‪ -‬فكلهم آمنوا بالنبي وصحبوه‪ ،‬فهعذا بيعت الصعديق‪،‬‬
‫فأهله أهل إيمان‪ ،‬ليس فيهم منععافق وليعععرف فععي الصععحابة مثععل‬
‫هذا لغير بيت أبي بكر رضي الله عنهم‪.‬‬
‫وكان يقال‪ :‬لليمان بيوت وللنفاق بيوت؛ فبيت أبععي بكععر مععن‬
‫بيوت اليمان من المهاجرين‪ ،‬وبني النجعار معن بيعوت اليمعان معن‬
‫النصار)‪.(1‬‬
‫رابعًا‪ :‬الرصيد ال ُ‬
‫خلقي للصديق في المجتمع الجاهلي‪:‬‬
‫كععان أبععو بكععر الصععديق فععي الجاهليععة مععن وجهععاء قريععش‬
‫وأشرافهم وأحد رؤسائهم‪ ،‬وذلك أن الشرف في قريش قععد انتهععى‬
‫قبل ظهور السلم الى عشرة رهط مععن عشععرة أبطععن‪ ،‬فالعبععاس‬
‫ابن عبدالمطلب من بني هاشم‪ ،‬وكان يسقي الحجيج في الجاهلية‪،‬‬
‫وبقي له ذلك في السلم وابععو سععفيان بععن حععرب مععن بنععي أميععة‪،‬‬
‫وكان عنده العقاب راية قريش‪ ،‬فإذا لم تجتمع قريععش علععى واحععد‬
‫رأسوه هو وقدموه‪ ،‬والحارث بن عامر بن بني نوفععل‪ ،‬وكععانت إليععه‬
‫الرفععادة‪ ،‬وهعي مععاتخرجه قريععش مععن أموالهععا‪ ،‬وترفععد بععه منقطعع‬
‫السبيل‪ ،‬وعثمان بن طلحعة بعن زمععة بعن السععود معن بنعي أسعد‪،‬‬
‫وكانت إليه المشورة فل ُيجمع على أمر حتى يعرضععوه عليععه‪ ،‬فععإن‬
‫وافق ولهم عليه‪ ،‬وإل تخّير وكانو له أعوانًا‪ ،‬وأبو بكر الصععديق مععن‬

‫)( ابوبكر الصديق )‪ (1/280‬لمحمد مال الله مستخرج من منهاج السّنة لبن تيمية‪.‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪12‬‬
‫بني تيم وكانت إليه الشناق وهي الديات والمغارم‪ ،‬فكان إذا حمل‬
‫شيئا ً فسأل فيه قريشا ً صدقوه‪ ،‬وامضوا حمالة من نهض معه‪ ،‬وإن‬
‫احتملها غيره خذلوه‪ ،‬وخالد بن الوليد من بني مخزوم‪ ،‬وكانت إليععه‬
‫القبة والعنة‪ ،‬أما القبعة فععإنهم كععانوا يضعربونها ثععم يجمعععون إليهععا‬
‫مايجهزون به الجيش‪ ،‬وأما العنة فإنه كان على خيععل قريععش فععي‬
‫الحرب‪ .‬وعمر بن الخطاب من بني عدي‪ ،‬وكانت إليه السفارة في‬
‫الجاهلية‪ ،‬وصعفوان بعن أميععة معن بنعي جمعح‪ ،‬وكعانت إليععه الزلم‪.‬‬
‫والحارث بن قيس من بنععي سععهم‪ ،‬وكععانت إليععه الحكومععة وأمععوال‬
‫آلهتهم)‪.(1‬‬
‫لقد كان الصديق في المجتمعع الجعاهلي شعريفا ً معن أشعراف‬
‫قريش وكان من خيارهم‪ ،‬ويستعينون به فيما نابهم وكانت له بمكة‬
‫ضيافات ليفعلها أحد)‪.(2‬‬
‫وقد اشتهر بعدة أمور منها‪:‬‬
‫‪ -1‬العلم بالنساب‪:‬‬
‫فهو عالم من علماء النساب وأخبار العرب‪ ،‬وله في ذلك بعاع‬
‫طويل جعلععه أسععتاذ الكععثير مععن النسععابين كعقيععل بععن أبععي طععالب‬
‫وغيره‪ ،‬وكانت له مزية حببته إلى قلوب العرب وهي‪ :‬أنعه لعم يكعن‬
‫يعيب النساب‪ ،‬وليذكر المثالب بخلف غيععره)‪ ،(3‬فقعد كععان أنسعب‬

‫)( أشهر مشاهير السلم )‪.(1/10‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( نهاية الرب )‪ (19/10‬نقل ً عن تاريخ الدعوة‪ ،‬يسري محمد ‪ ،‬ص ‪.42‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( التهذيب )‪.(2/183‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-13-‬‬
‫قريش لقريش وأعلم قريش بها‪ ،‬وبما فيها من خير وشععر)‪ ،(1‬وفععي‬
‫قععال‪ :‬إن أبععا‬ ‫هذا تروي عائشة ‪-‬رضي الله عنها‪ -‬أن رسول اللععه ‪ε‬‬
‫بكر أعلم قريش بأنسابها)‪.(2‬‬
‫‪-2‬تجارته‪:‬‬
‫كععان فععي الجاهليععة تععاجرًا‪ ،‬ودخععل ُبصععرى مععن أرض الشععام‬
‫للتجارة وارتحل بين البلدان وكععان رأس مععاله اربعيععن ألععف درهععم‬
‫عرف به في الجاهلية)‪.(3‬‬
‫وكان ينفق من ماله بسخاء وكرم ُ‬
‫‪-3‬موضع اللفة بين قومه وميل القلوب إليه‪:‬‬
‫فقد ذكر ابن اسحاق في السيرة أنهم كانوا يحبونه‪ ،‬ويععألفونه‪،‬‬
‫ويعععترفون لععه بالفضععل العظيععم‪ ،‬والخلععق الكريععم‪ ،‬وكععانوا يععأتونه‬
‫ويألفونه لغير واحد من المر لعلمععه وتجععارته وحسععن مجالسععته)‪،(4‬‬
‫وقد قال له ابن الدغنه حيععن لقيععه مهععاجرًا‪ ،‬إنععك لععتزين العشععيرة‪،‬‬
‫وتعين على النوائب‪ ،‬وتكسععب المعععدوم وتفعععل المعععروف)‪ ،(5‬وقععد‬
‫عّلق ابن حجر على قول ابن الدغنه فقال‪ :‬ومعن أعظععم منععاقبه أن‬
‫ابن الدغنه سععيد القععارة لمععا رد عليععه جععواره بمكععة وصععفه بنظيععر‬
‫لما بعث‪ ،‬فتواردا فيها نعت واحععد مععن‬ ‫ماوصفت به خديجة النبي ‪ε‬‬
‫غير أن يتواطأ على ذلك‪ ،‬وهذه غاية في مدحه لن صفات النبي ‪ε‬‬

‫)( الصابة )‪.(4/146‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( مسلم رقم ‪2490‬؛ الطبراني في الكبير رقم ‪.3582‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( أبوبكر الصديق‪ ،‬علععي الطنطععاوي‪ ،‬ص ‪66‬؛ التاريععخ السععلمي‪ ،‬الخلفععاء الراشععدون‪،‬‬ ‫‪3‬‬
‫محمد شاكر‪ ،‬ص ‪.30‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(1/371‬‬ ‫‪4‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب مناقب النصار رقم ‪.3905‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪14‬‬
‫منذ نشأ كانت أكمل الصفات)‪.(1‬‬
‫‪-4‬لم يشرب الخمر في الجاهلية‪:‬‬
‫فقد كان أعف النعاس فعي الجاهليعة)‪ ،(2‬حعتى إنعه حعّرم علعى‬
‫نفسه الخمر قبل السلم‪ ،‬فقد قععالت السععيدة عائشععة رضععي اللععه‬
‫عنها‪ :‬حرم أبو بكر الخمر على نفسه‪ ،‬فلم يشربها فععي جاهليععة ول‬
‫في إسلم‪ ،‬وذلععك أنععه معّر برجععل سععكران يضععع يععده فععي العععذرة‪،‬‬
‫ويدنيها من فيه‪ ،‬فإذا وجد ريحها صرفها عنه‪ .‬فقال أبو بكر‪ :‬إن هذا‬
‫ليدري ما يصنع‪ ،‬وهو يجد ريحها فحماها)‪ ،(3‬وفي روايععة لعائشععة ‪...‬‬
‫ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية)‪.(4‬‬
‫وقد أجاب الصديق من سأله هل شربت الخمر في الجاهلية؟‬
‫بقوله‪ :‬أعوذ بالله‪ ،‬فقيل‪ :‬ولم؟ قال‪ :‬كنت أصون عرضععي‪ ،‬وأحفععظ‬
‫مروءتي‪ ،‬فإن من شرب الخمر كان مضّيعا ً لعرضه ومروءته)‪.(5‬‬
‫‪-5‬ولم يسجد لصنم‪:‬‬
‫ولم يسجد الصديق رضي الله عنه لصععنم قععط‪ ،‬قععال أبععو بكععر‬
‫رضي الله عنه في مجمع من أصحاب رسول اللععه ‪ ،ε‬مععا سععجدت‬
‫لصنم قط‪ ،‬وذلك أني لما نععاهزت الحلععم أخععذني أبععو قحافععة بيععدي‬
‫م‬ ‫فانطلق بي إلى مخدع فيه الصنام‪ ،‬فقعال لعي‪ :‬هعذه آلهتععك ال ّ‬
‫شع ُ‬
‫العععوالي‪ ،‬وخلنععي وذهععب‪ ،‬فععدنوت مععن الصععنم وقلععت‪ :‬إنععي جععائع‬

‫الصابة )‪.(4/147‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫تاريخ الخلفاء للسيوطي ‪ ،‬ص ‪.48‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫سيرة وحياة الصديق‪ ،‬مجدي فتحي ‪ ،‬ص ‪.34‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ ،‬ص ‪.49‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.49‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪-15-‬‬
‫فععأطعمني فلععم ُيجبنععي فقلععت‪ :‬إنععي عععار فأكسععني‪ ،‬فلععم يجبنععي‪،‬‬
‫فألقيت عليه صخرة فخّر لوجهه)( وهكذا حمله خلقه الحميد وعقله‬
‫النير‪ ،‬وفطرته السليمة على الترفع عن كل شيء يخدش المععروءة‬
‫وينقععص الكرامععة مععن أفعععال الجععاهليين‪ ،‬وأخلقهععم الععتي تجععانب‬
‫الفطرة السليمة‪ ،‬وتتنافى مع العقل الراجح‪ ،‬والرجولة الصادقة)‪،(1‬‬
‫فل عجب على من كانت هذه أخلقه أن ينضم لموكب دعوة الحععق‬
‫ويحتل فيها الصدارة ويكون بعد إسععلمه أفضععل رجععل بعععد رسععول‬
‫الله ‪ ،ε‬فقد قال ‪ :ε‬خياركم في الجاهلية خياركم فععي السععلم إذا‬
‫فقهوا)‪ ،(2‬وقد علق الستاذ رفيععق العظععم عععن حيععاة الصععديق فععي‬
‫الجاهلية فقال‪ :‬اللهم إن امرأ ً نشأ بين الوثععان حيععث لديععن زاجععر‪،‬‬
‫ولشرع للنفوس قائد‪ ،‬وهذا مكانه من الفضيلة‪ ،‬واستمساكه بعرى‬
‫العفة والمروءة ‪ ...‬لجدير بأن يتلقى السلم بملعء الفعؤاد‪ ،‬ويكعون‬
‫أول مؤمن بهادي العباد‪ ،‬مبادر بإسععلمه لرغععام أنععوف أهععل الكععبر‬
‫والعناد‪ ،‬ممهد سبيل الهتداء بدين الله القويم‪ ،‬الذي يجتععث أصععول‬
‫الرذائل من نفوس المهتدين بهديه‪ ،‬المستمسكين بمتين سببه)‪.(3‬‬
‫لله در الصديق رضي الله عنه فقد كان يحمععل رصععيدا ً ضععخما ً‬

‫مععن القيععم الرفيعععة‪ ،‬والخلق الحميععدة والسععجايا الكريمععة فععي‬


‫المجتمع القرشي قبل السلم وقد شهد له أهل مكة بتقدمه علععى‬
‫م أحععد مععن قريععش‬
‫غيره في عالم الخلق والقيم والمثل ولععم ُيعل ع ْ‬
‫)( أصحاب الرسول‪ ،‬محمود المصري )‪(1/58‬؛ الخلفاء‪ ،‬محمود شاكر‪ ،‬ص ‪.31‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.43‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( أشهر مشاهير السلم )‪.(1/12‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪16‬‬
‫عاب أبا بكر بعيب ولنقصه ول استرذله كما كانوا يفعلععون بضعععفاء‬
‫المؤمنين ولم يكن له عندهم عيب إل اليمان بالله ورسوله)‪.(1‬‬

‫المبحث الثاني‬
‫إسلمه ودعوته وابتلؤه وهجرته الولى‬
‫)( منهععاج الس عّنة لبععن تيميععة ) ‪ (4/288،289‬نقل ً عععن كتععاب )ابععوبكر الصععديق أفضععل‬ ‫‪1‬‬
‫الصحابة وأحقهم بالخلفة( لمحمد عبدالرحمن قاسم‪ ،‬ص ‪.18،19‬‬

‫‪-17-‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬إسلمه‪:‬‬
‫كان إسلم أبي بكر رضي الله عنه وليد رحلععة إيمانيععة طويلععة‬
‫في البحث عن الدين الحق الذي ينسجم مع الفطر السليمة ويلععبي‬
‫رغباتها‪ ،‬ويتفق مع العقول الراجحععة‪ ،‬والبصععائر النافععذة‪ ،‬فقععد كععان‬
‫بحكعم عملعه التجععاري كعثير السعفار‪ ،‬قَ َ‬
‫طععَ الفيعافي‪ ،‬والصعحاري‪،‬‬
‫والمدن والقرى في الجزيرة العربية وتنقل من شمالها إلى جنوبها‪،‬‬
‫وشععرقها إلععى غربهععا‪ ،‬واتصععل اتصععال ً وثيقععًا‪ ،‬بأصععحاب الععديانات‬
‫المختلفة وبخاصة النصعرانية‪ ،‬وكعان كعثير النصعات لكلمععات النفععر‬
‫الذين حملوا راية التوحيد‪ ،‬راية البحععث عععن الععدين القععويم)‪ ،(1‬فقععد‬
‫دث عن نفسه فقال‪ :‬كنععت جالسعا ً بفنععاء الكعبععة‪ ،‬وكععان زيععد بععن‬
‫ح ّ‬
‫صل ْ ِ‬
‫ت‪ ،‬فقال‪ :‬كيف أصبحت يا‬ ‫عمرو بن ُنفْيل قاعدًا‪ ،‬فمّر ابن أبي ال ّ‬
‫باغي الخير؟ قال‪ :‬بخير‪ ،‬قال‪ :‬وهل وجدت؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫كل دين يوم القيامة إل‬
‫ُبور)‪(2‬‬ ‫ضى في الحنيفية‬
‫ما م َ‬
‫ن هذا النبي الععذي ينتظععر منععا أو منكععم‪ ،‬قععال‪ :‬ولععم أكععن‬
‫أما إ ّ‬
‫سمعت قبل ذلك بنبي ُينتظر وُيبعث‪ ،‬قال‪ :‬فخرجت أريد ورقععة بععن‬
‫صععدر‪-‬‬
‫نوفععل ‪-‬وكععان كععثير النظععر إلععى السععماء‪ ،‬كععثير همهمععة ال ّ‬
‫)( مواقف الصديق مع النبي بمكة‪ ،‬د‪.‬عاطف لماضة‪ ،‬ص ‪.6‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ ،‬ص ‪.52‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪18‬‬
‫فاستوقفته‪ ،‬ثم قصصت عليه الحديث‪ ،‬فقال‪ :‬نعم يا ابعن أخعي‪ ،‬إّنعا‬
‫أهععل الكتععب والعلععوم‪ ،‬أل إن هععذا النععبي الععذي ُينتظععر مععن أوسععط‬
‫العرب نسبا ً ‪-‬ولي علم بالنسب‪ -‬وقومك أوسط العرب نسبًا‪ .‬قلت‪:‬‬
‫م ومععايقول النععبي؟ قععال‪ :‬يقععول ماقيععل لععه؟ إل إن ّععه ليظلععم‪،‬‬
‫يععاع ّ‬
‫دقته)‪،(1‬‬
‫آمنت بععه وصعع ّ‬ ‫ولُيظلم ول ُيظالم‪ ،‬فلما ُبعث رسول الله ‪ε‬‬
‫وكان يسمع مايقوله أمية بن أبي الصلت‪:‬‬
‫في مثل قوله‪ :‬أل نبي لنا منا فيخبرنا‬
‫مابعد غايتنا من رأس مجرانا‬
‫إني أعوذ بمن حج الحجيج له‬
‫والرافعون لدين الله أركانا‬
‫لقد عايش أبو بكر هذه الفترة‪ ،‬ببصعيرة نافعذة‪ ،‬وعقعل نيعر‪ ،‬و‬
‫فكر متألق‪ ،‬وذهن وقاد‪ ،‬وذكاء حاد‪ ،‬وتأمععل رزيععن مل عليععه أقطععار‬
‫نفسه‪ ،‬ولذلك حفظ الكثير مععن هععذه الشعععار‪ ،‬ومععن تلععك الخبععار‪،‬‬
‫أصعحابه يومعا ً ‪-‬وفيهععم أبععو بكععر‬ ‫فعنععدما سععأل الرسععول الكريععم ‪ε‬‬
‫الصديق قائ ً‬
‫ل‪ :‬من منكم يحفظ كلم ‪-‬قيس بن ساعدة‪ -‬فععي سععوق‬
‫عكععاظ؟ فسععكت الصععحابة‪ ،‬ونطععق الصععديق قععائ ً‬
‫ل‪ :‬إنععي أحفظهععا‬
‫يارسول الله‪،‬‬
‫كنت حاضرا ً يومها في سوق عكاظ‪ ،‬ومن فععوق جملععه الورق‬
‫عوا‪ ،‬وإذا وعيتم فععانتفعوا‬
‫وقف قيس‪ -‬يقول‪ :‬أيها الناس‪ :‬اسمعوا وَ ُ‬
‫ت‪ ،‬آت‪ ،‬إن فعي‬
‫إن من عاش مات ومععن مععات فععات‪ ،‬وكعل مععاهو آ ٍ‬
‫)( تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ ،‬ص ‪.52‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪-19-‬‬
‫ن فععي الرض لعععبرًا‪ ،‬مهععاد موضععوع‪ ،‬وسععقف‬
‫السععماء لخععبرًا‪ ،‬وإ ّ‬
‫مرفوع‪ ،‬ونجوم تمور‪ ،‬وبحار لن تغور‪ ،‬ليل داج‪ ،‬وسماء ذات أبراج!!‬
‫ُيقسم قيس‪ ،‬إن لله دينا ً هو أحب إليه مععن دينكععم الععذي أنتععم‬
‫عليععه‪ .‬مععالي أرى النععاس يععذهبون‪ ،‬وليرجعععون‪ ،‬أرضععوا بالمقععام‬
‫فأقاموا‪ ،‬أم تركوا فناموا ثم أنشد قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫من القرون لنا بصععععائر‬ ‫في الذاهبين الولين‬
‫للموت ليس لهععا مصائر‬ ‫لمععععععا رأيت مواردا ً‬

‫ورأيت قومي نحوها يسعى الكابر والصاغر‬


‫صائر)‪(1‬‬ ‫حيث صععار القوم‬ ‫أيقنت أني لمحالعععة‬
‫وبهذا الترتيب الممتاز‪ ،‬وبهذه الذاكرة الحديديععة‪ ،‬وهععي ذاكععرة‬
‫استوعبت هذه المعاني يقص الصديق ماقاله قس بن ساعدة علععى‬
‫رسول الله وأصحابه)‪.(2‬‬
‫صععها علععى بحيععرا‬
‫وقععد رأى رؤيععا لمععا كععان فععي الشععام فق ّ‬
‫الراهب)‪ ،(3‬فقال له‪ :‬من أين أنت؟ قال‪ :‬من مكة‪ ،‬قعال‪ :‬معن أيهعا؟‬
‫قال‪ :‬من قريش‪ ،‬قال‪ :‬فأي شيء أنت؟ قال‪ :‬تاجر‪ ،‬قال‪ :‬إن صععدق‬
‫الله رؤياك‪ ،‬فإنه يبعث بنبي من قومععك‪ ،‬تكععون وزيععره فععي حيععاته‪،‬‬
‫وخليفته بعد موته‪ ،‬فأسر ذلك أبو بكر في نفسه)‪.(4‬‬
‫لقد كان إسلم الصديق بعد بحث وتنقيب وانتظار وقد ساعده‬

‫مواقف الصديق مع النبي بمكة‪ ،‬ص ‪.8‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫نفس المصدر ‪ ،‬ص ‪.9‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫الخلفاء الراشدون‪ ،‬محمود شاكر‪ ،‬ص ‪.34‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.34‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫‪20‬‬
‫على تلبية دعوة السلم معرفته العميقععة وصععلته القويععة بععالنبي ‪ε‬‬
‫في الجاهلية‪ ،‬فعندما نزل الوحي على النععبي ‪ ε‬أخععذ يععدعو الفععراد‬
‫إلى الله وقع أول اختياره على الصديق رضي الله عنه‪ ،‬فهو صاحبه‬
‫الذي يعرفه قبل البعثة بدماثة خلقه‪ ،‬وكريم سجاياه‪ ،‬كما يعرف أبو‬
‫بكر النبي بصدقه وأمانته‪ ،‬وأخلقععه الععتي تمنعععه مععن الكععذب علععى‬
‫الناس فكيف يكذب على الله)‪(1‬؟‬
‫بععدعوة اللععه وقععال لععه‪ .. :‬إنععي‬ ‫فعندما فععاتحه رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫رسول الله ونبيه‪ ،‬بعثني إلى الله وحده لشريك له‪ ،‬ولتعبععد غيععره‪،‬‬
‫والموالة على طاعته)‪ ،(2‬فأسلم الصعديق ولععم يتلعثععم وتقعدم ولععم‬
‫يتأخر‪ ،‬وعاهد رسول الله على نصععرته فقععام بمععا تعهععد ولهععذا قععال‬
‫في حقه‪ :‬إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫بكر صدق‪ ،‬وواساني بنفسه وماله فهععل أنتععم تععاركو لععي صععاحبي؟‬
‫مرتين)‪.(3‬‬
‫وبذلك كان الصديق رضي الله عنه أول من أسلم من الرجال‬
‫الحععرار‪ ،‬قععال إبراهيععم النخعععي‪ ،‬وحسععان بععن ثععابت وابععن عبععاس‬
‫وأسماء بنت أبي بكر‪ :‬أول من أسععلم أبععو بكععر‪ .‬وقععال يوسععف بععن‬
‫يعقوب الماجشععون‪ :‬أدركععت أبعي ومشععيختنا‪ :‬محمععد بععن المنكععدر‪،‬‬
‫وربيعععة بععن عبععدالرحمن‪ ،‬وصععالح بععن كيسععان وسعععد بععن ابراهيععم‬
‫وعثمان بن محمد الخنس وهم ليشكون أن أول القوم إسلما ً أبععو‬
‫)( تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.44‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪(1/286‬؛ السيرة الحلبية ) ‪.(1/440‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب فضائل أصحاب النبي رقم ‪.3661‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-21-‬‬
‫بكر)‪ ،(1‬وعن ابن عباس رضي الله عنهما قععال‪ :‬أول مععن صععلى أبععو‬
‫بكر ثم تمثل بأبيات حسان‪:‬‬
‫إذا تذكرت شجوا ً من أخي ثقة‬
‫فاذكر أخاك أبا بكر بما فعل‬
‫خير البرية أتقاها وأعدلها‬
‫إل النبي وأوفاها بما حمل‬
‫الثاني التالي المحمود مشهده‬
‫الرسل)‪(2‬‬ ‫وأول الناس صدق‬
‫وثاني أثنين في الغار المنيف وقد‬
‫طاف العدو به إذ صعد الجبل‬
‫وعاش حميدا ً لمر الله متبعا ً‬

‫بهدى صاحبه الماضي وما انتقل‬


‫وكان حب رسول الله قد علموا‬
‫رجل)‪(3‬‬ ‫من البرية لم يعدل به‬
‫هذا وقد ناقش العلماء قضية إسلم الصديق‪ ،‬وهل كان رضععي‬
‫الله عنه أول من أسلم‪ ،‬فمنهم من جععزم بععذلك‪ ،‬ومنهععم معن جعزم‬
‫بأن عليا ً أول من أسلم‪ ،‬ومنهم من جعععل زيععد بععن حارثععة أول مععن‬
‫أسلم‪ ،‬وقد جمع المام ابن كثير رحمه الله بين القوال جمعا ً طيبععا ً‬

‫فقال‪) :‬والجمع بين القوال كلهععا ‪ :‬أن خديجععة أول مععن أسععلم مععن‬
‫)( صفة الصفوة )‪(1/237‬؛ احمد فضائل الصحابة )‪.(3/206‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( ديوان حسان بن ثابت تحقيق وليد عرفات )‪.(1/17‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( ديوان حسان )‪.(1/17‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪22‬‬
‫النساء‬
‫‪-‬وقيل الرجال أيضًا‪ -‬وأول من أسلم من المععوالي زيععد بععن حارثععة‪،‬‬
‫وأول من أسلم من الغلمان علي بن أبي طالب ‪-‬فإنه كععان صععغيرا ً‬

‫دون البلوغ على المشهور‪ -‬وهؤلء كانوا آنععذاك أهععل بيتععه ‪ ،ε‬وأول‬
‫من أسلم من الرجال الحرار أبوبكر الصديق‪ ،‬وإسععلمه كععان أنفععع‬
‫من اسلم من تقععدم ذكرهععم إذ كععان صععدرا ً معظم عًا‪ ،‬ورئيس عا ً فععي‬
‫قريش مكرمًا‪ ،‬وصاحب المععال وداعيععة الععى السععلم وكععان محببعا ً‬

‫متآلفا ً يبذل المال في طاعة الله ورسوله( ثم قال‪) :‬وقد أجاب أبو‬
‫بالجمع بين هذه القوال فإن أول من أسععلم مععن الرجععال‬ ‫حنيفة ‪τ‬‬
‫الحرار أبوبكر‪ ،‬ومن النساء خديجعة ومعن المعوالي زيعد بعن حارثعة‬
‫ومن الغلمان علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين)‪.(1‬‬
‫حيععث تقععول أم‬ ‫وبإسلم أبي بكر عم السععرور قلععب النععبي ‪ε‬‬
‫المؤمنين عائشة رضي الله عنها‪ :‬فلما فععرغ مععن كلمععه ‪-‬أي النععبي‬
‫مععن عنععده‪ ،‬ومععابين‬ ‫‪ -ε‬أسععلم أبععوبكر فععانطلق رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫الخشبين أحد أكثر سرورا ً منه بإسلم أبي بكر)‪ .(2‬لقد كععان ابععوبكر‬
‫كنزا ً من الكنوز ادخعره اللعه تععالى لنععبيه وكعان معن أحعب قريعش‬
‫لقريش‪ ،‬فذلك الخلق السمح الذي وهبه الله تعالى إياه جعلععه مععن‬
‫الموطئين أكنافًا‪ ،‬من الذين يألفون ويؤلفون‪ ،‬والخلق السمح وحده‬
‫ف للفة القوم وهو الذي قال فيه عليععه الصععلة والسععلم‪:‬‬
‫عنصر كا ٍ‬

‫)( البداية والنهاية )‪ 3/26‬و ‪.(28‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( البداية والنهاية )‪.(3/29‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-23-‬‬
‫أرحم أمتي بععأمتي ابععوبكر)‪ ،(1‬وعلععم النسععاب عنععد العععرب‪ ،‬وعلععم‬
‫النصعيب‬ ‫التاريخ هما أهم العلوم عندهم‪ ،‬ولدى أبي بكر الصعديق ‪τ‬‬
‫الوفععر منهمععا‪ ،‬وقريععش تعععترف للصععديق بععأنه أ علمهععا بأنسععابها‬
‫وأعلمها بتاريخها‪ ،‬ومافيه من خيععر وشععر‪ ،‬فالطبقععة المثقفععة ترتععاد‬
‫مجلس أبي بكر لتنهل منه علمعا ً لتجعده عنعد غيعره غعزارة ووفعرة‬
‫وسععة‪ ،‬ومعن أجعل هعذا كعان الشعباب النعابهون والفتيعان الذكيعاء‬
‫يرتادون مجلسه دائمًا‪ ،‬إنهم الصفوة الفكرية المثقفة الععتي تععود أن‬
‫تلقى عنععده هععذه العلععوم‪ ،‬وهععذا جععانب آخععر مععن جععوانب عظمتععه‪،‬‬
‫وطبقة رجال العمال‪ ،‬ورجال المال في مكة‪ ،‬هي كععذلك مععن رواد‬
‫مجلس الصديق‪ ،‬فهو إن لم يكن التاجر الول فععي مكععة‪ ،‬فهععو مععن‬
‫أشهر تجارها‪ ،‬فأرباب المصالح هم كذلك قصاده‪ ،‬ولطيبتععه وحسععن‬
‫خلقه تجد عوام الناس يرتادون بيته‪ ،‬فهو المضياف الدمث الخلععق‪،‬‬
‫الذي يفرح بضيوفه‪ ،‬ويأنس بهم‪ ،‬فكل طبقات المجتمع المكي تجد‬
‫حظهععا عنععد الصععديق رضععوان اللععه عليععه)‪ ،(2‬كععان رصععيده الدبععي‬
‫والعلمي والجتماعي في المجتمععع المكععي عظيم عًا‪ ،‬ولععذلك عنععدما‬
‫تحرك في دعوته للسلم استجاب له صفوة من خيرة الخلق)‪.(3‬‬
‫ثانيًا‪ :‬دعوته‪:‬‬
‫وحمل الدعوة مع رسول الله ‪ ،ε‬وتعلم مععن‬ ‫أسلم الصديق ‪τ‬‬
‫رسععول اللععه ‪ ε‬أن السععلم ديععن العمععل والععدعوة والجهععاد‪ ،‬وأن‬

‫)( اللباني في صحيح الجامع الصغير )‪ (2/8‬ج ‪.3‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( انظر‪ :‬التربية القيادية للغضبان )‪.(1/115‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( نفس المصدر )‪.(1/116‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪24‬‬
‫اليمععان ليكمععل حععتى يهععب المسععلم نفسععه ومايملععك للععه رب‬
‫ي‬
‫حي َععا َ‬ ‫م ْ‬‫كي وَ َ‬ ‫سع ِ‬
‫صععلِتي وَن ُ ُ‬ ‫ن َ‬ ‫العععالمين) (‪ ،‬قععال تعععالى‪} :‬قُ ْ‬
‫ل إِ ّ‬ ‫‪1‬‬

‫ت وَأ َن َععا‬‫م عْر ُ‬


‫ك ل َه وب عذ َل ِ َ ُ‬
‫كأ ِ‬ ‫ري َ ُ َ ِ‬ ‫ش ِ‬‫ن`ل َ‬ ‫ب ال َْعال َ ِ‬
‫مي َ‬ ‫ماِتي ل ِل ّهِ َر ّ‬ ‫م َ‬‫وَ َ‬
‫ن`{ )سورة النعام‪ ،‬اليتان‪ (162،163 :‬وقد كععان‬ ‫مي َ‬‫سل ِ ِ‬
‫م ْ‬ ‫ل ال ْ ُ‬‫أ َوّ ُ‬
‫الصديق كثير الحركة للدعوة الجديدة‪ ،‬وكثير البركة اينما تحرك أثر‬
‫وحقق مكاسب عظيمة للسلم‪ ،‬وقد كان نموذجا ً حيا ً فععي تطععبيقه‬
‫ة‬ ‫ع َ‬
‫ظعع ِ‬ ‫مععةِ َوال ْ َ‬
‫م وْ ِ‬ ‫حك ْ َ‬‫ك ِبال ْ ِ‬‫ل َرب ّ َ‬ ‫سِبي ِ‬ ‫لقول الله تعالى‪} :‬اد ْع ُ إ َِلى َ‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫ن‬‫معع ْ‬
‫م بِ َ‬‫ك هُوَ أع َْلعع ُ‬ ‫ن َرب ّ َ‬ ‫ن إِ ّ‬‫س ُ‬ ‫ح َ‬ ‫يأ ْ‬ ‫م ِبال ِّتي ه ِ َ‬‫جاد ِل ْهُ ْ‬‫سن َةِ وَ َ‬
‫ح َ‬ ‫ال ْ َ‬
‫َ‬
‫ن{ )سععورة النحععل‪ ،‬اليععة‪:‬‬ ‫دي َ‬‫مهْت َ ِ‬ ‫م ِبال ْ ُ‬‫سِبيل ِهِ وَهُوَ أع ْل َ ُ‬‫ن َ‬ ‫ل عَ ْ‬ ‫ض ّ‬ ‫َ‬
‫‪.(125‬‬
‫في الدعوة الى الله يوضح صععورة مععن‬ ‫كان تحرك الصديق ‪τ‬‬
‫صور اليمان بهذا العدين والسعتجابة للعه ورسعوله صعورة المعؤمن‬
‫الذي ليقر له قرار‪ ،‬ول يهدأ له بععال‪ ،‬حععتى يحقععق فععي دنيععا النععاس‬
‫ماآمن به‪ ،‬دون أن تكون انطلقتععه دفعععة عاطفيععة مؤقتععة سععرعان‬
‫ماتخمد وتذبل وتزول‪ ،‬وقد بقي نشاط أبي بكععر وحماسععه للسععلم‬
‫مل أو يعجز)‪.(2‬‬
‫الى أن توفاه الله عز وجل لم يفتر أو يضعف أوي ّ‬
‫كععانت أول ثمععار الصععديق الدعويععة دخععول صععفوة مععن خيععرة‬
‫الخلق في السعلم وهعم‪ :‬الزبيعر بعن الععوام‪ ،‬وعثمعان بعن عفعان‪،‬‬
‫وطلحة بن عبيدالله‪ ،‬وسعد بن أبي وقععاص‪ ،‬وعثمععان بععن مضعععون‪،‬‬

‫)( تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.87‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( الوحي وتبليغ الرسالة‪ ،‬د‪ .‬يحيى اليحيى‪ ،‬ص ‪.62‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-25-‬‬
‫وأبععو عبيععدة بععن الجععراح‪ ،‬وعبععدالرحمن بععن عععوف‪ ،‬وأبوسعلمة بععن‬
‫عبدالسد‪ ،‬والرقم بن أبي الرقم رضععي اللععه عنهععم‪ ،‬وجععاء بهععؤلء‬
‫الصحابة الكرام فرادى فأسلموا بيععن يععدى رسععول اللععه ‪ ،ε‬فكععانوا‬
‫الدعامات الولى التي قام عليها صرح الدعوة‪ ،‬وكانوا العدة الولى‬
‫وبهم أعزه الله و أيده وتتابع النععاس‬ ‫في تقوية جانب رسول الله ‪ε‬‬
‫يدخلون في دين الله أفواجًا‪ ،‬رجععال ً ونسععاًء‪ ،‬وكععان كععل مععن هععؤلء‬
‫الطلئع داعية الى السلم‪ ،‬وأقبل معهععم رعيععل السععابقين‪ ،‬الواحععد‬
‫والثنان‪ ،‬والجماعة القليلة‪ ،‬فكانوا على قلة عددهم كتيبععة الععدعوة‪،‬‬
‫وحصن الرسالة لم يسبقهم سابق ول يلحق بهععم لحععق فععي تاريععخ‬
‫السلم)‪.(1‬‬
‫وإهتم الصععديق بأسععرته فأسععلمت أسععماء وعائشععة وعبععدالله‬
‫وزوجته أم رومان وخعادمه عععامر بععن فهيععرة‪ ،‬لقعد كععانت الصععفات‬
‫الحميععدة والخلل العظيمععة والخلق الكريمععة الععتي تجسععدت فععي‬
‫شخصية الصديق عامل ً مؤثرا ً في الناس عند دعوتهم للسلم‪ ،‬فقد‬
‫كان رصيده الخلقي ضخما ً في قومه وكبيرا ً في عشيرته‪ ،‬فقد كان‬
‫ل‪ ،‬مؤلفا ً لقومه‪ ،‬محببا ً لهم‪ ،‬سععه ً‬
‫ل‪ ،‬أنسععب قريععش لقريععش بععل‬ ‫رج ً‬

‫كان فرد زمعانه فعي هعذا الفعن‪ ،‬وكععان رئيسعا ً مكرمعا ً سعخيا ً يبععذل‬
‫المال‪ ،‬وكانت له بمكة ضيافات ليفعلها أحد‪ ،‬وكان رجل ً بليغا ً)‪.(2‬‬
‫إن هذه الخلق والصفات الحميدة لبد منها للععدعاة إلععى اللععه‬

‫)( محمد رسول الله‪ ،‬عرجون )‪.(1/533‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( السيرة الحلبية )‪.(1/442‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪26‬‬
‫وإل أصععبحت دعععوتهم للنععاس صععيحة فععي واد‪ ،‬ونفخععة فععي رمععاد‪،‬‬
‫وسيرة الصديق وهي تفسر لنا فهمه للسلم وكيف عععاش بععه فععي‬
‫حياته حريّ بالدعاة أن يتأسوا بها في دعوة الفراد إلى الله تعالى‪.‬‬
‫ثالثًا‪ :‬ابتلؤه‪:‬‬
‫إن سععنة البتلء ماضععية فععي الفععراد والجماعععات والشعععوب‬
‫والمم والدول‪ ،‬وقد مضت هذه السنة في الصحابة الكرام وتحملوا‬
‫رضوان الله عليهم من البلء ماتنوء به الرواسي الشامخات وبععذلوا‬
‫أموالهم ودماءهم في سبيل الله‪ ،‬وبلغ بهععم الجهععد ماشععاء اللععه أن‬
‫يبلغ‪ ،‬ولم يسلم أشراف المسلمين من هذا البتلء‪ ،‬فلقعد أوذي أبعو‬
‫حثي علععى رأسععه الععتراب‪ ،‬وضععرب فععي المسععجد الحععرام‬
‫و ُ‬ ‫بكر ‪τ‬‬
‫بالنعال‪ ،‬حتى مايعرف وجهه من أنفه‪ ،‬وحمل الى بيته في ثوبه وهو‬
‫مابين الحياة والموت)‪ ،(1‬فقد روت عائشة رضععي اللععه تعععالى عنهععا‬
‫وكانوا ثمانيععة وثلثيععن رجل ً الع ّ‬
‫ح أبععو‬ ‫أنه لّما اجتمع أصحاب النبي ‪ε‬‬
‫بكر ‪ τ‬على رسول الله ‪ ε‬في الظهور‪ ،‬فقال‪ :‬يا أبا بكععر إن ّععا قليععل‪.‬‬
‫فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول اللععه ‪ ،ε‬وتفععرق المسععلمين‬
‫في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته‪ ،‬وقام أبو بكر في الناس‬
‫جععالس‪ ،‬فكععان أّول خطيععب دعععا إلععى اللععه‬‫خطيبا ً ورسول اللععه ‪ε‬‬
‫تعععالى وإلععى رسععوله ‪ ،ε‬وثععار المشععركون علععى أبععي بكععر وعلععى‬
‫المسلمين‪ ،‬فضربوه في نواحي المسجد ضربا ً شععديدًا‪ ،‬ووطععئ أبععو‬
‫بكر وضرب ضربا ً شديدًا‪ ،‬ودنا منه الفاسق عتبععة بعن ربيععة فجعععل‬

‫)( التمكين للمة السلمية ‪ ،‬ص ‪.243‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪-27-‬‬
‫يضربه بنعلين مخصوفتين وُيحّرفهما لوجهه‪ ،‬ونععزا علععى بطععن أبععي‬
‫بكر ‪ ،τ‬حتى مايعرف وجهه معن أنفعه‪ ،‬وجعاءت بنعو تميعم يتععادون‬
‫ملت بنو تميم أبا بكر في ثععوب‬
‫ح َ‬
‫فأجلت المشركين عن أبي بكر‪ ،‬و َ‬
‫حتى أدخلوه منزلععه‪ ،‬وليشععكون فععي مععوته‪ ،‬ثععم رجعععت بنععو تميععم‬
‫فدخلوا المسجد وقالوا‪ :‬والله لئن معات أبعو بكعر لنقتلعن عتبععة بععن‬
‫ربيعة فرجعوا إلى أبععي بكععر فجعععل أبععو قحافععة )والععده( وبنععو تيععم‬
‫يكلمون أبا بكر حتى أجاب‪ ،‬فتكلم آخر النهار فقال‪ :‬مافعل رسععول‬

‫اللععه ‪ε‬؟ فم ّ‬
‫سععوا منععه بألسععنتهم وعععذلوه‪ ،‬وقععالوا لمععه أم الخيععر‪:‬‬
‫انظري أن تطعميه شيئا ً أو تسقيه إياه‪ .‬فلما خلت به ألحععت عليععه‪،‬‬
‫وجعل يقععول‪ :‬مافعععل رسععول اللععه ‪ε‬؟ فقععالت‪ :‬واللععه مععالي علععم‬
‫بصاحبك‪ .‬فقال‪ :‬اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسععأليها عنععه‪،‬‬
‫فخرجت حتى جاءت أم جميل‪ ،‬فقالت‪ :‬إن أبا بكر سألك عن محمد‬
‫بن عبدالله‪ .‬فقالت‪ :‬ما أعرف أبععا بكععر ولمحمععد بععن عبععدالله‪ ،‬وإن‬
‫كنت تحبين أن أذهب معك إلععى ابنععك‪ .‬قععالت‪ :‬نعععم‪ ،‬فمضععت معهععا‬
‫حتى وجدت أبا بكر صريعا ً د َِنفًا‪ ،‬فدنت أم جميل‪ ،‬وأعلنت بالصععياح‪،‬‬
‫وقالت‪ :‬والله إن قوما ً نالوا منك لهل فسق وكفر إننععي لرجععوا أن‬
‫ينتقم الله لك منهم‪ ،‬قال‪ :‬فمعا فععل رسعول اللعه ‪ε‬؟ قعالت‪ :‬هعذه‬
‫أمك تسمع‪ ،‬قال‪ :‬فلشيء عليك منها‪ ،‬قععالت‪ :‬سععالم صععالح‪ ،‬قععال‪:‬‬
‫أين هو؟ قععالت‪ :‬فععي دار الرقععم‪ .‬قععال‪ :‬فععإن للععه علععي أن ل أذوق‬
‫طعاما ً ول أشرب شععرابا ً أو آتععي رسععول اللععه ‪ ،ε‬فأمهلتععا حععتى إذا‬

‫‪28‬‬
‫هدأت الّرجل وسكن الناس‪ ،‬خرجتا به يتكئ عليهما‪ ،‬حععتى أدخلتععاه‬
‫على رسول الله ‪ ،ε‬فقال‪ :‬فأكب عليه رسععول اللععه فقبلععه‪ ،‬وأكععب‬
‫رقة شديدة فقال أبو بكر ‪:‬‬ ‫عليه المسلمون‪ ،‬ورقّ له رسول الله ‪ε‬‬
‫بأبي وأمي يارسول الله‪ ،‬ليععس بعي بععأس إل مععا نععال الفاسععق مععن‬
‫وجهي‪ ،‬وهذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعهععا إلععى اللععه‪ ،‬وأدع‬
‫الله لها عسععى اللععه أن يسععتنقذها بععك مععن النععار‪ .‬قععال‪ :‬فععدعا لهععا‬
‫ودعاها إلى الله فأسلمت)‪.(1‬‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫إن هذا الحدث العظيم فععي طيععاته دروس وعععبر لكععل مسععلم‬
‫حريص على القتداء بهعؤلء الصعحب الكعرام ونحعاول أن نسعتخرج‬
‫بعض هذه الدروس التي منها‪:‬‬
‫‪-1‬حرص الصديق على إعلن السععلم واظهععاره أمععام الكفععار‬
‫وهذا يدل على قوة إيمانه وشجاعته وقد تحمل الذى العظيم حععتى‬
‫أن قومه كععانوا ليشععكون فععي معوته‪ ،‬لقععد أشععرب قلبععه حععب اللععه‬
‫ورسوله أكثر من نفسه‪ ،‬ولم يعد يهمععه ‪-‬بعععد إسععلمه‪ -‬إل أن تعلععوا‬
‫راية التوحيد‪ ،‬ويرتفع النداء ل إلععه إل اللععه محمععد رسععول اللععه فععي‬
‫أرجاء مكة حتى لو كان الثمن حيععاته‪ ،‬وكععاد أبععو بكععر فعل ً أن يععدفع‬
‫حياته ثمنا ً لعقيدته وإسلمه‪.‬‬
‫‪-2‬إصرار أبي بكر على الظهور بدعوة السلم وسط الطغيان‬
‫الجاهلي‪ ،‬رغبة في إعلم الناس بذلك الدين الذي خالطت بشاشته‬
‫القلوب‪ ،‬رغم علمه بالذى الذي قد يتعرض له وصحبه وماكان ذلك‬
‫)( السيرة النبوية لبن كثير )‪(441 -1/439‬؛ البداية والنهاية )‪.(3/30‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪-29-‬‬
‫إل لنه قد خرج من حظ نفسه‪.‬‬
‫‪-3‬حعب اللعه ورسععوله تغلغعل فعي قلععب أبعي بكعر علعى حبعه‬
‫لنفسه‪ ،‬بدليل أنه رغم ما ألم به‪ ،‬كععان أول مععا سععأل عنععه‪ :‬مافعععل‬
‫رسول الله ‪ ،ε‬قبل أن يطعم أو يشرب‪ ،‬وأقسم أنه لن يفعل حتى‬
‫عند‬ ‫يأتي رسول الله ‪ ،ε‬وهكذا يجب أن يكون حب الله ورسوله ‪ε‬‬
‫نفسه‬ ‫لك‬ ‫كل مسلم أحب إليه مما سواهما حتى لو كلفه ذ‬
‫وماله)‪.(1‬‬
‫‪-4‬إن العصبية القبلية كان لها في ذلك الحين دور فععي تععوجيه‬
‫الحداث والتعامل مع الفراد حتى مع اختلف العقيدة‪ ،‬فهذه قبيلععة‬
‫أبي بكر تهدد بقتل عتبة إن مات أبو بكر)‪.(2‬‬
‫‪-5‬تظهر مواقف رائعععة لم جميععل بنععت الخطععاب‪ ،‬توضععح لنععا‬
‫ب الدعوة والحرص عليهععا‪ ،‬وعلععى الحركععة لهععذا‬
‫ح ّ‬
‫كيف تربت على ُ‬
‫الدين‪ ،‬فحينما سألتها أم أبي بكر عن رسول الله قالت‪ :‬مععا أعععرف‬
‫أبا بكر ول محمد بن عبدالله‪ ،‬فهذا تصرف حذر سليم‪ ،‬لن أم الخير‬
‫لم تكن ساعتئذ مسلمة وأم جميل كانت تخفي إسلمها‪ ،‬ولتععود أن‬
‫تعلم به أم الخير‪ ،‬وفي ذات الوقت أخفت عنهععا مكععان الرسععول ‪ε‬‬
‫مخافة أن تكعون عينعا ً لقريعش)‪ ،(3‬وفعي نفعس العوقت حرصعت أم‬
‫جميععل أن تطمئن علععى سععلمة الصععديق ولععذلك عرضععت علععى أم‬
‫الخير أن تصحبها إلى ابنها وعندما وصلت للصديق كععانت أم جميععل‬
‫)( استخلف أبي بكر الصديق‪ ،‬د‪ .‬جمال عبدالهادي ‪ ،‬ص ‪.131،132‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( محنة المسلمين في عهد المكي‪ ،‬د‪ .‬سليمان السويكت‪ ،‬ص ‪.79‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( السيرة النبوية قراءة لجوانب الحذر والحماية‪ ،‬ص ‪.50‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪30‬‬
‫في غاية الحيطة والحذر من أن تتسرب منها أي معلومة عن مكان‬
‫رسول الله وأبلغت الصديق بأن رسول الله سالم صالح)‪ ،(1‬ويتجلى‬
‫الموقف الحذر من الجاهلية التي تفتن الناس عن دينهم في خروج‬
‫الثلثة عندما‪ :‬هدأت الرجل وسكت الناس)‪.(2‬‬
‫‪-6‬يظهر بععر الصععديق بععأمه وحرصععه علععى هععدايتها فععي قععوله‬
‫لرسول الله ‪ :ε‬هذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى اللععه‬
‫وادع الله لها عسى أن يسععتنقذها بععك مععن النععار‪ .‬إنععه الخععوف مععن‬
‫لم‬ ‫عذاب الله والرغبة في رضاه وجنته‪ ،‬ولقد دعععا رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫أبي بكر بالهداية فاستجاب الله له‪ ،‬وأسلمت أم أبي بكر وأصععبحت‬
‫من ضمن الجماعة المؤمنة المباركة التي تسعععى لنشععر ديععن اللععه‬
‫تعالى‪ ،‬ونلمس رحمة الله بعباده ونلحععظ مععن خلل الحععدث قععانون‬
‫المنحة بعد المحنة‪.‬‬
‫‪-7‬إن من أكثر الصععحابة الععذين تعرضععوا لمحنععة الذى والفتنععة‬
‫نظععرا ً لصععحبته الخاصععة لععه‪،‬‬ ‫بعد رسول الله ‪ ε‬أبا بكععر الصععديق ‪τ‬‬
‫والتصاقه به في المواطن التي كان يتعرض فيهععا للذى مععن قععومه‬
‫فينبري الصديق مدافعا ً عنه وفادي عا ً إيععاه بنفسععه‪ ،‬فيصععيبه مععن أذى‬
‫القوم وسفههم‪ ،‬هذا مع أن الصديق يعتبر مععن كبععار رجععال قريععش‬
‫المعروفين بالعقل والحسان)‪.(3‬‬

‫)( السيرة النبوية‪ ،‬قراءة لجوانب الحذر والحماية‪ ،‬ص ‪.51‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( استخلف الصديق ‪ ،‬د‪.‬جمال عبدالهادي ‪ ،‬ص ‪.132‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( محنة المسلمين في العهد المكي‪ ،‬ص ‪.75‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-31-‬‬
‫رابعًا‪ :‬دفاعه عن النبي ‪:ε‬‬
‫من صفات الصديق التي تميععز بهععا‪ :‬الجععرأة والشععجاعة‪ ،‬فقععد‬
‫كان ليهاب أحدا ً في الحق‪ ،‬ولتأخذه لومة لئم في نصرة دين اللععه‬
‫فعن عروة بن الزبير قال سععألت‬ ‫والعمل له والدفاع عن رسوله ‪ε‬‬
‫ابن عمرو بن العععاص بععأن يخععبرني بأشععد شععئ صععنعه المشععركون‬
‫يصععلي فععي حجععر الكعبععة‪ ،‬إذ أقبععل‬ ‫بالنبي ‪ ε‬فقال‪ :‬بينمععا النععبي ‪ε‬‬
‫عقبة بن أبي معيععط فوضععع ثععوبه فععي عنقععه فخنقععه خنقعا ً شععديدًا‪،‬‬
‫وقععال‪:‬‬ ‫فأقبل أبو بكععر حععتى أخععذ بمنكععبيه ودفعععه عععن النععبي ‪ε‬‬
‫) ‪(1‬‬

‫)أتقتلون رجل ً أن يقول ربي الله( )غافر‪ ،‬آية‪ .(28:‬وفي رواية أنس‬
‫مرة حتى غشععي‬ ‫رضي الله عنه أنه قال‪ :‬لقد ضربوا رسول الله ‪ε‬‬
‫عليه فقام أبو بكر ‪ τ‬فجعل ينادي ويلكععم ) أتقتلععون رجل ً أن يقععول‬
‫ربي الله()‪ .(2‬وفي حديث أسماء‪ :‬فأتى الصريخ إلى أبي بكر‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫أدرك صاحبك‪ .‬قالت فخرج من عندنا وله غععدائر أربععع وهععو يقععول‪:‬‬
‫ويلكم أتقتلون رجل ً أن يقول ربي الله‪ .‬فلهوا عنه وأقبلوا على أبععي‬
‫بكر‪ ،‬فرجع إلينا أبو بكر فجعععل ليمععس شععيئا ً مععن غععدائره إل رجععع‬
‫فقععد قععام خطيبعا ً‬ ‫معه) (‪ ،‬وأما في حديث علععي بععن أبععي طععالب ‪τ‬‬ ‫‪3‬‬

‫وقععال‪ :‬يععا أيهععا النععاس مععن أشععجع النععاس؟ فقععالوا‪ :‬أنععت يععا أميععر‬
‫المؤمنين فقال‪ :‬أما إني مابارزني أحد إل انتصفت منععه‪ ،‬ولكععن هععو‬

‫)( البخاري رقم ‪.3856‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( الصحيح المسند في فضائل الصحابة للعدوي‪ ،‬ص ‪.37‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( منهاج السّنة )‪ (3/4‬؛ فتح الباري ) ‪.(7/169‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪32‬‬
‫عريشا ً فقلنا من يكون مع رسول‬ ‫أبو بكر‪ ،‬إنا جعلنا لرسول الله ‪ε‬‬
‫الله ‪ ε‬لئل يهوي عليه أحد من المشركين‪ ،‬فوالله مادنا منه أحعد إل‬
‫أبو بكر شاهرا ً بالسيف على رأس رسول الله ‪ ،ε‬ليهوي إليععه أحععد‬
‫إل ّ أهوى إليععه فهععذا أشععجع النععاس‪ .‬قععال ولقععد رأيععت رسععول اللععه‬
‫وأخذته قريش فهذا ُيحاُده‪ ،‬وهذا يتلتله ويقولون أنت جعلععت اللهععة‬
‫إلها ً واحدا ً فوالله مادنععا منعه أحعد إل أبعو بكعر يضعرب ويجاهعد هعذا‬
‫ويتلتل هذا‪ ،‬وهو يقول‪ :‬ويلكم أتقتلون رجل ً أن يقول ربععي اللععه ثععم‬
‫رفع على بردة كانت عليععه فبكععى حععتى اخضععلت لحيتععه‪ ،‬ثععم قععال‪:‬‬
‫أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم هععو؟ فبكععت القععوم‪ ،‬فقععال‬
‫ي‪ :‬فوالله لساعة من أبي بكر خير من ملععء الرض مععن مععؤمن‬
‫عل ّ‬
‫آل فرعون‪ ،‬ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه)‪.(1‬‬
‫هذه صورة مشرقة تبين طبيعة الصععراع بيععن الحععق والباطععل‬
‫والهدى والضلل‪ ،‬واليمان والكفر‪ ،‬وتوضععح مععاتحمله الصععديق مععن‬
‫اللم والعذاب في سبيل الله تعالى كما تعطي ملمح واضععحة عععن‬
‫شخصيته الفذة‪ ،‬وشجاعته النادرة التي شهد له بها المععام علععي ‪τ‬‬
‫في خلفته أي بعد عقود من الزمن‪ ،‬وقععد تععأثر علععي ‪ τ‬حععتى بكععى‬
‫وأبكى‪.‬‬
‫أول من أوذي في سبيل الله بعد رسععول اللععه‪،‬‬ ‫إن الصديق ‪τ‬‬
‫وأول من دافع عن رسول الله‪ ،‬وأول من دعا الععى اللععه)‪ ،(2‬وكععانت‬

‫)( البداية والنهاية )‪.(272 -3/271‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( انظر‪ :‬ابوبكر الصديق ‪ ،‬محمد عبدالرحمن قاسم‪ ،‬ص ‪.29،30،32‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-33-‬‬
‫الذراع اليمنى لرسول الله ‪ ،ε‬وتفرغ للدعوة وملزمة رسععول اللععه‬
‫وإعانته على من يدخلون الدعوة في تربيتهم وتعليمهم وإكرامهععم‪،‬‬
‫يقص لنا حديثه عن إسعلمه ففيعه‪...) :‬فقعال أبعوبكر‪:‬‬ ‫فهذا ابوذر ‪τ‬‬
‫ائذن لي يارسول الله في طعامه الليلععة ‪ -‬وأنعه أطعمععه معن زبيععب‬
‫الطائف)‪ ،(1‬وهكذا كان الصديق في وقوفه مع رسول الله يسععتهين‬
‫قعل أو كعثر‬ ‫بالخطر على نفسه‪ ،‬ول يستهين بخطر يصيب النععبي ‪ε‬‬
‫حيثما رآه واستطاع أن يذود عنه العادين عليه‪ ،‬وانه ليراهم آخععذين‬
‫بتلبيبه فيدخل بينهم وبينه وهو يصيح بهم‪) :‬ويلكم أتقتلععون رجل ً ان‬
‫يقول ربي الله؟( فينصععرفون عععن النععبي وينحععون عليععه يضععربونه‪،‬‬
‫ويجذبونه من شعره فل يدعونه إل وهو صديع()‪.(2‬‬
‫خامسًا‪ :‬انفاقه الموال لتحرير المعذبين في الله‪:‬‬
‫ولصحابه مععع انتشععار‬ ‫تضاعف اذى المشركين لرسول الله ‪ε‬‬
‫الدعوة في المجتمع المكي الجاهلي حتى وصععل الععى ذروة العنععف‬
‫وخاصعة فععي معاملعة المستضعععفين مععن المسععلمين‪ ،‬فنكلععت بهععم‬
‫لتفتنهم عن عقيدتهم وإسلمهم‪ ،‬ولتجعلهم عبرة لغيرهم‪ ،‬ولتنفععس‬
‫عن حقدها وغضبها بما تصبه عليهم من العذاب وقد تعرض بلل ‪τ‬‬
‫لعذاب عظيم ولم يكن لبلل ‪ τ‬ظهر يسنده‪ ،‬ول عشيرة تحميه‪ ،‬ول‬
‫سيوف تذود عنه‪ ،‬ومثل هذا النسان في المجتمع الجععاهلي المكععي‬
‫يعادل رقما ً مععن الرقععام‪ ،‬فليععس لععه دور فععي الحيععاة إل أن يخععدم‬

‫)( الفتح )‪(7/213‬؛ الخلفة الراشدة‪ ،‬يحيى اليحيى‪ ،‬ص ‪.156‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( عبقرية الصديق للعقاد‪ ،‬ص ‪87‬؛ صديع‪ :‬المشقوق الثوب‪.‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪34‬‬
‫ويطيع ويبععاع ويشععترى كالسععائمة‪ ،‬أمععا أن يكععون لععه رأي أو يكععون‬
‫صاحب فكر‪ ،‬أو صاحب دعوة أو صاحب قضية‪ ،‬فهذه جريمة شنعاء‬
‫في المجتمع الجاهلي المكي تهععز أركععانه‪ ،‬وتزلععزل أقععدامه‪ ،‬ولكععن‬
‫الععدعوة الجديععدة الععتي سععارع لهععا الفتيععان وهععم يتحععدون تقاليععد‬
‫وأعراف آبائهم الكبار لمست قلععب هععذا العبععد المرمععي المنسععي‪،‬‬
‫فأخرجته إنسانا ً جديد في الحياة)‪ ،(1‬قد تفجرت معاني اليمععان فععي‬
‫وإخععوانه فععي‬ ‫إعماقه بعد أن آمن بهذا الدين وانضم الععى محمععد ‪ε‬‬
‫موكب اليمان العظيم وعندما علم سيده أميةبن خلف‪ ،‬راح يهععدده‬
‫تارة ويغريه اطورا ً فما وجد عند بلل غير العزيمة وعدم السععتعداد‬
‫للعودة الى الوراء الى الكفر والجاهلية والضلل‪ ،‬وفحنق عليه أمية‬
‫وقرر أن يعذبه عذابا ً شععديدًا‪ ،‬فععأخرجه الععى شععمس الظهيععرة فععي‬
‫الصحراء بعد أن منع عنه الطعام والشععراب يومعا ً وليلععة‪ ،‬ثععم ألقععاه‬
‫على ظهره فوق الرمال المحرقة الملتهبة ثم أمععر غلمععانه فحملععوا‬
‫صخرة عظيمة وضعوها فوق صدر بلل وهو مقيد اليععدين‪ ،‬ثععم قععال‬
‫له‪ :‬لتزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمععد وتعبععد اللت والعععزى(‬
‫وأجاب بلل بكل صبر وثبات‪ :‬أحد أحد‪ .‬وبقي أميععة بععن خلععف مععدة‬
‫وهو يعذب بلل ً بتلك الطريقة البشعة) (‪ ،‬فقصد وزير رسول الله ‪ε‬‬
‫‪2‬‬

‫الصديق موقع التعذيب وفاوض أمية بن خلف وقععال لععه‪) :‬أل تتقععي‬
‫الله في هذا المسكين؟ حتى متى! قال‪ :‬أنت أفسدته فأنقععذه ممععا‬

‫)( التربية القيادية )‪.(1/136‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( عتيق العتقاء )ابوبكر الصديق(‪ ،‬محمود البغدادي ‪ ،‬ص ‪.39،40‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-35-‬‬
‫ترى‪ ،‬فقال أبوبكر‪ :‬أفعل‪ ،‬عندي غلم أسود أجلد منه وأقععوى علععى‬
‫دينك أعطيكه به‪ ،‬قال‪ :‬قد قبلععت؛ فقععال‪ :‬هععو لععك فأعطععاه أبععوبكر‬
‫غلمه ذلك وأخذه فأعتقه()‪ ،(1‬وفي رواية اشعتراه بسعبع‬ ‫الصديق ‪τ‬‬
‫أواق أو بأربعين أوقية ذهبا ً)‪ ،(2‬ماأصبر بلل وماأصلبه ‪ !τ‬فقععد كععان‬
‫ص عُلب ولععم تليععن قنععاته أمععام‬
‫صادق السلم‪ ،‬طاهر القلب‪ ،‬ولذلك َ‬
‫التحديات وأمام صنوف العذاب‪ ،‬وكان صبره‪ ،‬وثبععاته ممععا يغيظهععم‬
‫ويزيد حنقهم‪ ،‬خاصة أن كان الرجل الوحيد من ضعععفاء المسععلمين‬
‫الذي ثبت على السلم فلم يوات الكفار فيما يريدون معرددا ً كلمعة‬
‫التوحيععد بتحععد صععارخ‪ ،‬وهععانت عليععه نفسععه فععي اللععه وهععان علععى‬
‫قومه)‪.(3‬‬
‫وبعد كل محنة منحة فقععد تخلععص بلل مععن العععذاب والنكععال‪،‬‬
‫وتخلص من أسر العبودية‪ ،‬وعاش مع رسول الله بقية حياته ملزما ً‬

‫له‪ ،‬ومات راضيا ً عنه‪.‬‬


‫واستمر الصديق في سياسة فك رقاب المسععلمين المعععذبين‬
‫واصبح هذا المنهج من ضمن الخطة التي تبنتهععا القيععادة السععلمية‬
‫دعم الععدعوة بالمععال‬
‫لمقاومة التعذيب الذي نزل بالمستضعععفين ف ع ّ‬
‫والرجععال والفععراد فععراح يشععتري العبيععد والمععاء المملععوكين مععن‬
‫المؤمنين والمؤمنات منهم عامر بن فهيرة شهد بدرا ً وأحدًا‪ ،‬وقتععل‬
‫يوم بئر معونة شعهيدًا‪ ،‬وأم ععبيس‪ ،‬و زّنيعرة وأصعيب بصعرها حيعن‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(1/394‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( التربية القيادية )‪.(1/140‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( محنة المسلمين في العهد المكي‪ ،‬ص ‪.92‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪36‬‬
‫أعتقها فقالت قريش‪ :‬مععاأذهب بصععرها إل اللت والعععزى‪ ،‬فقععالت‪:‬‬
‫كععذبوا وبيععت اللععه ماتضععر اللت والعععزى وماتنفعععان‪ ،‬فععرد اللععه‬
‫بصرها)‪ ،(1‬وأعتق النهدية وبنتها وكانتا لمرأة من بني عبدالععدار مععّر‬
‫بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهي تقول‪ :‬والله ل أعتقكمععا‬
‫يأم فلن فقالت‪ :‬حل أنععت‪ ،‬أفسععدتهما‬ ‫ح ّ‬
‫ل) ‪(2‬‬ ‫ِ‬ ‫أبدًا‪ :‬فقال ابو بكر ‪τ‬‬
‫فأعتقهما؛ قال‪ :‬فبكم هما؟ قالت‪ :‬بكذا وكععذا‪ .‬وقععال‪ :‬قععد أخععذتهما‬
‫وهما حرتان ألينها طحينهععا‪ .‬قالتععا‪ :‬أو نفعرغ منععه ياأبععابكر ثععم نععرده‬
‫إليها؟ قال‪ :‬وذلك إن شئتما)‪.(3‬‬
‫وهنععا وقفععة تأمععل ترينععا كيععف سععوى السععلم بيععن الصععديق‬
‫والجععاريتين حععتى خطابتععاه خطععاب النععد للنععد‪ ،‬لخطععاب المسععود‬
‫للسيد‪ ،‬وتقبل الصديق على شرفه وجللته في الجاهلية والسلم ‪-‬‬
‫منهما ذلك‪ ،‬مع أنعه لعه يعدا ً عليهمععا بععالتعق‪ ،‬وكيعف صعقل السعلم‬
‫الجاريتين حتى تخلقتا بهذا الخلق الكريم‪ ،‬وكان يمكنهما وقد أعتقتا‬
‫وتحررتا من الظلم أن تععدعا لهمععا طحينهععا يععذهب أدراج الريععاح‪ ،‬أو‬
‫يععأكله الحيععوان والطيععر‪ ،‬ولكنهمععا ابتععا ‪ -‬تفضع ً‬
‫ل‪ ،‬إل أن تفرغععا منععه‪،‬‬
‫وترداه إليها)‪.(4‬‬
‫ومر الصديق بجارية بني مؤمل حي من بنععي عععدي بععن كعععب‬
‫وكانت مسلمة‪ ،‬وعمععر بععن الخطععاب يعععذبها لتععترك السععلم‪ ،‬وهععو‬

‫السيرة النبوية لبن هشام )‪.(1/393‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫حل‪ :‬تحللي من يمينك‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫السيرة النبوية لبن هشام )‪.(1/393‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫السيرة النبوية لبي شهبة )‪.(1/346‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪-37-‬‬
‫يومئذ مشركا ً يضربها‪ ،‬حتى إذا م ّ‬
‫ل قال‪ :‬إنعي أعتعذر إليعك إنعي لعم‬
‫أتركك إل عن مللة فتقول‪ :‬كععذلك فعععل اللععه بععك فابتاعهععا أبععوبكر‬
‫فأعتقها)‪.(1‬‬
‫هكععذا كععان واهععب الحريععات‪ ،‬ومحععرر العبيععد‪ ،‬شععيخ السععلم‬
‫الوقور‪ ،‬الذي عرف بين قومه‪ ،‬بأنه يكسب المعدوم‪ ،‬ويصل الرحم‪،‬‬
‫ويحمععل الكععل‪ ،‬ويقععري الضععيف‪ ،‬ويعيععن علععى نععوائب الحععق‪ ،‬ولععم‬
‫ينغمس في إثم في جاهليته‪ ،‬أليف مألوف يسيل قلبه رقة ورحمععة‬
‫على الضعفاء والرقاء‪ ،‬أنفق جزًء كبيرا ً من ماله في شعراء العبيعد‪،‬‬
‫وعتقهم لله‪ ،‬وفي الله‪ ،‬قبل أن تنزل التشريعات السلمية المحببة‬
‫في العتق‪ ،‬والواعدة عليه أجزل الثواب)‪.(2‬‬
‫الذي يبععذل هععذا المععال‬ ‫كان المجتمع المكي يتندر بأبي بكر ‪τ‬‬
‫كله لهؤلء المستضعفين‪ ،‬أما في نظر الصديق‪ ،‬فهؤلء إخعوانه فعي‬
‫الدين الجديد فكل واحد من هؤلء ليساوي عنععده مشععركي الرض‬
‫وطغاتها‪ ،‬وبهذه العناصر وغيرها تبنى دولة التوحيد‪ ،‬وتصنع حضععارة‬
‫ولم يكن الصديق يقصد بعملععه هععذا محمععدة‪ ،‬ول‬ ‫الرائعة)‪(3‬‬ ‫السلم‬
‫جاهًا‪ ،‬ول دينًا‪ ،‬وإنما كان يريد وجه الله ذا الجلل والكرام لقد قععال‬
‫له أبوه ذات يوم‪ :‬يابني إني أراك تعتععق رقاب عا ً ضعععافًا‪ ،‬فلععو أنععك إذ‬
‫فعلت أعتقت رجال ً جلد يمنعوك‪ ،‬ويقومون دونك؟ فقال أبوبكر ‪:τ‬‬
‫ياأبت إني إنما أريد ماأريد للععه عععز وجععل‪ ،‬فل عجععب إذا كععان اللععه‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(1/393‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( السيرة النبوية لبي شهبة )‪.(1/345‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( التربية القيادية )‪.(1/342‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪38‬‬
‫سبحانه أنزل في شأن الصديق قرآنا ً يتلععى الععى يععوم القيامععة قععال‬
‫ن أ َع ْ َ‬ ‫َ‬
‫صعععععد ّقَ‬‫قعععععى`وَ َ‬ ‫طعععععى َوات ّ َ‬ ‫مععععع ْ‬ ‫معععععا َ‬ ‫تعععععععالى‪} :‬فَأ ّ‬
‫َ‬
‫خعععع َ‬
‫ل‬ ‫ن بَ ِ‬‫معععع ْ‬
‫مععععا َ‬
‫سععععَرى`وَأ ّ‬ ‫سععععُره ُ ل ِل ْي ُ ْ‬ ‫سععععَنى`فَ َ‬
‫سن ُي َ ّ‬ ‫ح ْ‬ ‫ِبال ْ ُ‬
‫ما ي ُغِْنععي‬
‫سَرى`وَ َ‬ ‫سُره ُ ل ِل ْعُ ْ‬ ‫سَنى`فَ َ‬
‫سن ُي َ ّ‬ ‫ح ْ‬‫ب ِبال ْ ُ‬ ‫ست َغَْنى`وَك َذ ّ َ‬
‫َوا ْ‬
‫خععَرةَ‬ ‫ن ل ََنععا َلل ِ‬ ‫دى`وَإ ِ ّ‬ ‫ن ع َل َي َْنععا ل َل ُْهعع َ‬ ‫دى`إ ِ ّ‬ ‫ذا َتععَر ّ‬ ‫ه إِ َ‬ ‫مععال ُ ُ‬
‫ه َ‬‫ع َْنعع ُ‬
‫ها إ ِل ّ ال َ ْ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬
‫ذي‬ ‫قى`اّلعع ِ‬ ‫شعع َ‬ ‫صل َ‬ ‫ظى`ل ي َ ْ‬ ‫م َناًرا ت َل َ ّ‬ ‫َوالوَلى`فَأن ْذ َْرت ُك ُ ْ‬
‫ما‬ ‫كى`وَ َ‬ ‫مال َ ُ‬
‫ه ي َت ََز ّ‬ ‫ذي ي ُؤ ِْتي َ‬ ‫قى`ال ّ ِ‬ ‫جن ّب َُها ال َت ْ َ‬ ‫سي ُ َ‬‫ب وَت َوَّلى`وَ َ‬ ‫ك َذ ّ َ‬
‫ه‬
‫جعععهِ َرب ّععع ِ‬‫جعععَزى`إ ِل ّ اب ْت ِغَعععاَء وَ ْ‬ ‫معععةٍ ت ُ ْ‬ ‫ن ن ِعْ َ‬‫مععع ْ‬ ‫عن ْعععد َه ُ ِ‬ ‫حعععد ٍ ِ‬‫لَ َ‬
‫َ‬
‫ضى`{) ( )سورة الليل‪ ،‬اليات‪.(21-5 :‬‬ ‫‪1‬‬
‫ف ي َْر َ‬ ‫سو ْ َ‬ ‫الع َْلى`وَل َ َ‬
‫لقد كان الصديق من أعظم الناس إنفاقعا ً لمععاله فيمععا يرضعي‬
‫الله ورسوله‪.‬‬
‫كان هذا التكافل بين أفراد الجماعة السلمية الولى قمة من‬
‫قمم الخير والعطاء‪ ،‬وأصبح هؤلء العبيد بالسلم‪ ،‬أصععحاب عقيععدة‬
‫وفكرة يناقشون بها وينافحون عنها‪ ،‬ويجاهدون في سععبيلها‪ ،‬وكععان‬
‫على شرائهم ثععم عتقهععم دليل ً علععى عظمععة هععذا‬ ‫إقدام إبي بكر ‪τ‬‬
‫الدين ومدى تغلغله في نفسية الصععديق ‪ ،τ‬ومععا أحععوج المسععلمين‬
‫اليوم أن يحيوا هذا المثل الرفيع‪ ،‬والمشاعر السامية ليتععم التلحععم‬
‫والتعايش‪ ،‬والتعاضد بين أبنععاء المععة الععتي يتعععرض ابناءهععا للبععادة‬
‫الشاملة من قبل أعداء العقيدة والدين‪.‬‬
‫سادسًا‪ :‬هجرته الولى وموقف ابن الدغنة منها‪:‬‬

‫)( تفسير اللوسي )‪.(30/152‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪-39-‬‬
‫قالت عائشة رضي الله عنها‪ :‬قالت‪ :‬لععم أعقععل أبععوي قععط إل‬
‫وهما يدينان الدين‪ ،‬ولم يمر علينا يوم إل يأتينا فيععه رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫طرفي النهار‪ :‬بكرة وعشية فلمععا ابتلععى المسععلمون‪ ،‬خععرج أبععوبكر‬
‫مهاجرا ً نحو أرض الحبشة حتى برك الغماد لقيه ابععن الدغنععة ‪-‬وهععو‬
‫سيد القارة)‪ -(2‬فقال‪ :‬أيععن تريععد ياأبععابكر؟ فقععال ابععوبكر‪ :‬أخرجنععي‬
‫قومي فأريد أن أسيح في الرض وأعبد ربي‪ ،‬قال ابن الدغنة‪ :‬فععإن‬
‫مثلععك ياأبععابكر ل يخععرج ول يخععرج إنععك تكسععب المعععدوم‪ ،‬وتصععل‬
‫الرحم‪ ،‬وتحمل الكل‪ ،‬وتقري الضيف‪ ،‬وتعين على نوائب الحق‪ .‬فأنا‬
‫لك جار‪ .‬ارجع وأعبد ربك ببلدك‪ .‬فرجع‪ ،‬وارتحل معععه ابععن الدغنععة‪،‬‬
‫فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهععم‪ :‬إن أبععابكر‬
‫ل يخرج مثلعه ول يخعرج‪ ،‬أتخرجعون رجل ً يكسعب المععدوم‪ ،‬ويصعل‬
‫الرحم‪ ،‬ويحمل الكل ويقري الضيف‪ ،‬ويعين على نوائب الحق؟ فلم‬
‫تكذب قريش بجعوار ابعن الدغنعة‪ ،‬وقععالوا لبعن الدغنعة‪ :‬معر أبعابكر‬
‫فليعبد ربه في داره‪ ،‬فليصل فيها وليقرأ ماشاء ول يؤذينا بععذلك ول‬
‫يستعلن به‪ ،‬فإنا نخشى أن يفتععن نسععاءنا وأبناءنععا‪ .‬فقعال ذلععك ابععن‬
‫الدغنة لبي بكر‪ ،‬فلبث أبوبكر بذلك يعبد ربه في داره‪ ،‬ول يسععتعلن‬
‫بصلته ول يقرأ في غير داره‪ .‬ثم بدا لبي بكر فابتنى مسجدا ً بفنععاء‬
‫داره‪ ،‬وكععان يصععلي فيععه ويقععرأ القععرآن‪ ،‬فيتقععذف عليععه نسععاء‬
‫المشععركين‪ ،‬وأبنععاؤهم‪ ،‬وهععم يعجبععون منععه وينظععرون إليععه‪ ،‬وكععان‬

‫)( ابن الدغنة‪ :‬قيل اسمه الحارث بن يزيد وقيل مالك وقيععل ربيعععة بععن رفيععع‪ .‬والقععارة‬ ‫‪2‬‬
‫قبيلة من بني الهون بن خزيمة‪.‬‬

‫‪40‬‬
‫أبوبكر رجل ً بكاًء ليملك عينه إذا قرأ القرآن‪ ،‬فععأفزع ذلععك أشععراف‬
‫قريش من المشععركين‪ ،‬فأرسععلوا الععى ابععن الدغنععة‪ ،‬فقععدم عليهععم‬
‫فقالوا‪ :‬إنا كنا أجرنا أبابكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره‪ ،‬فقد‬
‫جاوز ذلك فابتنى مسجدا ً بفناء داره‪ ،‬فأعلن بالصلة والقراءة فيععه‪،‬‬
‫وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه‪ ،‬فإن أحععب أن يقتصععر‬
‫على أن يعبد ربه في داره فعل‪ ،‬وإن أبى إل أن يعلعن بععذلك فسععله‬
‫أن يرد إليك ذمته‪ ،‬فإنا قد كرهنا أن نغفرك ولسنا بمقرين لبي بكر‬
‫الستعلن‪ .‬قالت عائشة‪ :‬فأتى ابن الدغنة الى أبي بكععر فقععال‪ :‬قععد‬
‫علمت الذي عاقدت لك عليه‪ ،‬فإما أن تقتصععر علععى ذلععك وإمععا أن‬
‫ي ذمتي‪ ،‬فإني ل أحب أن تسمع العععرب أنععى أخفععرت فععي‬
‫ترجع ال ّ‬
‫رجل عقععدت لععه‪ .‬فقععال أبععوبكر‪ :‬فععإني أرد إليععك جععوارك‪ ،‬وأرضععى‬
‫بجوار الله عز وجل)‪ ،(1‬وحيععن خععرج مععن جععوار ابععن الدغنععة‪ ،‬يعنععي‬
‫ابوبكر‪ ،‬لقيه سفيه من سفهاء قريش وهو عامد الععى الكعبععة فحثععا‬
‫على رأسه ترابًا‪ ،‬فمر بأبي بكر الوليد بععن المغيععرة‪ ،‬أو العععاص بععن‬
‫وائل ‪ -‬فقال له أبوبكر ‪ :τ‬أل تر مايصنع هععذا السععفيه‪ ،‬فقععال‪ :‬أنععت‬
‫فعلت ذلك بنفسك‪ ،‬وهو يقول‪ :‬ربي ماأحلمك‪ ،‬أي ربععي ماأحلمععك‪،‬‬
‫أي ربي ماأحلمك)‪ .(2‬وفي هذه القصة دروس وعبر كثيرة منها‪:‬‬
‫فهاهو ابن‬ ‫‪ -1‬كان ابوبكر في عز من قومه قبل بعثة محمد ‪ε‬‬
‫الدغنة يقول له‪ :‬مثلك ياأبابكر ليخرج ول يخرج مثلعه‪ ،‬إنعك تكسعب‬

‫)( فتح الباري )‪.(7/274‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( البداية والنهاية )‪.(3/95‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-41-‬‬
‫المعدوم‪ ،‬وتصل الرحم‪ ،‬وتحمل الكل‪ ،‬وتقري الضيف‪ ،‬وتعين علععى‬
‫نوائب الحق‪ ،‬فأبوبكر لم يدخل في دين الله طلبا ً لجاه أو سععلطان‪،‬‬
‫ومادفعه الى ذلك إل حب الله ورسوله مما يععترتب علععى ذلععك مععن‬
‫ابتلءات‪ ،‬أي أنه لم يكن له تطلعات سوى مرضات الله تعالى‪ ،‬إنععه‬
‫يريد أن يفارق الهل والوطن والعشيرة ليعبععد ربععه لنععه حيععل بينععه‬
‫وبين ذلك في وطنه)‪.(1‬‬
‫‪ -2‬إن زاد الصعديق فعي دعععوته القعرآن الكريععم ولعذلك اهتععم‬
‫بحفظه وفهمه وفقهه والعمل به‪ ،‬وأكسبه الهتمام بالقرآن الكريععم‬
‫براعة في تبليغ الدعوة‪ ،‬وروعة في السلوب‪ ،‬وعمقا ً فععي الفكععار‪،‬‬
‫وتسلسل ً عقليا ً فععي عععرض الموضععوع الععذي يععدعو إليععه‪ ،‬ومراعععاة‬
‫لحوال السامعين وقوة في البرهان والدليل)‪.(2‬‬
‫وكان الصديق يتأثر بالقرآن الكريععم ويبكععي عنععد تلوتععه وهععذا‬
‫يدل على رسوخ يقينه وقوة حضععور قلبععه مععع اللععه عععز وجععل ومععع‬
‫معاني اليات التي يتلوها‪ ،‬والبكاء مبعثه قوة التأثير إما بحزن شديد‬
‫أو فرح غامر‪ ،‬والمؤمن الحق يظل بيععن الفععرح بهدايععة اللععه تعععالى‬
‫الى الصعراط المسععتقيم‪ ،‬والشعفاق معن النحعراف قليل ً ععن هعذا‬
‫ي وفكععر يقععظ كععأبي بكععر ‪τ‬‬
‫الصراط‪ ،‬وإذا كان صاحب إحساس ح ّ‬
‫فإن هذا القرآن يذ ّ‬
‫كره بالحياة الخرة ومافيها من حسععاب وعقععاب‬
‫أو ثواب‪ ،‬فيظهر أثر ذلك في خشععوع الجسععم وانسععكاب العععبرات‪،‬‬

‫)( استخلف ابوبكر الصديق‪ ،‬ص ‪.134‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( تاريخ الدعوة الى السلم في عهد الخلفاء الراشدين ‪ ،‬ص ‪.88‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪42‬‬
‫وهذا المظهر يؤثر كثيرا ً على من شاهده‪ ،‬ولذلك فععزع المشععركون‬
‫خ ُ‬
‫شوا على نسائهم وأبنائهم أن يتععأثروا‬ ‫من مظهر أبي بكر المؤثر و َ‬
‫به فيدخلوا في السلم)‪.(1‬‬
‫وحفظ كتععاب اللععه‬ ‫لقد تربى الصديق على يدي رسول الله ‪ε‬‬
‫تعالى وعمل به في حياته وتأمل فيععه كععثيرا ً وكععان ل يتحععدث بغيععر‬
‫علم‪ ،‬فعندما سئل عن آية ليعرفها أجاب بقععوله‪ :‬أي أرض تسعععني‬
‫ومععن‬ ‫اللععه)‪(2‬‬ ‫ظلّني إذا قلت في كتاب الله مععالم ي ُععرد‬
‫أو أي سماء ت ُ ِ‬
‫أقواله التي تدل على تدبره وتفكره في القرآن الكريععم قععوله‪) :‬إن‬
‫الله ذكر أهل الجنة‪ ،‬فذكرهم بأحسن أعمععالهم وغفععر لهععم سععيئها‪،‬‬
‫فيقول الرجل‪ :‬أين أنا مععن هععؤلء؟! يعنععي‪ :‬حسععنها‪ ،‬فيقععول قععائل‪:‬‬
‫لست من هؤلء‪ ،‬يعني‪ :‬وهو منهم) (‪ ،‬وكععان يسععأل رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫‪3‬‬

‫فيما استشكل عليه بأدب وتقدير واحترام‪ ،‬فلما نزل قععوله تعععالى‪:‬‬
‫}ل َيس بأ َمان ِيك ُم ول أ َمان ِ َ‬
‫سععوًءا‬ ‫مع ْ‬
‫ل ُ‬ ‫ن ي َعْ َ‬
‫مع ْ‬‫ب َ‬ ‫ل ال ْك ِت َععا ِ‬
‫ي أه ْ ع ِ‬
‫َ ّ‬ ‫ْ َ ِ َ ّ ْ َ‬
‫را{ )سععورة‬ ‫صعي ً‬‫ن الّلعهِ وَل ِّيعا َول ن َ ِ‬ ‫دو ِ‬‫ن ُ‬
‫مع ْ‬ ‫جد ْ َلع ُ‬
‫ه ِ‬ ‫جَز ب ِهِ َول ي َ ِ‬
‫يُ ْ‬
‫النساء‪ ،‬الية‪ (123:‬قال ابعوبكر يارسعول اللعه‪ ،‬قعد جعاءت قاصعمة‬
‫الظهر‪ ،‬وأينا لم يعمل سوءًا؟ فقال‪ :‬ياأبابكر‪ ،‬ألست تنصب؟ الست‬
‫تحزن؟ ألست تصيبك اللوى؟ فذلك مما تجزون به)‪.(4‬‬
‫ن‬ ‫ن ال ّع ِ‬
‫ذي َ‬ ‫وقد فسر الصديق بعض اليات مثل قوله تعالى‪} :‬إ ِ ّ‬
‫)( التاريخ السلمي للحميدي )ج ‪/20 ،19‬ص ‪.(209‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ ،‬ص ‪ 117‬هذه الرواية فيها انقطاع‪.‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( الفتاوى لبن تيمية )‪.(6/212‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( احمد )‪ (1/11‬وقال الشيخ شاكر اسانيدها ضعععاف‪ .‬وهععو صععحيح بطرقععه وشععواهده‪.‬‬ ‫‪4‬‬
‫انظر‪ :‬مسند المام احمد رقم ‪.68‬‬

‫‪-43-‬‬
‫ة أ َل ّ‬
‫مَلئ ِك َع ُ‬
‫م ال َ‬‫ل ع َل َي ْهِع ُ‬‫موا ت َت َن َعّز ُ‬ ‫قا ُ‬
‫سعت َ َ‬‫ما ْ‬ ‫قَععاُلوا َرب ّن َععا الل ّع ُ‬
‫ه ث ُع ّ‬
‫َ‬
‫ن{‬ ‫دو َ‬‫عع ُ‬‫م ُتو َ‬ ‫جّنعةِ ال ِّتعي ك ُن ْت ُع ْ‬ ‫شعُروا ِبال ْ َ‬ ‫حَزُنعوا وَأب ْ ِ‬ ‫خاُفوا َول ت َ ْ‬ ‫تَ َ‬
‫)سورة فصلت‪ ،‬اليععة‪ (30 :‬قععال فيهععا‪ :‬فلععم يلتفتععوا عنععه يمنععة ول‬
‫يسرة‪ ،‬فلم يلتفتوا بقلوبهم الى ماسواه ل بععالحب ول بععالخوف‪ ،‬ول‬
‫بالرجععاء ول بالسععؤال ول بالتوكععل عليععه‪ ،‬بععل ل يحبععون إل اللععه ول‬
‫يحبون معععه أنععدادًا‪ ،‬وليحبععون إل إيععاه‪ ،‬ل لطلععب منفعععة‪ ،‬ول لععدفع‬
‫مضععرة‪ ،‬ول يخععافون غيععره كائن عا ً مععن كععان‪ ،‬ول يسععألون غيععره ول‬
‫يتشرفون بقلوبهم الى غيره)‪ ،(1‬وغير ذلك من اليات‪.‬‬
‫إن العدعاة العى اللعه عليهععم أن يكونععوا فعي صعحبة مسعتمرة‬
‫للقععرآن الكريععم‪ ،‬يقععرؤه ويتععدبروه ويسععتخرجوا كنععوزه ومعععارفه‬
‫للناس‪ ،‬وأن يظهروا للناس مافي القرآن من إعجاز بيععاني وعلمععي‬
‫وتشريعي ومافيه من سععبل إنقععاذ النسععانية المعذبععة مععن مأسععيها‬
‫وحروبها‪ ،‬بأسلوب يناسب العصر‪ ،‬ويكافئ ماوصل إليه النععاس مععن‬
‫كيف تكون‬ ‫تقدم في وسائل الدعوة والدعاية‪ ،‬ولقد أدرك أبوبكر ‪τ‬‬
‫قراءة القرآن الكريععم فععي المسععجد علععى مل مععن قريععش وسععيلة‬
‫مؤثرة من وسائل الدعوة الى الله)‪.(2‬‬
‫سابعًا‪ :‬بين القبائل العرب في السواق‪:‬‬
‫كان عالما ً بالنسععاب ولععه فيهععا البععاع‬ ‫قد علمنا أن الصديق ‪τ‬‬
‫الطويل‪ :‬قال السععيوطي رحمععه اللععه تعععالى‪ :‬رأيععت بخععط الحععافظ‬

‫)( الفتاوى )‪.(28/22‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( تاريخ الدعوة السلمية في عهد الخلفاء‪ ،‬ص ‪.95‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪44‬‬
‫الذهبي رحمععه اللععه مععن كععان فععرد زمععانه فععي فنععه‪ ...‬أبععوبكر فععي‬
‫النسب)‪ ،(1‬ولذلك استخدم الصديق هذا العلم الفيععاض وسععيلة مععن‬
‫وسائل الدعوة ليعلم كل ذي خبرة كيف يستطيع أن يسخرذلك في‬
‫سبيل الله‪ ،‬على اختلف التخصصات‪ ،‬وألوان المعرفة‪ ،‬سععواء كععان‬
‫علمه نظريا ً أو تجريبيًا‪ ،‬أو كان ذا مهنة مهمععة فععي حيععاة النععاس)‪،(2‬‬
‫عنععدما عععرض نفسععه‬ ‫وسوف نرى الصديق يصعحبه رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫على قبائل العرب ودعاهم الى الله كيف وظف هععذا العلععم لععدعوة‬
‫الله فقد كان الصديق خطيبا ً مفوها ً له القدرة على توصيل المعاني‬
‫بأحسن اللفاظ‪ ،‬وكان رضي اللععه عنععه يخطععب عععن النععبي ‪ ε‬فععي‬
‫إذا خرج في الموسم ‪-‬يععدعو النععاس‬ ‫حضوره وغيبته‪ ،‬فكان النبي ‪ε‬‬
‫الى متابعة كلمه تمهيدا ً وتوطئة لمععا يبلععغ الرسععول‪ ،‬معونععة لععه‪ ،‬ل‬
‫تقدما ً بين يدي الله ورسوله)‪ ،(3‬وكععان علمععه فععي النسععب ومعرفععة‬
‫أصول القبائل مساعدا ً له على التعامل معهععا‪ ،‬فعععن علععي بعن أبعي‬
‫أن يعرض نفسععه علععى‬ ‫طالب ‪ τ‬قال‪ :‬لما أمر الله عز وجل نبيه ‪ε‬‬
‫قبائل العرب خرج وأنا معه‪ ....‬الى أن قال ثععم دفعنععا الععى مجلععس‬
‫آخر عليه السكينة والوقار فتقدم أبوبكر فسلم فقععال مععن القععوم؟‬
‫وقععال‬ ‫قالوا‪ :‬شيبان ابن ثعلبة فعالتفت ابعوبكر العى رسععول اللعه ‪ε‬‬
‫بأبي وأمي هؤلء غرر الناس وفيهم مفروق قد غلبهم لسانا ً وجمال ً‬
‫وكانت له غديرتان تسقطان على تريبته وكان أدنى القععوم مجلس عا ً‬

‫)( تاريخ الخلفاء‪ ،‬ص ‪ 100‬نقل ً عن تاريخ الدعوة ‪ ،‬ص ‪.95‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.96‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( ابوبكر الصديق لمحمد عبدالرحمن قاسم‪ ،‬ص ‪.92‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-45-‬‬
‫من أبي بكر فقال‪ :‬أبوبكر كيف العدد فيكم فقال مفروق‪ :‬إنا لنزيد‬
‫على اللف ولن تغلب اللف من قلة فقععال أبععوبكر‪ :‬وكيععف المنعععة‬
‫فيكععم فقعال مفعروق‪ :‬إنعا لشعد معانكون غضععبا ً حيعن نلقعى وأشعد‬
‫مانكون لقاء حين نغضععب وإنععا لنععؤثر الجيععاد علععى الولد والسععلح‬
‫على اللقاح والنصر من عنععد اللععه يععديلنا مععرة ويععديل علينععا أخععرى‬
‫لعلك أخا قريش؛ فقال أبوبكر‪ :‬إن كان بلغكععم أنععه رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫فها هوذا‪ .‬فقال‪ :‬مفروق إلم تععدعونا ياأخععا قريععش؟ فقععال رسععول‬
‫الله ‪) :ε‬أدعوكم الى شهادة أن ل إلععه إل اللععه وحععده لشععريك لععه‬
‫وأني عبدالله ورسوله والى أن تؤووني وتنصروني فإن قريشععا ً قععد‬
‫تظاهرت على الله وك ّ‬
‫ذبت رسععوله واسععتغنت بالباطععل عععن الحععق‬
‫واللععه هععو الغنععي الحميععد( فقععال مفععروق‪ :‬وإلم تععدعو أيضعا ً ياأخععا‬
‫قريش فوالله ماسمعت كلما ً أحسن مععن هععذا فتل رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫م أ َل ّ‬‫م ع َل َي ْك ُع ْ‬
‫م َرب ّك ُع ْ‬ ‫ح عّر َ‬
‫مععا َ‬ ‫ل َ‬ ‫وا أ َت ْع ُ‬ ‫ل ت َعَععال َ ْ‬ ‫قععوله تعععالى‪} :‬قُ ع ْ‬
‫َ‬
‫ن‬‫مع ْ‬ ‫م ِ‬ ‫قت ُُلوا أْولد َك ُع ْ‬ ‫ساًنا َول ت َ ْ‬ ‫ح َ‬ ‫ن إِ ْ‬ ‫شي ًْئا وَِبال ْ َ‬
‫وال ِد َي ْ ِ‬ ‫كوا ب ِهِ َ‬ ‫شرِ ُ‬
‫تُ ْ‬
‫مععا ظ َهَ عَر‬ ‫ش َ‬ ‫ح َ‬ ‫وا ِ‬ ‫فع َ‬‫قَرُبوا ال ْ َ‬
‫م َول ت َ ْ‬ ‫م وَإ ِّياهُ ْ‬ ‫ن ن َْرُزقُك ُ ْ‬
‫ح ُ‬ ‫ق نَ ْ‬‫مل ٍ‬‫إِ ْ‬
‫ق‬ ‫ه إ ِل ّ ب ِععال ْ َ‬
‫ح ّ‬ ‫م الل ّع ُ‬ ‫س ال ِّتي َ‬
‫حعّر َ‬ ‫ف َ‬ ‫قت ُُلوا الن ّ ْ‬ ‫ن َول ت َ ْ‬ ‫ما ب َط َ َ‬
‫من َْها وَ َ‬‫ِ‬
‫ن{ )سورة النعععام‪ ،‬اليععة‪(151 :‬‬ ‫قُلو َ‬ ‫م ب ِهِ ل َعَل ّك ُ ْ‬
‫م ت َعْ ِ‬ ‫صاك ُ ْ‬
‫م وَ ّ‬‫ذ َل ِك ُ ْ‬
‫فقال مفروق‪ :‬دعوت والله الى مكععارم الخلق ومحاسععن العمععال‬
‫ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك ثععم رد المععر الععى هععانئ بععن‬
‫قبيصة فقال‪ :‬وهععذا هععانئ شععيخنا وصعاحب ديننععا فقعال هععانئ‪ :‬قعد‬

‫‪46‬‬
‫سمعت مقالتك ياأخا قريععش وإنععي أرى تركنععا ديننععا واتباعنععا دينععك‬
‫لمجلس جلست إلينا ل أول ول آخر لذل في الرأي وقلة نظععر فععي‬
‫العاقبة أن الزلة مع العجلة وأنا نكره أن نعقد على من وراءنا عقدا ً‬

‫ولكن نرجع وترجععع وننظععر ثععم كععأنه أحععب أن يشععركه المثنععى بععن‬
‫حارثة فقععال‪ :‬وهععذا المثنععى شععيخنا وصععاحب حربنععا فقععال المثنععى‬
‫‪-‬وأسلم بعد ذلك‪ -‬قد سمعت مقالتععك ياأخععا قريععش والجععواب فيععه‬
‫جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ومتابعتنا دينك وإنا إنما نزلنععا‬
‫بين صيرين أحدهما اليمامة والخرى السمامة‪ ،‬فقال رسول الله ‪ε‬‬
‫وماهذان الصيران؟ فقال له أما أحدهما فطوق التزيد أي ماأشرف‬
‫من الرض ‪-‬وأرض العرب‪ ،‬وأما الخر فأرض فارس وأنهار كسععرى‬
‫وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لنحعدث حعدثًا‪ ،‬ول نعؤي‬
‫محدثا ً ولعل هذا المر الذي تدعو إليه تكرهه الملععوك‪ ،‬فأمععا ماكععان‬
‫مما يلي على بلد العرب فذنب صاحبه مغفور‪ ،‬وعذره غير مقبول‪،‬‬
‫فإن أردت أن ننصرك مما يلي العرب فعلينا‪ ،‬فقال رسول اللععه ‪:ε‬‬
‫ماأسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق وإن دين اللععه عععز وجععل لععن‬
‫ينصره إل من حاطه من جميع جعوانبه أريتعم إن لععم تلبثعوا إل قليل ً‬

‫حععى يععورثكم اللععه تعععالى أرضععهم وديععارهم ويفرشععكم نسععاءهم‬


‫أتسبحون الله وتقدسونه فقال النعمان‪ :‬اللهم فلك ذاك)‪.(1‬‬
‫وفي هذا الخبر دروس وعبر وفوائد كثيرة منها‪:‬‬

‫)( البداية والنهاية )‪،3/142‬عع ‪ (143،145‬وفيها زيادات ليست عند الصالحي في سععبيل‬ ‫‪1‬‬
‫الرشاد ) ‪.(597 -2/596‬‬

‫‪-47-‬‬
‫وهذا جعلععه يفهععم السععلم‬ ‫‪ -1‬ملزمة الصديق لرسول الله ‪ε‬‬
‫بشموله وهيأه الله تعالى بأن يصبح أعلم الصحابة بدين اللععه‪ ،‬فقععد‬
‫حقيقة السلم وتربى على يديه في معرفة‬ ‫تعلم من رسول الله ‪ε‬‬
‫معانيه‪ ،‬فاستوعب طبيعة الدعوة ومر بمراحلها المتعععددة واسععتفاد‬
‫وتشرب المنهج الرباني‪ ،‬فعرف المولى‬ ‫من صحبته لرسول الله ‪ε‬‬
‫عز وجل من خلله‪ ،‬وطبيعة الحياة‪ ،‬وحقيقة الكون‪ ،‬وسععر الوجععود‪،‬‬
‫وماذا بعد الموت ومفهوم القضاء والقدر‪ ،‬وقصة الشيطان مععع آدم‬
‫عليه السلم وحقيقة الصراع بن الحق والباطععل‪ ،‬والهععدى والظلل‪،‬‬
‫واليمان والكفر‪ ،‬وحببععت إليععه العبععادات كقيععام الليععل‪ ،‬وذكععر اللععه‬
‫وتلوة القرآن فسمت أخلقه‪ ،‬وتطهرت نفسه وزكت روحه‪.‬‬
‫يعدعو القبعائل‬ ‫‪ -2‬وفي رفقته لرسعول اللعه ‪ ε‬عنعدما كعان ‪ε‬‬
‫للسلم استفاد الكثير‪ ،‬فقععد عععرف أن النصععرة الععتي كععان يطلبهععا‬
‫لدعوته من زعماء القبائل أن يكون أهل النصرة غير‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫مرتبطيععن بمعاهععدات دوليععة تتنععاقض مععع الععدعوة ول يسععتطيعون‬
‫التحرر منهععا‪ ،‬وذلععك لن احتضععانهم للعدعوة والحالعة هععذه ُيعرضععها‬
‫لخطععر القضععاء عليهععا مععن قبععل الععدول الععتي بينهععم وبينهععا تلععك‬
‫المعاهدات‪ ،‬والتي تجد في الدعوة السلمية خطرا ً عليهععا وتهديععدا ً‬

‫لمصالحها)‪.(1‬‬
‫ان الحماية المشروطة أو الجزئيععة لتحقععق الهععدف المقصععود‬
‫فلن يخوض بنو شيبان حربا ً ضد كسرى لو أراد القبض على رسول‬
‫)( الجهاد والقتال في السياسة الشرعية‪ ،‬محمد هيكل )‪.(1/412‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪48‬‬
‫وتسليمه‪ ،‬ولن يخوضوا حربعا ً ضععد كسععرى لععو أراد مهاجمععة‬ ‫الله ‪ε‬‬
‫وأتباعه‪ ،‬وبذلك فشلت المباحثات)‪.(1‬‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫‪) -3‬إن دين الله لن ينصره إل من حععاطه مععن جميععع جععوانبه(‬
‫على المثنى بن حارثة حيث عرض علععى‬ ‫كان هذا الرد من النبي ‪ε‬‬
‫النبي حمايته على مياه العرب دون مياه الفرس‪ ،‬فمن يسبر أغوار‬
‫السياسعععة البعيعععدة يعععرى بععععد النظعععر السعععلمي النبعععوي العععذي‬
‫ليسامى)‪.(2‬‬
‫‪ -4‬كان موقف بني شيبان يتسم بالريحيعة والخلعق والرجولعة‬
‫وينم عن تعظيم هذا النبي‪ ،‬وعن وضوح في العرض‪ ،‬وتحديععد مععدى‬
‫قدرة الحماية التي يملكونها وقد بينوا أن أمععر الععدعوة ممععا تكرهععه‬
‫در الله لشيبان بعد عشر سنوات أو تزيد أن تحمل هععي‬
‫الملوك‪ ،‬وق ّ‬
‫ابتداًء عبء مواجهة الملععوك‪ ،‬بعععد أن أشععرق قلبهععا بنععور السععلم‪،‬‬
‫وكان المثنى بن حارثة الشيباني صععاحب حربهععم وبطلهععم المغععوار‬
‫الذي كان من ضمن قادة الفتوح في خلفة الصععديق فكععان وقععومه‬
‫من أجرأ المسلمين بعد إسلمهم علععى قتععال الفععرس‪ ،‬بينمععا كععانوا‬
‫في جاهليتهم يرهبون الفععرس ول يفكععرون فععي قتععالهم‪ ،‬بععل إنهععم‬
‫بعد قناعتهم بها لحتمال أن تلجئهععم العى قتععال‬ ‫ردوا دعوة النبي ‪ε‬‬
‫الفرس‪ ،‬المر الذي لم يكونوا يفكرون به أبدًا‪ ،‬وبهععذا نعلععم عظمععة‬
‫هذا الدين الذي رفععع اللععه بعه المسععلمين فعي الععدنيا حيععث جعلهععم‬

‫)( التحالف السياسي في السلم‪ ،‬منير الغضبان‪ ،‬ص ‪.53‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.64‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-49-‬‬
‫سادة الرض مع معاينتظرون فعي أخراهعم معن النعيععم العدائم فعي‬
‫جنات النعيم)‪.(1‬‬

‫المبحث الثالث‬
‫هجرته مع رسول الله صلى الله عليه وسععلم الععى‬
‫المدينة‬

‫اشتدت قريش في أذى المسلمين‪ ،‬والنيل منهععم فمنهععم مععن‬


‫هاجر الى الحبشة مرة أو مرتين فرارا ً بدينه‪...‬ثم كانت الهجرة الى‬
‫في الهجرة فقال‬ ‫المدينة ومن المعلوم أن أبا بكر استأذن النبي ‪ε‬‬
‫فكععان أبععوبكر يطمععع أن‬ ‫صاحب ً‬
‫ا()‪(2‬‬ ‫له‪) :‬ل تعجل لعل الله يجعل لك‬
‫وهععذه السععيدة عائشععة رضععي اللععه عنهععا‬ ‫يكون في صحبة النبي ‪ε‬‬
‫وأبيهععا ‪ τ‬حيععث قععالت‪) :‬كععان‬
‫تحععدثنا عععن هجععرة رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫ليخطئ رسول الله ‪ ε‬أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار‪ ،‬إما‬
‫بكرة‪ ،‬وإما عشية‪ ،‬حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله ‪ε‬‬
‫)( التاريخ السلمي للحميدي )‪(3/69‬؛ التربية القيادية )‪.(2/20‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( تاريخ الدعوة الى السلم‪ ،‬ص ‪.107‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪50‬‬
‫في الهجرة‪ ،‬والخروج من مكة من بين ظهري قععومه‪ ،‬أتانععا رسععول‬
‫بالهاجرة)‪ ،(1‬فععي سععاعة كععان ليععأتي فيهععا قععالت‪ :‬فلمععا رآه‬ ‫الله ‪ε‬‬
‫هععذه السععاعة إل لمععر حععدث‪.‬‬ ‫أبوبكر‪ ،‬قال‪ :‬ماجععاء رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫قالت‪ :‬فلما دخل‪ ،‬تأخر له أبوبكر عن سعريره فجلعس رسعول اللعه‬
‫‪ ،ε‬وليس عند أبي بكر إل أنا وأختي أسععماء بنععت أبععي بكععر‪ ،‬فقععال‬
‫أخرج عني من عندك‪ .‬فقال‪ :‬يارسول الله‪ ،‬إنما همععا‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫إبنتاي‪ ،‬وماذاك فداك أبي وأمي! فقال‪ :‬إنه قد أذن بي في الخععروج‬
‫والهجرة‪ .‬قالت‪ :‬فقال أبوبكر‪ :‬الصحبة يارسول الله؟ قال‪ :‬الصحبة‪.‬‬
‫قالت‪ :‬فوالله ماشعرت قط قبل ذلك اليوم أحد يبكععي مععن الفععرح‪،‬‬
‫حتى رأيت أبععا بكععر يبكععي يععومئذ‪ ،‬ثععم قععال‪ :‬يععانبي اللععه‪ ،‬إن هععاتين‬
‫راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا فاستأجرا عبععدالله بععن أرقععط رجل ً‬

‫من بني الديل بن بكر‪ ،‬وكانت أمه امرأة من بني سهم بععن عمععرو‪،‬‬
‫وكان مشركا ً ‪-‬يدلهما على الطريععق‪ ،‬فععدفعا إليععه راحلتيهمععا فكانتععا‬
‫عنده يرعاهما لميعادهما)‪.(2‬‬
‫وجاء في رواية البخاري عن عائشة في حديث طويل تفاصيل‬
‫مهمة وفي ذلك الحعديث ‪......) :‬قعالت عائشعة‪ :‬فبينمععا نحعن يومعا ً‬

‫جلوسا ً في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لبي بكععر هععذا‬
‫متقنعا ً)‪ ،(3‬في ساعة لم يكن يأتينا فيها‪ ،‬فقال رسول‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫)( الهاجرة‪ :‬نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر أو العصر‪.‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن كثير )‪.(234 -2/233‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( متقنعًا‪ :‬مغطيا ً رأسه‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-51-‬‬
‫لبي بكر‪ :‬أخرج من عندك‪ ،‬فقععال أبععوبكر‪ :‬إنمععا هععم أهلععك‪.‬‬ ‫الله ‪ε‬‬
‫فقال‪ :‬فإني قد أذن لي في الخروج فقال أبوبكر‪ :‬الصحبة بأبي أنت‬
‫‪ :‬نعم‪ ،‬قال ابوبكر‪ :‬فخذ بأبي أنععت‬ ‫يارسول الله قال رسول الله ‪ε‬‬
‫يارسول الله إحد راحلتي هاتين‪ ،‬قال رسول الله ‪ :ε‬بالثمن‪ ،‬قععالت‬
‫عائشة‪ :‬فجهزناهما أحسن الجهاز‪ ،‬ووضعنا لهم سفرة فععي جععراب‪،‬‬
‫فقطمت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقهعا فربطععت بعه علعى‬
‫فم الجراب‪ ،‬فبذلك سميت ذات النطاقين‪ ،‬ثم لحق رسول اللععه ‪ε‬‬
‫فيععه ثلث ليععال يععبيت عنععدهما‬ ‫فكمنععا)‪(1‬‬ ‫وأبوبكر بغار في جبل ثور‪،‬‬
‫مععن‬ ‫ثقف)‪ ،(2‬لقععن)‪ ،(3‬فيدلععج)‪(4‬‬ ‫عبدالله بن أبي بكر وهو غلم شاب‬
‫عندهما بسحر‪ ،‬فيصععبح مععع قريعش بمكععة كبععائت‪ ،‬فل يسععمع أمعرا ً‬

‫به إل وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلععك حيععن يختلععط الظلم‪،‬‬ ‫يكتادان)‪(5‬‬

‫ويرعى عليهما حيث تذهب ساعة مععن العشععاء فيبيتععان فععي رسععل‬
‫بغلس)‪(8‬‬ ‫بها عامر بن فهيرة‬ ‫ورضيفهما)‪ (6‬ينعق)‪(7‬‬ ‫‪-‬وهو لبن منحهما‬
‫يفعل ذلك في كل ليلة مععن تلععك الليععالي الثلث‪ ،‬واسععتأجر رسععول‬
‫وأبوبكر رجل ً من بني الععديل وهععو مععن بنععي عبععد ابععن عععدي‬ ‫الله ‪ε‬‬
‫)( كمنا فيه‪ :‬أي استترا واستخفيا ومنه الكمن في الحرب‪.‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( ثقف‪ :‬ذو فطن وذكاء والمراد ثابت المعرفة بما يحتاج إليه‪) .‬النهاية ‪.(1/216‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( لقن‪ :‬فهم حسن التلقي لما يسمعه‪) ،‬النهاية‪.(4/266 ،‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( يدلج‪ :‬أدلج إذا سار أول الليل وأّدلج بالتشديد إذا سار آخره‪.‬‬ ‫‪4‬‬
‫)( يكتادان‪ :‬أي يطلب لهما فيه المكروه وهو من الكيد‪.‬‬ ‫‪5‬‬
‫)( الرضيف‪ :‬اللبن المرضوف وهو الذي طرح فيه الحجارة المحماة‪.‬‬ ‫‪6‬‬
‫)( ينعق‪ :‬نعق بغنمه‪ ،‬أي صاح بها وزجرها‪) .‬القاموس المحيط‪.(3/265 ،‬‬ ‫‪7‬‬
‫)( الغلس‪ :‬ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح‪) .‬النهاية‪.(3/377 ،‬‬ ‫‪8‬‬
‫‪52‬‬
‫في آل العاص بن‬ ‫حلفا ً)‪(1‬‬ ‫‪-‬هاديا ً خريتا‪ -‬والخريت الماهر‪ -‬قد غمس‬
‫وائل السهمي‪ ،‬وهععو علععى ديععن كفععار قريععش‪ ،‬فأمنععاه فععدفعا إليععه‬
‫راحلتيهما‪ ،‬وواعده غار ثور بعععد ثلث ليععال براحلتيهمععا صععبح ثلث‪،‬‬
‫وانطلععق معهمععا عععامر بععن فهيععرة والععدليل فأخععذ بهععم طريععق‬
‫السواحل)‪.(2‬‬
‫أحد حين خرج إل علي بععن أبععي‬ ‫لم يعلم بخروج رسول الله ‪ε‬‬
‫طالب‪ ،‬وأبوبكر الصععديق‪ ،‬وآل أبععي بكععر‪ ،‬وجععاء وقععت الميعععاد بيععن‬
‫ابي بكر ‪ ،τ‬فخرجا من خوخة)‪ ،(3‬لبي بكر في ظهععر‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫بيته‪ ،‬وذلك للمعان في الستخفاء حتى لتتبعهما قريش‪ ،‬وتمنعهمععا‬
‫من تلك الرحلعة المباركعة‪ ،‬وقعد اتععدا معع الليععل علعى أن يلقاهمععا‬
‫عبدالله بن أريقط في غار ثور بعد ثلث ليال) (‪ ،‬وقد دعععا النععبي ‪ε‬‬
‫‪4‬‬

‫عند خروجه من مكة الى المدينة)‪ ،(5‬ووقف عند خروجععه بععالحزورة‬


‫في سوق مكة وقال‪) :‬والله إنك لخير أرض اللععه وأحععب أرض اللععه‬
‫الى الله‪ ،‬ولول أني أخرجت منك ماخرجت()‪.(6‬‬
‫ثم أنطلق رسول الله وأبوبكر والمشركون يحاولون أن يقتفوا‬
‫آثارهم حتى بلغوا الجبل ‪-‬جبل ثور‪ -‬اختلط عليهععم‪ ،‬فصعععدوا الجبععل‬

‫)( غمس حلفًا‪ :‬أي أخذ بنصيب من عقدهم وحلفهم يأمن به‪.‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب مناقب النصار‪ ،‬باب هجرة النبي رقم ‪.395‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( الهجرة في القرآن الكريم‪ ،‬ص ‪.334‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( خاتم النبيين لبي زهرة )‪(1/659‬؛ السيرة النبوية لبن كثير )‪.(2/234‬‬ ‫‪4‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن كثير )‪.(234 -2/230‬‬ ‫‪5‬‬
‫)( الترمذي‪ ،‬كتاب المناقب‪ ،‬باب فضل مكة )‪.(5/722‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪-53-‬‬
‫فمروا بالغار‪ ،‬فرآوا على بععابه نسععيج العنكبععوت‪ ،‬فقععالوا‪ :‬لععو دخععل‬
‫هاهنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه)‪ ،(1‬وهذه من جنود اللععه‬

‫ك إ ِل ّ هُ َ‬
‫و{ )سعورة المعدثر‪ ،‬اليعة‪:‬‬ ‫جُنود َ َرب ّ َ‬ ‫ما ي َعْل َ ُ‬
‫م ُ‬ ‫عز وجل‪} :‬وَ َ‬
‫‪.(31‬‬
‫وبالرغم من كل السباب التي اتخذها رسول الله ‪ ε‬فععإنه لععم‬
‫يرتكن إليها مطلقًا‪ ،‬وإنما كان كامل الثقة في اللععه‪ ،‬عظيععم الرجععاء‬
‫في نصره وتأييده‪ ،‬دائم الدعاء بالصععيغة الععتي علمععه اللععه إياهععا)‪،(2‬‬
‫جن ِععي‬ ‫ق وَأ َ ْ‬
‫خرِ ْ‬ ‫ص عد ْ ٍ‬‫ل ِ‬ ‫خ َ‬ ‫خل ْن ِععي ُ‬
‫م عد ْ َ‬ ‫ب أ َد ْ ِ‬
‫ل َر ّ‬‫قععال تعععالى‪} :‬وَقُ ع ْ‬
‫را{ )سععورة‬ ‫صععي ً‬ ‫سل ْ َ‬
‫طاًنا ن َ ِ‬ ‫ك ُ‬ ‫ن ل َد ُن ْ َ‬‫م ْ‬ ‫ل ِلي ِ‬ ‫جعَ ْ‬
‫ق َوا ْ‬
‫صد ْ ٍ‬
‫ج ِ‬‫خَر َ‬
‫م ْ‬
‫ُ‬
‫السراء‪ ،‬الية‪.(80:‬‬
‫وفي هذه الية الكريمععة دعععاء ُيعّلمععه اللععه عععز وجععل لنععبيه ‪ε‬‬
‫ليدعوه به‪ ،‬ولتتعلم أمته كيف تععدعو اللععه وكيععف تتجععه إليععه؟ دعععاء‬
‫بصدق المدخل وصدق المخرج‪ ،‬كناية عن صدق الرحلة كلها‪ ،‬بععدئها‬
‫وختامها‪ ،‬أولها وآخرهعا ومعابين الول والخعر‪ ،‬وللصعدق هنععا قيمتعه‬
‫بمناسبة ماحاوله المشركون من فتنته عما أنزله الله عليه ليفععترى‬
‫على الله غيره‪ ،‬وللصدق كععذلك ظللععه‪ :‬ظلل الثبععات‪ ،‬والطمئنععان‬
‫صععيًرا{ قععوة‬ ‫س عل ْ َ‬
‫طاًنا ن َ ِ‬ ‫ن ل َعد ُن ْ َ‬
‫ك ُ‬ ‫مع ْ‬ ‫والنظافة الخلص }َوا ْ‬
‫جعَ ْ‬
‫ل ل ِععي ِ‬
‫وهيبة استعلى بهما على سلطان الرض وقوة المشععركين‪ ،‬وكلمععة‬
‫ن ل َد ُْنك{ تصور القرب والتصععال بععالله والسععتمداد مععن عععونه‬ ‫} ِ‬
‫م ْ‬

‫)( مسند المام أحمد )‪.(1/348‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( الهجرة النبوية المباركة‪ ،‬ص ‪.72‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪54‬‬
‫مباشرة واللجوء الى حماه‪.‬‬
‫وصاحب الدعوة ليمكن أن يستمد السلطان إل مععن اللععه‪ ،‬ول‬
‫يمكن أن يهاب إل بسلطان الله‪ ،‬ليمكن أن يسععتظل بحععاكم أو ذى‬
‫جاه فينصره ويمتعه مالم يكن أتجاهه قبل ذلك الععى اللععه والععدعوة‬
‫قد تغزو قلوب ذوي السلطان والجاه‪ ،‬فيصبحون لهععا جنععدا ً وخععدما ً‬

‫فيفلحون‪ ،‬ولكنها هي لتفلح إن كانت مععن جنعد السعلطان وخعدمه‪،‬‬


‫فهي من أمر الله‪ ،‬وهي أعلى من ذوي السلطان والجاه)‪.(1‬‬
‫وعندما أحاط المشركون بالغار‪ ،‬أصبح منهم رأي العين طمأن‬
‫قال‪:‬‬ ‫الرسول ‪ ε‬الصديق بمعية الله لهما‪ :‬فعن ابي بكر الصديق ‪τ‬‬
‫قلععت للنععبي ‪ ε‬وأنععا فععي الغععار‪ :‬لععو أن أحععدهم نظععر تحععت قععدميه‬
‫لبصرنا‪ .‬فقال‪ :‬ماظنك ياأبابكر باثنين الله ثالثهما)‪(2‬؟‬

‫صُروهُ‬ ‫وسجل الحق عز وجل ذلك فععي قععوله تعععالى‪} :‬إ ِل ّ ت َن ْ ُ‬


‫مععا‬‫ن إ ِذ ْ هُ َ‬ ‫ي اث ْن َي ْع ِ‬
‫فُروا ث َععان ِ َ‬ ‫ن كَ َ‬ ‫ه ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫ج ُ‬
‫خَر َ‬ ‫ه إ ِذ ْ أ َ ْ‬‫صَره ُ الل ّ ُ‬ ‫قد ْ ن َ َ‬ ‫فَ َ‬
‫معََنعا َفعأ َن َْز َ‬
‫ل‬ ‫ه َ‬ ‫ن الّلع َ‬ ‫ن إِ ّ‬‫حعَز ْ‬ ‫حب ِهِ ل ت َ ْ‬ ‫صعا ِ‬ ‫ل لِ َ‬ ‫ِفي ال َْغارِ إ ِذ ْ ي َ ُ‬
‫قععو ُ‬
‫َ‬
‫ن‬‫ذي َ‬ ‫ة ال ّ ِ‬ ‫م َ‬‫ل ك َل ِ َ‬ ‫جعَ َ‬‫ها وَ َ‬ ‫م ت ََروْ َ‬‫جُنود ٍ ل َ ْ‬ ‫ه ع َل َي ْهِ وَأي ّد َه ُ ب ِ ُ‬ ‫كين َت َ ُ‬
‫س ِ‬ ‫ه َ‬ ‫الل ّ ُ‬
‫م{‬ ‫كي ع ٌ‬ ‫ح ِ‬ ‫زي عٌز َ‬ ‫ه عَ ِ‬ ‫ي ال ْعُل َْيا َوالل ّع ُ‬ ‫ة الل ّهِ ه ِ َ‬ ‫م ُ‬ ‫فَلى وَك َل ِ َ‬ ‫س ْ‬ ‫فُروا ال ّ‬ ‫كَ َ‬
‫)سورة التوبة‪ ،‬الية‪.(40:‬‬
‫في الغار خرج رسول اللععه‬ ‫وبعد ثلث ليال من دخول النبي ‪ε‬‬
‫وصععاحبه مععن الغععار‪ ،‬وقعد هعدأ الطلععب‪ ،‬ويئس المشععركون معن‬ ‫‪ε‬‬
‫)( في ظلل القرآن )‪.(4/2247‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب فضائل الصحابة‪ ،‬باب منععاقب المهععاجرين رقععم ‪3653‬؛ مسععلم رقععم‬ ‫‪2‬‬
‫‪.5381‬‬

‫‪-55-‬‬
‫وأبععا بكععر قععد‬ ‫الوصول الى رسول الله‪ ،‬وقد قلنا أن رسول اللععه ‪ε‬‬
‫اسععتأجرا رجل ً مععن بنععي الععديل يسععمى عبععدالله بععن أريقععط وكععان‬
‫مشركا ً وقد أ ِ‬
‫مناهُ فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غععار ثععور بعععد ثلث‬
‫ليال براحلتيهما وقد جاءها فعل ً فععي الموعععد المحععدد وسععلك بهمععا‬
‫طريقعا ً غيععر معهععودة ليخفعي أمرهمععا عمععن يلحعق بهععم معن كفعار‬
‫بععأم معبععد)‪،(2‬‬ ‫قريش) (‪ ،‬وفي أثناء الطريق الى المدينة مّر النبي ‪ε‬‬ ‫‪1‬‬

‫في قديد)‪ ،(3‬حيععث مسععاكن خزاعععة‪ ،‬وهععي أخععت حععبيش بععن خالععد‬
‫الخزاعي الذي روى قصععتها‪ ،‬وهععي قصععة تناقلهععا الععرواة وأصععحاب‬
‫السير‪ ،‬وقال عنها ابن كععثر‪) :‬وقصعتها مشعهورة مرويعة معن طعرق‬
‫يشد بعضها بعضًا()‪.(4‬‬
‫حي عا ً‬ ‫وقد أعلنت قريش في نوادي مكة بأنه من يأتي بالنبي ‪ε‬‬
‫أو ميتا ً فله مائة ناقة وانتشر هذا الخبر عند قبائل العرب الذين في‬
‫ضواحي مكة وطمع سراقة بن مالك بن جعشم فععي نيععل الكسععب‬
‫فأجهععد نفسععه لينععال‬ ‫الذي أعدته قريش لمن يأتي برسععول اللععه ‪ε‬‬
‫ذلك‪ ،‬ولكن الله بقدرته التي ليغلبها غالب‪ ،‬جعله يرجع مدافعا ً عععن‬
‫بعد أن كان جاهدا ً عليه)‪.(5‬‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫مععن‬ ‫ولما سععمع المسععلمون بالمدينععة بمخععرج رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫)( المستفاد من قصص القرآن‪ ،‬زيدان )‪.(2/101‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( هي عاتكة بنت كعب الخزاعية‪.‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( وادي قديد يبعد عن الطريق المعبد حوالي ثمانية كيلومترات‪.‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(3/188‬‬ ‫‪4‬‬
‫صلبي‪ ،‬ج ‪ ،1‬ص ‪.(543‬‬
‫)( السيرة النبوية‪ ،‬عرض لوقائع وتحليل لحداثها لل ّ‬ ‫‪5‬‬
‫‪56‬‬
‫مكة‪ ،‬كانوا يفدون كل غداة الى الحرة‪ ،‬فينتظرون حتى يردهم حععر‬
‫الظهيرة‪ ،‬فانقلبوا يوما ً بعد ماأطالوا انتظارهم فلما أووا الى بيوتهم‬
‫من آطامهم لمر ينظر إليه فبصر‬ ‫أطم)‪(1‬‬ ‫أوفى رجل من يهود على‬
‫رسول الله ‪ ،ε‬وأصحابه مبيضععين)‪ ،(2‬يععزول بهععم السععراب)‪ ،(3‬فلععم‬
‫يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته‪ ،‬يامعشر العرب هععذا جععدكم)‪،(4‬‬
‫الذي تنتظرون‪ ،‬فثار المسلمون الى السلح فتلقوا رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بنععي عععوف‪،‬‬
‫من شهر ربيععع الول)‪ ،(6‬فقععام أبععابكر‬ ‫الثنين)‪(5‬‬ ‫وذلك يوم الخميس‬
‫عند ذلك)‪.(7‬‬ ‫حتى ظلل عليه بردائه‪ ،‬فعرف الناس رسول الله ‪ε‬‬
‫كان يوم وصول الرسول ‪ ε‬وأبي بكر الععى المدينععة يععوم فععرح‬
‫وابتهاج لم تر المدينة يومعا ً مثلععه‪ ،‬ولبععس النععاس أحسعن ملبسععهم‬
‫كأنهم في يوم عيد‪ ،‬ولقد كان حقا ً يوم عيد‪ ،‬لنه اليوم الععذي انتقععل‬
‫فيه السلم من ذلك الحيز الضععيق فععي مكععة الععى رحابععة النطلق‬
‫والنتشار بهعذه البقععة المباركعة المدينعة‪ ،‬ومنهعا العى سعائر بقعائع‬
‫الرض لقععد أحععس أهععل المدينععة بالفضععل الععذي حبععاهم اللععه بععه‪،‬‬

‫)( أطم‪ :‬كالحصن‪.‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( مبيضين‪ :‬عليهم ثياب بيض‪.‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( السراب‪ :‬أي يزول بهم السراب عن النظر بسبب عروضهم له‪.‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( جدكم‪ :‬حظكم وصاحب دولتكم الذي تتوقعونه‪.‬‬ ‫‪4‬‬
‫)( قال الحافظ بن حجر‪ :‬هذا هو المعتمد وشذ من قال الجمعة‪) .‬الفتح‪.(4/544 ،‬‬ ‫‪5‬‬
‫)( الهجرة في القرآن الكريم‪ ،‬ص ‪.351‬‬ ‫‪6‬‬
‫)( نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.352‬‬ ‫‪7‬‬

‫‪-57-‬‬
‫وبالشرف الذي اختصهم الله به‪ ،‬فقد صارت بلععدتهم موطنعا ً ليععواء‬
‫رسول الله وصحابته المهاجرين ثععم لنصععرة السععلم كمععا أصععبحت‬
‫موطنا ً للنظام السلمي العام التفصيلي بكل مقوماته ولذلك خععرج‬
‫أهل المدينة يهللون في فرح وابتهاج ويقولون يارسول الله يامحمد‬
‫يارسول الله)‪ ،(1‬وبعد هذا الستقبال الجمعاهيري العظيععم العذي لعم‬
‫حتى نععزل فععي دار‬ ‫يرد مثله في تاريخ النسانية سار رسول الله ‪ε‬‬
‫أبععي أيععوب النصععاري ‪ ،( )τ‬ونععزل الصععديق علععى خارجععة بععن زيععد‬
‫‪2‬‬

‫الخزرجي النصاري‪.‬‬
‫وبدأت رحلة المتاعب والمصععاعب والتحععديات‪ ،‬فتغلععب عليهععا‬
‫للوصول للمستقبل الباهر للمععة والدولععة السععلمية‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫التي استطاعت أن تصنع حضارة إنسععانية رائعععة علععى أسععس مععن‬
‫اليمععان والتقععوى والحسععان والعععدل بعععد أن تغلبععت علععى اقععوى‬
‫دولتين كانتا تحكمان فعي الععالم‪ ،‬وهمععا الفعرس والععروم)‪ ،(3‬وكععان‬
‫منذ بععزوغ الععدعوة حععتى‬ ‫الصديق ‪ τ‬الساعد اليمن لرسول الله ‪ε‬‬
‫وفاته ‪ ،ε‬وكان ابوبكر ‪ τ‬ينهععل بصععمت وعمععق مععن ينععابيع النبععوة‪:‬‬
‫حكمة وإيمانًا‪ ،‬يقينعا ً وعزيمععة‪ ،‬تقععوى وإخلصعًا‪ ،‬فععإذا هععذه الصععحبة‬
‫حبا ً وصفاء‪ ،‬عزيمة وتصععميمًا‪،‬‬
‫ديقية‪ ،‬ذكرا ً ويقظة‪ُ ،‬‬
‫تثمر‪ :‬صلحا ً وص ّ‬
‫إخلصا ً وفهمًا‪ ،‬فوقف مواقفه المشهودة بعد وفاة رسععول اللععه ‪،ε‬‬

‫)( المصدر السابق‪ ،‬ص ‪.353‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( الهجرة في القرآن الكريم‪ ،‬ص ‪.354‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( انظر‪ :‬الهجرة في القرآن الكريم‪ ،‬أم محزون‪ ،‬ص ‪.355‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪58‬‬
‫في سقيفة بني ساعدة وغيرها من المواقف وبعععث جيععش أسععامة‬
‫وم‬
‫هدم‪ ،‬وجمع ماتفرق‪ ،‬وقعع ّ‬
‫وحروب الردة‪ ،‬فأصلح مافسد‪ ،‬وبنى ما ُ‬
‫ماانحرف)‪ ،(1‬إن حداثة هجرة الصديق مع رسععول اللععه فيهععا دروس‬
‫وعبر وفوائد منها‪:‬‬
‫ه‬‫جعع ُ‬
‫خَر َ‬ ‫ه إ ِذ ْ أ َ ْ‬
‫صَره ُ الل ّ ُ‬ ‫قد ْ ن َ َ‬ ‫صُروه ُ فَ َ‬ ‫ل‪ :‬قال تعالى‪} :‬إ ِل ّ ت َن ْ ُ‬ ‫أو ً‬

‫حب ِهِ‬
‫صععا ِ‬ ‫ل لِ َ‬ ‫قععو ُ‬ ‫ما ِفي ال َْغارِ إ ِذ ْ ي َ ُ‬ ‫ن إ ِذ ْ هُ َ‬ ‫ي اث ْن َي ْ ِ‬
‫فُروا َثان ِ َ‬‫ن كَ َ‬‫ذي َ‬‫ال ّ ِ‬
‫جُنودٍ‬
‫َ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَأي ّد َه ُ ب ِ ُ‬ ‫كين َت َ ُ‬
‫س ِ‬
‫ه َ‬ ‫ل الل ّ ُ‬‫معََنا فَأ َن َْز َ‬ ‫ه َ‬‫ن الل ّ َ‬
‫ن إِ ّ‬ ‫حَز ْ‬
‫ل تَ ْ‬
‫ة الل ّعهِ‬ ‫فَلى وَك َل ِ َ‬
‫مع ُ‬ ‫سع ْ‬ ‫ن كَ َ‬
‫ف عُروا ال ّ‬ ‫ذي َ‬‫ة ال ّع ِ‬ ‫ل ك َل ِ َ‬
‫م َ‬ ‫جعَ َ‬ ‫ها وَ َ‬ ‫م ت ََروْ َ‬‫لَ ْ‬
‫م{ )سورة التوبة‪ ،‬الية ‪.(40‬‬ ‫كي ٌ‬‫ح ِ‬‫زيٌز َ‬ ‫ه عَ ِ‬ ‫ي ال ْعُل َْيا َوالل ّ ُ‬
‫هِ َ‬
‫ففي هذه الية الكريمة دللة على أفضلية الصديق من سععبعة‬
‫أوجه ففي الية الكريمة من فضائل أبي بكر ‪:τ‬‬
‫‪ -1‬أن الكفار أخرجوه‪:‬‬
‫الكفععار أخرجععوا الرسععول )ثععاني أثنيععن( فلععزم أن يكونععوا‬
‫أخرجوهما‪ ،‬وهذا هو الواقع‪.‬‬
‫‪ -2‬أنه صاحبه الوحيد‪:‬‬
‫الذي كان معه حيععن نصععره اللععه إذ أخرجععه الععذين كفععروا هععو‬
‫ن{ ففععي‬ ‫أبوبكر‪ ،‬وكان ثاني أثنيععن اللععه ثالثهمععا‪ .‬قععوله }ث َععان ِ َ‬
‫ي اث ْن َي ْع ِ‬
‫مععن أكععابر الصععحابة إل و احععد‬ ‫المواضع التي ليكععون مععع النععبي ‪ε‬‬
‫يكون هو ذلك الواحد مثل سفره في الهجرة ومقامه يوم بععدر فععي‬
‫العريش لعم يكعن مععه فيعه إل أبعوبكر‪ ،‬ومثعل خروجعه العى قبعائل‬

‫)( في التاريخ السلمي‪ ،‬شوقي ابوخليل‪ ،‬ص ‪.226‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪-59-‬‬
‫العرب يدعوهم الى السعلم كعان يكعون مععه معن أكععابر الصعحابة‬
‫أبوبكر‪ ،‬وهذا اختصععاص فععي الصععحبة لععم يكععن لغيععره باتفععاق أهععل‬
‫المعرفة بأحوال النبي ‪.ε‬‬
‫‪ -3‬أنه صاحبه في الغار‪:‬‬
‫الفضععيلة فععي الغععار ظععاهرة بنععص القععرآن وقععد أخرجععا فععي‬
‫الصحيحين من حديث أنس‪ ،‬عن أبي بكر الصديق ‪ ،τ‬قععال‪ :‬نظععرت‬
‫الى أقدام المشركين على رؤسنا ونحن في الغار‪ ،‬فقلت‪ :‬يارسول‬
‫الله لو أن أحدهم نظر الى قدميه لبصرنا‪ .‬فقال‪ :‬ياأبععابكر ماظنععك‬
‫باثنين الله ثالثهما)‪ .(1‬وهذا الحديث مع كونه ممععا اتفععق أهععل العلععم‬
‫على صحته وتلقيه بالقبول فلم يختلف فععي ذلععك اثنععان منهععم فهععو‬
‫مما دل القرآن على معناه)‪.(2‬‬
‫‪ -4‬أنه صاحبه المطلق‪:‬‬
‫ه{ ليختص بمصععحابته فععي الغععار‪ ،‬بععل‬
‫حب ِ ِ‬
‫صا ِ‬
‫ل لِ َ‬ ‫قوله‪} :‬إ ِذ ْ ي َ ُ‬
‫قو ُ‬
‫هو صاحبه المطلق الذي عمل فععي الصععحبة كمععا لععم يشععركه فيععه‬
‫غيره ‪-‬فصار مختصا ً بالكملية من الصحبة‪ ،‬وهذا مما لنزاع فيه بين‬
‫ولهعذا قعال معن قعال معن العلمعاء‪ :‬إن‬ ‫أهل العلم باحوال النععبي ‪ε‬‬
‫فضائل الصديق خصائص لم يشركه فيها غيره)‪.(3‬‬
‫‪ -5‬أنه المشفق عليه‪:‬‬
‫ن{ يدل على أن صاحبه كان مشفقا ً عليه محب عا ً‬ ‫قوله }ل ت َ ْ‬
‫حَز ْ‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب فضائل الصحابة‪ ،‬رقم ‪3653‬؛ مسلم رقم ‪.1854‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( منهاج السّنة ) ‪.(4/240،241‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( منهاج السّنة ) ‪.(4/252،245‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪60‬‬
‫له ناصرا ً له حيث حزن‪ ،‬وإنما بحزن النسان حال الخوف على من‬
‫لئل يقتل ويذهب السلم‪ ،‬ولهذا لما‬ ‫يحبه‪ ،‬وكان حزنه على النبي ‪ε‬‬
‫كان معه في سفر الهجرة كعان يمشعي امعامه تعارة‪ ،‬ووراءه تعارة‪،‬‬
‫عن ذلك‪ ،‬فقال‪ :‬أذكر الرصد فأكون أمامك‪ ،‬وأذكععر‬ ‫فسأله النبي ‪ε‬‬
‫الطلععب فععأكون وراءك)‪ ،(1‬وفععي روايععة أحمععد فععي كتععاب فضععائل‬
‫الصحابة‪... :‬فجعل أبوبكر يمشععي خلفععه ويمشععي أمععامه فقععال لععه‬
‫مالععك؟ قععال‪ :‬يارسععول اللععه أخععاف أن تععؤتى مععن أمامععك‬ ‫النبي ‪ε‬‬
‫فأتقدم‪ ،‬قال‪ :‬فلما انتهينا الى الغار قال أبوبكر‪ :‬يارسععول اللععه كمععا‬
‫أنت حتى أيمه‪...‬فلما رأى أبوبكر حجعرا ً فعي الغعار فألقمهعا قعدمه‪،‬‬
‫وقال يارسول الله إن كانت لسعة أو لدغة كانت بععي)‪ .(2‬فلععم يكععن‬
‫يرضى بمساواة النبي؛ بل كان ليرضععى بععأن يقتععل رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫وهو يعيش؛ بععل كععان يختععار أن يفععديه بنفسععه وأهلععه ومععاله‪ .‬وهععذا‬
‫واجب على كل مؤمن‪ ،‬والصديق أقوم المؤمنين بذلك)‪.(3‬‬
‫‪ -6‬المشارك له في معية الختصاص‪:‬‬
‫قوله‪} :‬إ ِّن الل َّه َمعََنا{ صريح في مشععاركة الصععديق للنععبي ‪ε‬‬
‫في هذه المعية التي اختص بها الصديق لم يشععركه فيهععا أحععد مععن‬
‫الخلق‪ ...‬وهي تدل على أنعه معهعم بالنصعر والتأييعد والعانعة علعى‬
‫قععد أخععبر أن اللععه ينصععرني وينصععرك‬ ‫عععدوهم ‪ -‬فيكععون النععبي ‪ε‬‬
‫ياأبابكر‪ ،‬ويعيننا عليهم‪ ،‬نصر إكععرام ومحبععة كمععا قععال اللععه تعععالى‪:‬‬

‫)( ابوبكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلفة‪ ،‬ص ‪.43‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( منهاج السّنة ) ‪.(4/262،263‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( نفس المصدر )‪.(4/263‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-61-‬‬
‫م‬ ‫من ُععوا فِععي ال ْ َ‬
‫حَيعاةِ العد ّن َْيا وَي َعوْ َ‬ ‫ن َءا َ‬ ‫سل ََنا َواّلع ِ‬
‫ذي َ‬ ‫صُر ُر ُ‬‫}إ ِّنا ل َن َن ْ ُ‬
‫د{ )سورة غافر‪ ،‬الية ‪ .(51‬وهععذا غايععة المععدح لبععي‬ ‫م ال َ ْ‬
‫شَها ُ‬ ‫قو ُ‬ ‫يَ ُ‬
‫بكر؛ إذ دل على أنه ممن شهد له الرسول باليمان المقتضي نصععر‬
‫الله له مع رسوله في مثل هذه الحال التي يخذل فيها عامة الخلق‬
‫إل من نصره الله)‪.(1‬‬
‫وقال الدكتور عبععدالكريم زيععدان عععن المعيععة فععي هععذه اليععة‬

‫ن الّلعع َ‬
‫ه‬ ‫الكريمة وهذه المعية الربانية المستفادة من قوله تعالى }إ ِ ّ‬
‫معََنا{ أعلى من معيته للمتقين والمحسنين فععي قععوله تعععالى }إ ِ ّ‬
‫ن‬ ‫َ‬
‫ن{ لن المعيععة هنععا لععذات‬ ‫س عُنو َ‬
‫ح ِ‬
‫م ْ‬
‫م ُ‬
‫ن هُ ع ْ‬ ‫وا َوال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫ق ْ‬
‫ن ات ّ َ‬ ‫معَ ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫الرسول وذات صاحبه‪ ،‬غير مقيدة بوصف هو عمععل لهمععا‪ ،‬كوصععف‬
‫التقوى والحسان بل هععي خاصععة برسععوله وصععاحبه مكفولععة هععذه‬
‫المعية بالتأييد باليات وخوارق العادات)‪.(2‬‬
‫‪ -7‬أنه صاحبه في حال إنزال السكينة والنصر‪:‬‬
‫جن ُععود ٍ ل َع ْ‬
‫م‬ ‫َ‬
‫ه ع َل َي ْعهِ وَأي ّعد َه ُ ب ِ ُ‬
‫كين َت َ ُ‬
‫س ِ‬ ‫قال تعالى }فَأ َن َْز َ‬
‫ل الل ّ ُ‬
‫ه َ‬
‫ها‪) {...‬سورة التوبة‪ ،‬الية ‪ (40‬فإن من كان صععاحبه فععي حععال‬ ‫ت ََروْ َ‬
‫الخوف الشديد فلن يكون صاحبه في حضور النصر والتأييععد أولععى‬
‫وأحرى‪ ،‬فلم يحتج أن يذكر صحبته له في هذه الحععال لدللععة الكلم‬
‫والحال عليها‪ .‬وإذا علم أنه صاحبه في هذه الحال علم أنمععا حصععل‬
‫للرسول من إنزال السكينة والتأييد بالجنود الععتي لععم يرهععا النععاس‬

‫)( منهاج السّنة ) ‪.(4/242،243‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( المستفاد من قصص القرآن )‪.(2/100‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪62‬‬
‫لصاحبه فيها أعظععم ممععا لسععائر النععاس‪ .‬وهععذا مععن بلغععة القععرآن‬
‫وحسن بيانه)‪.(1‬‬

‫والصديق في التخطيط والخذ بالسباب‪:‬‬ ‫‪ε‬‬ ‫ثانيًا‪ :‬فقه النبي‬


‫إن من تأمل حادثة الهجرة رأى دقة التخطيط فيها ودقة الخذ‬
‫بالسباب من ابتدائها ومن مقدماتها إلععى مععاجرى بعععدها يععدرك أن‬
‫كععان قائم عا ً وأن‬ ‫التخطيط المسدد بالوحي في حياة رسول اللععه ‪ε‬‬
‫التخطيط جزء من السنة النبوية وهو جزء من التكليف اللهععي فععي‬
‫كل ماطولب به المسلم وأن الذين يميلون إلععى العفويععة بحجععة أن‬
‫سععنة أمثععال هععؤلء مخطئون‬
‫التخطيط وإحكام المععور ليسععا مععن ال ّ‬
‫ويجنون على أنفسهم وعلى المسلمين)‪.(2‬‬
‫في التنفيذ نلحظ التي‪:‬‬ ‫فعندما حان وقت الهجرة للنبي ‪ε‬‬
‫أ‪-‬وجععود التنظيععم الععدقيق للهجععرة حععتى نجحععت رغععم ماكععان‬
‫يكتنفها من صعاب وعقبات‪ ،‬وذلك أن كععل أمععر مععن أمععور الهجععرة‬
‫كان مدروسا ً دراسة وافية‪ ،‬فمث ً‬
‫ل‪،‬‬
‫إلى بيت أبي بكر في وقت شدة الحر ‪-‬الوقت الععذي‬ ‫‪-1‬جاء ‪ε‬‬
‫ليخرج فيه أحد بل من عادته لم يكن يأتي لععه لمععاذا؟ حععتى ليععراه‬
‫أحد‪.‬‬
‫أثنععاء مجيئة للصععديق وجععاء إلععى بيععت‬ ‫‪-2‬إخفععاء شخصععيته ‪ε‬‬
‫الصديق متلثمًا‪ ،‬لن التلثم يقلل من إمكانيععة التعععرف علععى معععالم‬

‫)( منهاج السّنة )‪.(4/272‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( الساس في السّنة‪ ،‬سعيد حوى )‪.(3578‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-63-‬‬
‫الوجه المتلثم)‪.(1‬‬
‫أبا بكر أن يخرج من عنععده‪ ،‬ولمععا تكلععم لععم يععبين إل‬ ‫‪-3‬أمر ‪ε‬‬
‫المر بالهجرة دون تحديد التجاه ‪.‬‬
‫‪-4‬وكان الخروج ليل ً ومن باب خلفي في بيت أبي بكر)‪.(2‬‬
‫‪-5‬بلععغ الحتيععاط مععداه‪ ،‬باتخععاذ طععرق غيععر مألوفععة للقععوم‪،‬‬
‫والستعانة بذلك بخبير يعرف مسالك البادية‪ ،‬ومسععارب الصععحراء‪،‬‬
‫وكان ذلك الخبير مشركا ً مادام على خلق ورزانة وفيععه دليععل علععى‬
‫كععان ليحجععم عععن السععتعانة بععالخبرات مهمععا يكععن‬ ‫أن الرسول ‪ε‬‬
‫مصدرها)‪ ،(3‬وقد بين الشيخ عبدالكريم زيعدان أن القاععدة والصعل‬
‫عدم الستعانة بغيععر المسععلم فععي المععور العامععة‪ ،‬ولهععذه القاعععدة‬
‫استثناء وهو جواز السععتعانة بغيععر المسععلم بشععروط معينععة وهععي‪:‬‬
‫تحقق المصلحة أو رجحانها بهذه الستعانة‪ ،‬وأن ليكون ذلععك علععى‬
‫حساب الدعوة ومعانيها‪ ،‬وأن يتحقق الوثوق الكافي بمععن يسععتعان‬
‫به‪ ،‬وأن لتكون هذه الستعانة مثععار شععبهة لفععراد المسععلمين‪ ،‬وأن‬
‫تكون هناك حاجة حقيقية لهذه الستعانة على وجععه السععتثناء‪ ،‬وإذا‬
‫قععد دعععا أولده‬ ‫لم تتحقق لم تجز الستعانة) (‪ ،‬وقد كان الصديق ‪τ‬‬
‫‪4‬‬

‫للسلم ونجح بفضل اللععه فععي هععذا الععدور الكععبير والخطيععر‪ ،‬وقععام‬

‫)( السيرة النبوية قراءة لجوانب الحذر والحيطة‪ ،‬ص ‪.141‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( معين السيرة للشامي‪ ،‬ص ‪.147‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( الهجرة في القرآن الكريم‪ ،‬ص ‪.361‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( المستفاد من قصص القرآن ) ‪.(2/144،145‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪64‬‬
‫بتوظيف أسرته لخدمة السلم ونجاح هجرة رسول اللععه ‪ ،ε‬فععوزع‬
‫بين أولده المهام الخطيرة في مجال التنفيذ العملي لخطة الهجرة‬
‫المباركة‪:‬‬
‫‪-1‬دور عبدالله بن أبي بكر‪-‬رضي الله عنهما‪:-‬‬
‫فقد قام بدور صععاحب المخععابرات الصععادق وكشععف تحركععات‬
‫العدو‪ ،‬لقد ربى عبدالله على حععب دينععه‪ ،‬والعمععل لنصععرته ببصععيرة‬
‫نافذة وفطنة كاملة وذكاء متوقد‪ ،‬يععدل علععى العنايععة الفائقععة الععتي‬
‫اتبعها سيدنا أبو بكر في تربيته وقد رسم له أبوه دوره في الهجععرة‬
‫فقام به خير قيام‪ ،‬وكان يمتثل في التنقل بين مجععالس أهععل مكععة‬
‫يستمع أخبارهم‪ ،‬ومايقولونه في نهارهم ثععم يعأتي الغععار إذا أمسعى‬
‫مايععدور بعقععول أهععل مكععة‬ ‫فيحكععي للنععبي ‪ ε‬ولبيععه الصععديق ‪τ‬‬
‫ومايدبرونه‪ ،‬وقد أتقن عبدالله هذا الواجب بطريقة رائعة فلم تأخععذ‬
‫واحدا ً من أهل مكة ريبة فيه‪ ،‬وكان يبيت عند الغار حارسا ً حععتى إذا‬
‫اقترب النهار عاد إلى مكة فما شعر به أحد)‪.(1‬‬
‫‪-2‬دور عائشة وأسماء رضي الله عنهما‪:‬‬
‫كان لسماء وعائشة دور عظيم أظهر فوائد التربية الصععحيحة‬
‫حيث قامتا عنععد قععدوم النععبي ‪ε‬‬
‫إلععى بيععت أبععي بكععر ليلععة الهجععرة‬
‫بتجهيز طعام للنبي ‪ ε‬ولبيهما‪ :‬تقععول أم المععؤمنين عائشععة رضععي‬
‫الله عنها‪ ،‬فجهزناهما ‪-‬تقصد رسول الله ‪ ε‬وأباهععا‪ -‬أحسععن الجهععاز‬
‫فصنعنا لهما سفرة في جراب‪ ،‬فقطعت أسماء قطعة مععن نطاقهععا‬

‫)( السيرة الحلبية )‪(2/213‬؛ البداية والنهاية ) ‪.(3/182‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪-65-‬‬
‫فربطت به على فم الجراب فلذلك سميت ذات النطاقين)‪.(1‬‬
‫‪-3‬دور أسماء في تحمل الذى وإخفاء أسرار المسلمين‪:‬‬
‫أظهرت أسماء رضي الله عنها دور المسلمة الفاهمععة لععدينها‪،‬‬
‫المحافظة علععى أسععرار الععدعوة المتحملععة لتوابععع ذلععك مععن الذى‬
‫والتعنت فهذه أسماء تحدثنا بنفسها حيث تقول‪ :‬لمععا خععرج رسععول‬
‫أتانا نفر من قريش‪ ،‬فيهم أبو جهععل بععن هشععام‪،‬‬ ‫الله ‪ ε‬وأبو بكر ‪τ‬‬
‫فوقفوا على باب أبي بكر‪ ،‬فخرجت إليهم‪ ،‬فقالوا‪ :‬أين أبوك يععابنت‬
‫أبي بكر؟ قلت‪ :‬ل أدري والله أين أبي؟ قالت‪ :‬فرفع أبعو جهعل يععده‬
‫‪-‬وكان فاحشا ً خبيثًا‪ -‬فلطم خ ّ‬
‫دي لطمة طرح منها قرطي قالت‪ :‬ثم‬
‫انصرفوا‪.(2)(...‬‬
‫فهذا درس من أسماء رضي الله عنها تعلمه لنساء المسلمين‬
‫جيل ً بعد جيل كيف تخفي أسرار المسلمين عن العداء وكيف تقف‬
‫صامدة شامخة أمام قوى البغي والظلم؟‬
‫‪-4‬دور أسماء رضي الله عنها في بث المععان والطمأنينععة فععي‬
‫البيت‪:‬‬
‫ومعه ماله كله وهو مععاتبقى‬ ‫خرج أبو بكر ‪ τ‬مع رسول الله ‪ε‬‬
‫من رأسماله ‪-‬وكععان خمسععة آلف أو سععتة آلف درهععم‪ -‬وجععاء أبععو‬
‫قحافة ليتفقععد بيععت ابنععه‪ ،‬ويطمئن علععى أولده وقععد ذهععب بصععره‪،‬‬
‫فقال‪ :‬والله إني لراه قد فجعكععم بمععاله مععع نفسععه‪ ،‬قععالت‪ :‬كل يععا‬
‫ت‪ ،‬ضع يدك على هععذا المععال‪ .‬قععالت‪ :‬فوضععع يععده عليععه‪ ،‬فقععال‪:‬‬
‫أب ِ‬

‫)( البداية والنهاية )‪.(3/184‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( الهجرة النبوية المباركة‪ ،‬ص ‪.126‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪66‬‬
‫لبأس‪ ،‬إذا كان تععرك لكععم هععذا فقععد أحسععن‪ ،‬وفععي هععذا بلغ لكععم‪.‬‬
‫لوالله ماترك لنا شيئًا‪ ،‬ولكني أردت أن أس ّ‬
‫كن الشيخ بذلك)‪.(1‬‬
‫وبهذه الفطنة والحكمة سععترت أسععماء أباهععا‪ ،‬وسععكّنت قلععب‬
‫جدها الضرير‪ ،‬من غير أن تكذب‪ ،‬فإن أباها قد ترك لهععم حقعا ً هععذه‬
‫ومتها لتطمئن لها نفس الشيخ إل أنه قععد تععرك لهععم‬ ‫الحجار التي ك ّ‬
‫معهععا إيمان عا ً بععالله لتزلزلععه الجبععال‪ ،‬ولتحركععه العواصععف الهععوج‪،‬‬
‫وليتأثر بقلة أو كثرة في المال‪ ،‬وورثهععم يقينعا ً وثقععة بععه لحععد لهععا‪،‬‬
‫وغرس فيهم همة تتعلق بمعالي المور‪ ،‬ولتلتفععت إلععى سفاسععفها‪،‬‬
‫فضععرب بهععم للععبيت المسععلم مثععال ً ع عّز أن يتكععرر‪،‬وق ع ّ‬
‫ل أن يوجععد‬
‫نظيره‪.‬‬
‫لقد ضربت أسماء رضي الله عنها بهذه المواقف لنساء وبنات‬
‫ن في أمس الحاجة إلى القتداء به‪ ،‬والنسج علععى‬ ‫المسلمين مثل ً هُ ّ‬
‫منواله وظلت أسماء مع أخواتها في مكة‪ ،‬لتشكو ضععيقًا‪ ،‬ولتظهععر‬
‫زيد بن حارثة وأبا رافع موله‪ ،‬وأعطاهما‬ ‫حاجة‪ ،‬حتى بعث النبي ‪ε‬‬
‫بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة فقدما عليه بفاطمععة وأم كلثععوم‬
‫ابنتيه‪ ،‬وسودة بنت زمعة زوجه وأسامة بن زيد‪ ،‬وأمه بركة المكنععاة‬
‫بأم أيمن‪ ،‬وخرج معهما عبدالله بن أبي بكر بعيععال أبععي بكععر‪ ،‬حععتى‬
‫قدموا المدينة مصطحبين)‪.(2‬‬

‫‪-5‬دور عامر بن فهيرة‪-‬مولى أبي بكر ‪: -τ‬‬

‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪ (2/102‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( تاريخ الطبري )‪(2/100‬؛ الهجرة النبوية المباركة‪ ،‬ص ‪.128‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-67-‬‬
‫من العادة عند كثير من الناس إهمال الخادم‪ ،‬وقلعة الكعتراث‬
‫بأمره‪ ،‬لكن الدعاة الربانيين ليفعلون ذلععك‪ ،‬إنهععم يبععذلون جهععدهم‬
‫عععامر بععن فهيععرة مععوله‬ ‫لهدايععة مععن يلقععوه لععذا أدب الصععديق ‪τ‬‬
‫وعلمه‪ ،‬فأضحى عامر جاهزا ً لفداء السلم وخدمة الدين‪.‬‬
‫وقد رسم له سيدنا أبو بكر ‪ τ‬دورا ً هام عا ً فععي الهجععرة‪ ،‬فكععان‬
‫يرعى الغنم مع رعيان مكة لكن ليلفععت النظععار لشععيء‪ ،‬حععتى إذا‬
‫فاحتلبععا وذبحععا ثععم‬ ‫أمسى أراح بغنم سيدنا أبي بكر علععى النععبي ‪ε‬‬
‫يكمل عامر دور عبدالله بن أبي بكر حين يغدو من عند رسول اللععه‬
‫وصاحبه عائدا ً إلى مكة فيتتبع آثار عبدالله ليعض عليها ممععا يعععد‬ ‫‪ε‬‬
‫ذكاء‪ ،‬وفطنة في العداد لنجاح الهجرة)‪.(1‬‬
‫وإن لدرس عظيم يستفاد من الصديق لكي يهتععم المسععلمون‬
‫بالخدم الذين يأتونهم من مشارق الدنيا ومغاربها ويعععاملونهم علععى‬
‫كونهم بشرا ً أول ً ثم يعلمونهم السلم‪ ،‬فلعل الله يجععل منهععم مععن‬
‫يحمل هذا الدين كما ينبغي‪.‬‬
‫إن ماقام به الصديق من تجنيد أسرته لخدمة صععاحب الععدعوة‬
‫عليه الصلة والسلم في هجرته يدل على تدبير للمععور علععى نحععو‬
‫رائع دقيق‪ ،‬واحتياط للظروف بأسلوب حكيم‪ ،‬ووضع لكععل شععخص‬
‫من أشخاص الهجرة في مكعانه المناسعب‪ ،‬وسعد لجميعع الثغعرات‪،‬‬
‫وتغطية بديعة لكل مطالب الرحلة‪ ،‬واقتصار على العدد اللزم مععن‬
‫بالسععباب‬ ‫الشخاص من غير زيادة ول إسراف لقد أخذ الرسول ‪ε‬‬
‫)( تاريخ الدعوة في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.115‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪68‬‬
‫المعقولة أخذا ً قويعا ً حسعب اسعتطاعته وقعدرته ‪ ...‬ومعن ثععم بعاتت‬
‫عناية الله متوقعة)‪.(1‬‬
‫إن اتخاذ السباب أمععر ضععروري وواجععب‪ ،‬ولكععن ليعنععي ذلععك‬
‫دائما ً حصول النتيجة‪ ،‬ذلك لن هذا أمر يتعلق بععأمر اللععه‪ ،‬ومشععيئته‬
‫ومن هنا كان التوكل أمرا ً ضروريا ً وهععو مععن بععاب اسععتكمال اتخععاذ‬
‫السباب‪.‬‬
‫أعد كل السباب واتخذ كل الوسععائل ولكنععه‬ ‫إن رسول الله ‪ε‬‬
‫في الوقت نفسه مع الله يدعوه ويستنصره أن يكلل سعيه بالنجاح‬
‫وهنا يستجاب الدعاء‪ ،‬ويكلل العمل بالنجاح)‪.(2‬‬
‫ثالثًا‪ :‬جندية الصديق الرفيعة وبكائه من الفرح‪:‬‬
‫تظهر أثر التربية النبوية في جندية أبي بكعر الصعديق ‪ ،τ‬فعأبو‬
‫عندما أراد أن يهاجر إلى المدينة وقععال لععه رسععول اللععه ‪:ε‬‬ ‫بكر ‪τ‬‬
‫)لتعجل لعل الله يجعل لك صاحبًا( فقد بدأ في العداد والتخطيععط‬
‫للهجرة )فابتاع راحلتين واحتبسهما في داره يعلفهما إعدادا ً لععذلك(‬
‫وفي رواية البخاري‪ ،‬وعلف راحلتين كانتععا عنععده ورق السععمر‪-‬وهععو‬
‫وهععو الععذي‬ ‫الخبط‪ -‬أربعة أشهر(‪ .‬لقد كععان يععدرك بثععاقب بصععره ‪τ‬‬
‫تربى ليكون قائدًا‪ ،‬أن لحظة الهجرة صعبة قععد تععأتي فجععأة ولععذلك‬
‫هيأ وسيلة الهجرة‪ ،‬ورتب تموينها‪ ،‬وسخر أسععرته لخدمععة النععبي ‪،ε‬‬
‫وأخبره إن الله قد أذن لععه فععي الخععروج‬ ‫وعندما جاء رسول الله ‪ε‬‬
‫)( أضواء على الهجرة‪ ،‬لتوفيق محمد‪ ،‬ص ‪.397 -393‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( من معين السيرة‪ ،‬ص ‪.148‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-69-‬‬
‫والهجرة‪ ،‬بكا من شدة الفرح وتقول عائشعة رضعي اللعه عنهعا فعي‬
‫هذا الشأن‪ :‬فوالله ماشعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا ً يبكي من‬
‫الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ‪ ،‬إنها قمة الفععرح البشععري‪ ،‬أن‬
‫يتحول الفرح إلى بكاء مما قال الشاعر عن هذا‪:‬‬
‫ورد الكتاب من الحبيب بأنه‬
‫سيزورني فاستعبرت اجفاني‬
‫ي حتى إنني‬
‫غلب السرور عل ّ‬
‫من فرط ماقد سرني أبكاني‬
‫ياعين صار الدمع عندك عادة‬
‫تبكين من فرح ومن أحزاني‬
‫يعلم أن معنى هععذه الصععحبة أنععه سععيكون وحععده‬ ‫فالصديق ‪τ‬‬
‫برفقة رسول رب العالمين بضعة عشرة يوما ً على القل وهو الذي‬
‫فأي فوز في هذا‬ ‫سيقدم حياته لسيده وقائده وحبيبه المصطفى ‪ε‬‬
‫الوجود يفوق هذا الفععوز‪ :‬أن يتفععرد الصععديق وحععده مععن دون أهععل‬
‫الرض ومن دون الصحب جميعا ً برفقععة سععيد الخلععق وصععحبته كععل‬
‫هذه المدة)‪ ،(1‬وتظهر معاني الحب في الله في خوف أبي بكر وهو‬
‫في الغار من أن يراهما المشركون ليكون الصديق مثل ً لمععا ينبغععي‬
‫أن يكون عليه جندي الدعوة الصادق مع قائده الميععن حيععن يحععدق‬
‫به الخطر من خوف وإشفاق على حياته‪ ،‬فما كان أبو بكعر سعاعتئذ‬
‫بالذي يخشى على نفسه الموت‪ ،‬ولو كان كذلك لما رافععق رسععول‬
‫)( التربية القيادية ) ‪.(2/191،192‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪70‬‬
‫في هذه الهجرة الخطيرة وهو يعلم أن أقل جزائه القتل إن‬ ‫الله ‪ε‬‬
‫أمسكه المشركون مع رسول الله ‪ ،ε‬ولكنه كان يخشى على حياة‬
‫في‬ ‫الرسول الكريم ‪ ،ε‬وعلى مستقبل السلم إن وقع الرسول ‪ε‬‬
‫قبضة المشععركين)‪ ،(1‬ويظهععر الحععس المنععي الرفيععع للصععديق فععي‬
‫في مواقف كثيرة منها‪ ،‬حين أجاب السائل‪ :‬من‬ ‫هجرته مع النبي ‪ε‬‬
‫هذا الرجل الذي بين يديك؟ فقال‪ :‬هذا هادٍ يهععديني السععبيل‪ ،‬فظععن‬
‫السائل بأن الصديق يقصد الطريق‪ ،‬وإنما كان يقصععد سععبيل الخيععر‬
‫وهذا يععدل علععى حسععن اسععتخدام أبعي بكعر للمعععاريض فععرارا ً مععن‬
‫الحععرج أو الكععذب)‪ ،(2‬وفععي إجععابته للسععائل توريععة وتنفيععذا ً للتربيععة‬
‫المنية التي تلقاها من رسول الله ‪ ،ε‬لن الهجرة كانت سععرا ً وقععد‬
‫على ذلك)‪.(3‬‬ ‫أقره الرسول ‪ε‬‬
‫رابعًا‪ :‬فن قيادة الرواح وفن التعامل مع النفوس‪:‬‬
‫يظهر الحب العميق الذي سيطر على قلب ابي بكععر لرسععول‬
‫في الهجرة‪ ،‬كمععا يظهععر حعب سعائر الصعحابة أجمعيعن فعي‬ ‫الله ‪ε‬‬
‫وهععذا الحععب الربععاني كععان نابع عا ً مععن‬ ‫سيرة الحبيب المصععطفى ‪ε‬‬
‫القلب‪ ،‬وبإخلص‪ ،‬لم يكن حب نفاق أو نابعا ً من مصلحة دنيويععة‪ ،‬أو‬
‫رغبة في منفعة أو رهبة لمكروه قد يقععع ومععن أسععباب هععذا الحععب‬
‫صفاته القيادية الرشيدة‪ ،‬فهو يسهر ليناموا‪ ،‬ويتعععب‬ ‫لرسول الله ‪ε‬‬
‫ليستريحوا‪ ،‬ويجوع ليشبعوا‪ ،‬كان يفععرح لفرحهععم ويحععزن لحزنهععم‪،‬‬

‫)( السيرة النبوية دروس وعبر للسباعي‪ ،‬ص ‪.71‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( الهجرة النبوية المباركة‪ ،‬ص ‪.204‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( السيرة النبوية للسباعي‪ ،‬ص ‪.68‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-71-‬‬
‫مععع صععحابته‪ ،‬فععي حيععاته الخاصععة‬ ‫فمععن سععلك سععنن الرسععول ‪ε‬‬
‫والعامة‪ ،‬وشارك الناس في أفراحهم وأتراحهم وكععان عملععه لععوجه‬
‫الله أصابه هذا الحب إن كان من الزعماء أو القادة أو المسععؤولين‬
‫في أمة السلم)‪.(1‬‬
‫وصدق الشاعر الليبي أحمد رفيق المهدوي عندما قال‪:‬‬
‫فإذا أحب الله باطن عبده‬
‫ظهرت عليه مواهب الفتاح‬
‫وإذا صفت لله نية مصلح‬
‫بالرواح)‪(2‬‬ ‫مال العباد عليه‬
‫إن القيادة الصحيحة هي التي تسععتطيع أن تقععود الرواح قبععل‬
‫كل شيء وتستطيع أن تتعامل مع النفوس قبل غيرها‪ ،‬وعلععى قععدر‬
‫إحسان القيادة يكون إحسان الجنود وعلى قدر البععذل مععن القيععادة‬
‫رحيم عًا‪ ،‬وشععفوقا ً بجنععوده‬ ‫يكععون الحععب مععن الجنععود‪ ،‬فقععد كععان ‪ε‬‬
‫وأتباعه‪ ،‬فهو لم يهاجر إل بعد أن هاجر معظم أصععحابه‪ ،‬ولععم يبقععى‬
‫إل المستضعععفين والمفتععونين ومععن كععانت لععه مهمععات خاصععة‬
‫بالهجرة)‪.(3‬‬
‫والجدير بالذكر أن حب الصديق لرسول الله ‪ ε‬كان لله وممععا‬
‫يبين الحب لله والحب لغير اللععه‪ :‬أن ابععا بكععر كععان يحععب النععبي ‪ε‬‬
‫مخلصا ً لله‪ ،‬وأبوطالب عمه كان يحبه وينصره لهواه ل للععه‪ ،‬فتقبععل‬
‫)( الهجرة النبوية لبي فارس‪ ،‬ص ‪.54‬‬ ‫‪1‬‬
‫صلبي )‪.(2/7‬‬
‫)( الحركة السنوسية لل ّ‬ ‫‪2‬‬
‫)( الهجرة النبوية المباركة‪ ،‬ص ‪.205‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪72‬‬
‫ذي‬ ‫قععى`ال ّع ِ‬ ‫جن ّب َُها ال َت ْ َ‬
‫سعي ُ َ‬‫الله عمل أبي بكر وأنزل فيه قوله ‪} :‬وَ َ‬
‫جعَزى`إ ِل ّ‬ ‫م عة ٍ ت ُ ْ‬‫ن ن ِعْ َ‬ ‫مع ْ‬ ‫عن ْعد َه ُ ِ‬ ‫مععا ل َ َ‬
‫ح عد ٍ ِ‬ ‫مال َ ُ‬
‫ه ي َت ََزك ّععى`وَ َ‬ ‫ي ُؤ ِْتي َ‬
‫َ‬
‫ضععى`{ )سععورة الليععل‪،‬‬ ‫ف ي َْر َ‬‫س عو ْ َ‬ ‫جهِ َرب ّهِ الع ْل َععى`وَل َ َ‬ ‫اب ْت َِغاَء وَ ْ‬
‫اليات‪ ،(21-17:‬وأما أبوطالب فلم يتقبل عملععه‪ ،‬بععل أدخلععه النععار‪،‬‬
‫لنه كان مشركا ً عععامل ً لغيععر اللععه‪ .‬وأبععوبكر لععم يطلععب أجععره مععن‬
‫ول من غيره‪ ،‬بل آمن به وأحبه وكله وأعانه‬ ‫الخلق‪ ،‬ل من النبي ‪ε‬‬
‫من الله‪ ،‬متقربا ً بذلك الى الله وطالبا ً الجر من الله ويبلغ عن اللععه‬
‫أمره ونهيه ووعده ووعيده)‪.(1‬‬
‫خامسًا‪ :‬مرض أبي بكر الصديق بالمدينة في بداية الهجرة‪:‬‬
‫وأصحابه عن البلد المين تضحية عظيمة‬ ‫كانت هجرة النبي ‪ε‬‬
‫عّبر عنها النبي ‪ ε‬بقوله‪) :‬والله إنععك لخيععر أرض اللععه وأحععب أرض‬
‫الله الى الله‪ ،‬ولول أني أخرجت منك ماخرجت()‪.(2‬‬
‫وعن عائشة رضي الله عنها قالت‪ :‬لمععا تقعدم رسععول اللعه ‪ε‬‬
‫المدينة قدمها وهي أوبأ ارض الله من الحمى‪ ،‬وكان واديهععا يجععري‬
‫نجل ً ‪-‬يعني ماًء آجنًا‪ -‬فأصاب أصحابه منها بلًء وسقم وصععرف اللععه‬
‫ذلك عن نبيه‪ .‬قالت‪ :‬فكان أبوبكر‪ ،‬وعامر بن فهيرة وبلل في بيت‬
‫فععي عيععادتهم‬ ‫واحد‪ ،‬فأصابتهم الحمععى‪ ،‬فاسععتأذنت رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫فأذن‪ ،‬فدخلت إليهم أعودهم وذلك قبل أن يضععرب علينععا الحجععاب‬

‫)( الفتاوى لبن تيمية )‪.(11/286‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( الترمذي‪ ،‬كتاب المناقب‪ ،‬باب فضل مكة )‪ (5/722‬رقم ‪.3925‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-73-‬‬
‫وبهم مال يعلمه إل الله من شدة الوععك)‪ ،(1‬فعدنوت معن أبعي بكعر‬
‫فقلت‪:‬‬
‫ياأبت كيف تجدك؟ فقال‪:‬‬
‫كل امرئ مصبح في أهله‬
‫والموت أدنى من شراك نعله‬
‫قالت‪ :‬فقلت والله مايدري أبي مايقول‪.‬ثم دنوت من عامر بن‬
‫فهيرة فقلت‪ :‬كيف تجدك ياعامر؟ فقال‪:‬‬
‫لقد وجدت الموت قبل ذوقه‬
‫إن الجبان حتفه من فوقه‬
‫بطوقه)‪(2‬‬ ‫كل امرئ مجاهد‬
‫بروقه)‪(3‬‬ ‫كالثور يحمى جلده‬
‫قالت‪ :‬قلت‪ :‬والله مايدري عامر مايقول‪ .‬قالت‪ :‬وكان بلل إذا‬
‫أقلع عنه الحمى اضطجع بفناء البيت ثم يرفع عقيرته)‪ ،(4‬ويقول‪:‬‬
‫أل ليت شعري هل أبيتن ليلة‬
‫وجليل‬ ‫إذخر)‪(5‬‬ ‫بواد وحولي‬
‫ُ‬
‫جَنة‬ ‫دن يوما ً مياه َ‬
‫م ِ‬ ‫وهل أرِ َ‬
‫وطفيل)‪(6‬‬ ‫وهل يبدون لي شامة‬

‫الوعك‪ :‬الحمى‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫بطوقه‪ :‬بطاقته‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫بروقه‪ :‬بقرنه‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫عقيرته‪ :‬صوته‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫إذخر‪ :‬نبات طيب الرائحة‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬
‫شامة وطفيل‪ :‬جبلن مشرفان على مجنة على بريد مكة‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬
‫‪74‬‬
‫بذلك فقال‪) :‬اللهععم حب ّععب إلينععا‬ ‫قالت‪ :‬فأخبرت رسول الله ‪ε‬‬
‫ححها وبععارك لنععا فععي مععدها‬
‫المدينة كحبنا مكة‪ ،‬أو أشد‪ ،‬اللهععم وصع ّ‬
‫ماها وأجعلها بالجحفة()‪.(1‬‬
‫وصاعها وانقل ح ّ‬
‫وعوفي المسلمون بعععدها مععن‬ ‫وقد استجاب الله دعاء نبيه ‪ε‬‬
‫هععذه الحمععى‪ ،‬وغععدت المدينععة موطنععا ً ممتععازا ً لكععل الوافععدين‬
‫والمهاجرين إليها من المسلمين على تنوع بيئاتهم ومواطنهم)‪.(2‬‬
‫بعد استقراره بالمدينة في تثععبيت دعععائم‬ ‫شرع رسول الله ‪ε‬‬
‫الدولة السلمية‪ ،‬فآخى بين المهاجرين والنصار‪ ،‬ثم أقام المسجد‪،‬‬
‫وأبرم المعاهعدة معع اليهعود وبعدأت حركعة السعرايا‪ ،‬واهتععم بالبنععاء‬
‫القتصادي والتعليمي والتربوي في المجتمع الجديععد‪ ،‬وكععان أبععوبكر‬
‫ولزمه في كل أحواله ولم يغيب عن‬ ‫‪ τ‬وزير صدق لرسول الله ‪ε‬‬
‫مشهد من المشاهد ولم يبخل بمشورة أو مال أو رأي)‪.(3‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الدعوات‪ ،‬باب الدعاء يرفع الوباء والوجع رقم ‪.6372‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( التربية القيادية )‪.(2/310‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( تاريخ الدعوة الى السلم في عهد الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.121‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-75-‬‬
76
‫المبحث الرابع‬
‫ديق في ميادين الجهاد‬‫الص ّ‬

‫ذكر أهل العلم بالتواريخ والسير أن أبابكر شععهد مععع النععبي ‪ε‬‬
‫بدرا ً والمشاهد كلها‪ ،‬ولم يفته منها مشهد‪ ،‬وثبت مع رسول اللعه ‪ε‬‬
‫يوم أحد حين انهزم الناس ودفع إليه النبي ‪ ε‬رايتععه العظمععى يععوم‬
‫تبوك وكانت سوداء)‪.(1‬‬
‫وقال ابن كثير‪ :‬ولم يختلف أهل السير في أن أبابكر الصععديق‬
‫في مشهد من مشاهده كلها)‪.(2‬‬ ‫‪ τ‬لم يتخلف عن رسول الله ‪ε‬‬
‫وقال الزمخشري‪ :‬إنه ‪-‬يعني أبععابكر ‪ -τ‬كععان مضععافا ً لرسععول‬
‫الى البد‪ ،‬فإنه صحبه صغيرا ً وأنفق ماله كبيرًا‪ ،‬وحملععه الععى‬ ‫الله ‪ε‬‬
‫المدينة براحلته وزاده‪ ،‬ولم يزل ينفق عليه ماله في حياته‪ ،‬وزوجععه‬
‫ابنته‪ ،‬ولم يزل ملزمعا ً لععه سععفرا ً وحضععرا ً ‪ ،‬فلمععا تععوفي دفنععه فععي‬
‫حجرة عائشة أحب النساء إليه ‪.(3)ε‬‬
‫وعن سععلمة بععن الكععوع‪ :‬غععزوت مععع النععبي ‪ ε‬سععبع غععزوات‪،‬‬
‫وخرجت فيما يبعث مععن البعععوث تسععع غععزوات مععرة علينععا أبععوبكر‬
‫ومرة علينا أسامة)‪.(4‬‬
‫الطبقات الكبرى )‪(1/124‬؛ صفة الصفوة ) ‪.(1/242‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬
‫أسد الغابة )‪.(3/318‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫خصائص العشرة الكرام البررة‪ ،‬ص ‪.41‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬باب بعث النبي أسامة‪ ،‬رقم ‪.4270‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪-77-‬‬
‫ومن خلل هعذا المبحعث سععنحاول أن نتتبعع حيععاة الصعديق ‪τ‬‬
‫الجهادية مع النبي ‪ ε‬لنرى كيف جاهد الصديق بنفسه ومععاله ورأيععه‬
‫في نصرة دين الله تعالى‪.‬‬

‫في بدر الكبرى‪:‬‬ ‫‪τ‬‬ ‫أو ً‬


‫ل‪ :‬أبوبكر‬
‫شارك الصديق في غزوة بععدر وكععانت فععي العععام الثععاني مععن‬
‫الهجرة وكانت له فيها مواقف مشهورة من أهمها‪:‬‬
‫‪ -1‬مشورة الحرب‪:‬‬
‫لما بلغ النبي ‪ε‬‬
‫نجاة القافلة وإصرار زعماء مكععة علععى قتععال‬
‫النبي ‪ ε‬استشار رسول الله ‪ ε‬اصحابه في المعر) (‪ ،‬فقعام أبعوبكر‬
‫‪1‬‬

‫فقال وأحسن ثم قام عمر فقال وأحسن)‪.(2‬‬

‫‪ -2‬دوره في الستطلع مع النبي ‪:ε‬‬


‫ومعه أبوبكر يستكشف أحوال جيش المشععركين‬ ‫قام النبي ‪ε‬‬
‫وبينما هما يتجولن في تلك المنطقة لقيا شيخا ً من العرب‪ ،‬فسأله‬
‫رسول الله ‪ ε‬عن جيش قريش‪ ،‬وعن محمد وأصحابه‪ ،‬ومععابلغه ‪ε‬‬
‫من أخبارهم‪ :‬فقععال الشععيخ ل أخبركمععا حععتى تخععبراني ممععا أنتمععا‪.‬‬
‫فقال له رسول الله ‪ :ε‬إذا أخبرتنا أخبرنععاك فقععال‪ :‬أو ذاك بععذاك؟‬
‫قال‪ :‬نعم‪ .‬فقال الشيخ‪ :‬فإنه بلغني أن محمدا ً واصحابه خرجوا يوم‬
‫كذا وكذا‪ ،‬فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كعذا وكعذا‬
‫‪-‬للمكان الذي به جيش المسلمين‪ -‬وبلغني أن قريشعا ً خرجععوا يععوم‬

‫)( صحيح البخاري رقم ‪.3952‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(2/447‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪78‬‬
‫كذا وكذا‪ ،‬فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كعذا وكعذا‬
‫‪-‬للمكان العذي فيعه جيععش المشعركين فع ً‬
‫ل‪ -‬ثعم قععال الشعيخ‪ :‬لقعد‬
‫اخبرتكما عما أردتما‪ ،‬فأخبراني‪ :‬ممن أنتما؟ فقال رسععول اللععه ‪:ε‬‬
‫وأبوبكر عععن الشععيخ‪ ،‬وبقععي هععذا‬ ‫نحن من ماء‪ .‬ثم انصرف النبي ‪ε‬‬
‫الشيخ يقول‪ :‬مامن ماء؟ أمن ماء العراق)‪.(1‬‬
‫وقد تعلععم‬ ‫وفي هذا الموقف يتضح قرب الصديق من النبي ‪ε‬‬
‫أبوبكر من رسول الله ‪ ε‬دروسا ً كثيرة‪.‬‬

‫‪ -3‬في حراسة النبي ‪ ε‬في عريشه‪:‬‬


‫عندما رتب ‪ ε‬الصفوف للقتال رجعع العى مقعر القيععادة وكععان‬
‫عبارة عن عريش على ت ّ‬
‫ل مشرف على سععاحة القتعال وكععان مععه‬
‫وكانت ثلة من شباب النصار بقيععادة سعععد بععن معععاذ‬ ‫فيه أبوبكر ‪τ‬‬
‫يحرسون عريش رسول الله ‪ ،(2)ε‬وقد تحدث علي بن أبعي طععالب‬
‫عن هذا الموقف فقال‪ :‬ياأيها الناس من أشجع النععاس؟ فقععالوا‪:‬‬ ‫‪τ‬‬
‫أنت ياأمير المؤمنين‪ ،‬فقال‪ :‬أما إني مابارزني أحد إل انتصفت منه‪،‬‬
‫ولكن هو أبوبكر‪ :‬إنا جعلنا لرسول الله ‪ε‬‬
‫عريشا ً فقلنععا مععن يكععون‬
‫مع رسول الله ‪ ε‬لئل يهوي إليه أحد من المشركين؟ فععوالله مادنععا‬
‫منه أحد إل أبابكر شاهرا ً بالسيف على رأس رسول الله ‪ ε‬ل يهوي‬
‫إليه أحد من المشركين إل أهوى إليه فهذا اشجع الناس)‪.(3‬‬
‫‪ -4‬الصديق يتلقى البشارة بالنصر‪ ،‬ويقاتل بجانب رسول اللععه‬
‫)( سيرة ابن هشام )‪.(2/228‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( نفس المصدر )‪.(2/233‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(272 -3/271‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-79-‬‬
‫‪:ε‬‬
‫الععى ربععه‬ ‫بعد الشروع في الخذ بالسباب اتجه رسول الله ‪ε‬‬
‫يدعوه ويناشده النصر الذي وعده ويقول في دعععائه‪) :‬اللهععم أنجععز‬
‫لي ماوعدتني‪ ،‬اللهم إن تهلك هععذه العصععابة مععن أهععل السععلم فل‬
‫يدعو ويستغيث حتى سععقط رداوه‪،‬‬ ‫تعبد في الرض أبدًا( ومازال ‪ε‬‬
‫فأخذه أبوبكر ورده على منكععبيه وهععو يقععول‪ :‬يارسععول اللععه كفععاك‬
‫مناشدتك ربك فإنه منجر لك ماوعععدك()‪ ،(1‬وأنععزل اللععه عععز وجععل‪:‬‬

‫ب ل َك ُ ْ‬
‫م{ وفي رواية ابن عبععاس قععال‪:‬‬ ‫جا َ‬ ‫ن َرب ّك ُ ْ‬
‫م َفا ْ‬
‫ست َ َ‬ ‫}إ ِذ ْ ت َ ْ‬
‫ست َِغيُثو َ‬
‫يوم بدر‪) :‬الله انشدك عهد ووعدك‪ ،‬الله إن شئت لععم‬ ‫قال النبي ‪ε‬‬
‫وهععو يقععول‪:‬‬‫تعبد( فأخذ ابوبكر بيده‪ ،‬فقال‪ :‬حسبك اللععه‪ ،‬فخععرج ‪ε‬‬
‫ن الد ّب َُر{) (‪ ،‬وقد خفق النععبي ‪ ε‬خفقععة وهععو‬
‫‪2‬‬
‫معُ وَي ُوَّلو َ‬ ‫م ال ْ َ‬
‫ج ْ‬ ‫} َ‬
‫سي ُهَْز ُ‬
‫في العريش ثم انتبه فقال‪ :‬ابشر ياأبابكر أتاك نصر الله هذا جبريل‬
‫آخذ بعنان فرسه يقوده على ثنايععاه النقععع( يعنععي الغبععار‪ ،‬قععال‪ :‬ثععم‬
‫الى الناس فحرضهم)‪.(3‬‬ ‫خرج رسول الله ‪ε‬‬
‫وقد تعلم الصديق مععن هععذا الموقععف درسعا ً ربانيعا ً مهمعا ً فععي‬
‫التجرد النفسععي وحظهععا والخلععوص واللجععوء للععه وحععده والسععجود‬
‫والجثي بين يدي الله سبحانه لكي ينزل نصره وبقععى هععذا المشععهد‬
‫راسخا ً في ذاكرة الصديق وقلبععه ووجععدانه يقتععدي برسععول اللععه ‪ε‬‬
‫في تنفيذه في مثل هذه الساعات‪ ،‬وفي مثل هذه المواطن ويبقى‬

‫)( مسلم‪ ،‬كتاب الجهاد‪ ،‬باب المداد بالملئكة ببدر قم ‪.(3/1384 ) 1763‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬باب قصة بدر )‪ (5/6‬رقم ‪.3953‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪ (2/457‬نقل ً عن تاريخ الدعوة‪ ،‬ص ‪.125‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪80‬‬
‫هذا المشععهد درسعا ً لكععل قععائد أو حععاكم أو زعيععم أو فععرد يريععد أن‬
‫وصحابته الكرام‪.‬‬ ‫يقتدي بالنبي ‪ε‬‬
‫ولما اشتد أوار المعركة وحمى وطيسها نععزل رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫وحرض على القتال والناس على مصافهم يذكرون الله تعالى‪ ،‬وقد‬
‫بنفسه قتال ً شديد وكان بجانبه الصديق)‪ ،(1‬وقد ظهرت منه‬ ‫قاتل ‪ε‬‬
‫شجاعة وبسالة منقطعة النظير‪ ،‬وكان على اسععتعداد لمقاتلععة كععل‬
‫كافر عنيد ولو كععان أبنععه‪ ،‬وقععد شععارك ابنععه عبععدالرحمن فععي هععذه‬
‫المعركة مع المشركين‪ ،‬وكان مععن أشععجع الشععجعان بيععن العععرب‪،‬‬
‫ومن أنفذ الرماة سععهما ً فعي قريعش‪ ،‬فلمعا أسعلم قعال لبيعه‪ :‬لقعد‬
‫أهدفت لي )أي ظهرت أمامي كهدف واضح( يوم بدر‪ ،‬فملت عنععك‬
‫م ْ‬
‫ل عنك)‪.(2‬‬ ‫ولم اقتلك‪ .‬فقال له أبوبكر‪ :‬ولكنك لو أهدفت لي لم أ ِ‬
‫‪ -5‬الصديق والسرى‪:‬‬
‫قال ابن عباس ‪... :τ‬فلما أسروا السارى قال رسول الله ‪ε‬‬
‫لبي بكر وعمر‪) :‬ماترون في هؤلء السارى؟( فقال أبوبكر‪ :‬يععانبي‬
‫الله هم بنو العم والعشعيرة‪ :‬أرى أن تأخعذ منهعم فديعة فتكعون لنععا‬
‫قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم الى السلم‪ .‬فقععال رسععول‬
‫‪ :‬ماترى يابن الخطاب؟ قال‪ :‬ل والله يارسول‪ ،‬ماأرى الععذي‬ ‫الله ‪ε‬‬
‫يراه أبوبكر‪ ،‬ولكني أرى أن تمكننا منهم‪ ،‬فنضرب أعناقهم‪ ،‬فتمكعن‬
‫عليا ً من عقيل فيضععرب عنقععه‪ ،‬وتمكننععي مععن فلن )نسععيبا ً لعمععر(‬

‫)( البداية والنهاية )‪.(3/278‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ ،‬ص ‪.94‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-81-‬‬
‫فأضرب عنقه فإن هؤلء أئمة الكفر وصناديدها فهوى رسععول اللععه‬
‫الى ماقال أبوبكر ولعم يهعو معاقلت‪ :‬فلمعا كعان الغعد جئت فعإذا‬ ‫‪ε‬‬
‫وأبوبكر قاعدين يبكيان‪ ،‬قلت يارسععول اللععه أخععبرني‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫من أي شيء تبكي أنت وصاحبك‪ ،‬فإن وجدت بكععاء بكيععت وإن لععم‬
‫أجد بكاء تباكيت لبكائكما‪ .‬فقال رسول الله ‪ :ε‬أبكي للععذي عععرض‬
‫ي عذابهم أدنى مععن‬
‫ي أصحابك من أخذهم الفداء ولقد عرض عل ّ‬
‫عل ّ‬
‫هذه الشجرة ‪-‬شجرة قريبة من النبي ‪ -ε‬وأنزل الله عز وجل‪َ } :‬‬
‫ما‬
‫كون ل َ َ‬ ‫َ‬
‫م‬ ‫مععا غَن ِ ْ‬
‫مت ُع ْ‬ ‫سَرى‪ {.....‬الى قععوله }فَك ُل ُععوا ِ‬
‫م ّ‬ ‫هأ ْ‬‫ن يَ ُ َ ُ‬
‫يأ ْ‬‫ن ل ِن َب ِ ّ‬ ‫َ‬
‫كا َ‬
‫وفي روايععة عععن عبععدالله‬ ‫الغنيمة)‪(1‬‬ ‫حلل ط َي ًّبا‪ {.....‬فأحل الله لهم‬
‫َ‬
‫بععن مسعععود ‪ τ‬قععال‪ :‬لمععا كععان يععوم بععدر قععال رسععول اللععه ‪:ε‬‬
‫)ماتقولون في هؤلء السرى؟( فقال ابوبكر‪ :‬يارسول اللععه قومععك‬
‫وأهلك استبقهم واستأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم‪ .‬وقال عمععر‪:‬‬
‫يارسول اللععه أخرجععوك وكععذبوك قربهععم فاضععرب أعنععاقهم‪ .‬وقععال‬
‫عبدالله بن رواحة‪ :‬يارسول الله انظر واديا ً كثير الحطب‪ ،‬فععادخلهم‬
‫فيه ثم اضرم عليهم نعارًا‪ .‬فقعال العبعاس‪ :‬قطععت رحمعك‪ ،‬فعدخل‬
‫ولم يرد عليهم شيئًا‪ .‬فقععال نععاس‪ :‬يأخععذ بقععول ابععي‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫بكر‪ ،‬وقال ناس‪ :‬يأخذ بقول عمر‪ ،‬وقال ناس‪ :‬يأخععذ بقععول عبععدالله‬
‫فقال‪) :‬إن الله ليلين قلوب‬ ‫بن رواحة‪ ،‬فخرج عليهم رسول الله ‪ε‬‬
‫رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن وإن اللععه ليشععد قلععوب رجععال‬
‫فيه حتى تكون أشد من الحجارة‪ ،‬وإن مثلك ياأبابكر كمثععل عيسععى‬
‫)( مسلم‪ ،‬كتاب الجهاد والسير‪ ،‬رقم ‪.(3/1385 ) 1763‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪82‬‬
‫فْر ل َهُ ْ‬
‫م‬ ‫ن ت َغْ ِ‬ ‫ك وَإ ِ ْ‬ ‫عَباد ُ َ‬ ‫م ِ‬ ‫م فَإ ِن ّهُ ْ‬ ‫ن ت ُعَذ ّب ْهُ ْ‬‫عليه السلم إذ قال‪} :‬إ ِ ْ‬
‫فَإن َ َ‬
‫م{ )سععورة المععائدة‪ ،‬اليععة‪ (118:‬وإن‬ ‫كيع ُ‬ ‫ح ِ‬‫زيعُز ال ْ َ‬ ‫ت ال ْعَ ِ‬ ‫ك أن ْ َ‬ ‫ِّ‬
‫ب ل ت َعذ َْر ع َل َععى‬ ‫ح َر ّ‬ ‫ل ن ُععو ٌ‬ ‫مثلك ياعمر كمثل نععوح إذ قععال‪} :‬وََقا َ‬
‫ن د َّياًرا{ )سورة نوح‪ ،‬الية ‪.(26‬‬ ‫ن ال ْ َ‬ ‫َ‬
‫ري َ‬‫كافِ ِ‬ ‫م َ‬‫ض ِ‬ ‫الْر ِ‬
‫ك‬‫سععى َرب ّن َععا إ ِن ّع َ‬ ‫مو َ‬ ‫ل ُ‬ ‫وإن مثلك كمثل موسى إذ قال‪} :‬وََقا َ‬
‫َءاتيت فرع َون ومل َه زينع ً َ‬
‫حي َععاةِ العد ّن َْيا َرب َّنعا‬ ‫وال فِععي ال ْ َ‬ ‫مع َ‬ ‫ة وَأ ْ‬ ‫َْ َ ِ ْ ْ َ َ َ ُ ِ َ‬
‫شد ُد ْ ع ََلععى‬ ‫َ‬
‫م َوا ْ‬ ‫وال ِهِ ْ‬‫م َ‬ ‫س ع ََلى أ ْ‬ ‫م ْ‬ ‫ك َرب َّنا اط ْ ِ‬ ‫سِبيل ِ َ‬ ‫ن َ‬ ‫ضّلوا ع َ ْ‬ ‫ل ِي ُ ِ‬
‫َ‬ ‫حّتى ي ََرُوا ال ْعَ َ‬
‫م{ )سععورة يععونس‪،‬‬ ‫ب الِلي َ‬ ‫ذا َ‬ ‫مُنوا َ‬ ‫م َفل ي ُؤ ْ ِ‬ ‫قُُلوب ِهِ ْ‬
‫إذ استشار أصحابه أول من يتكلم أبوبكر‬ ‫الية ‪ .( )(88‬كان النبي ‪ε‬‬ ‫‪1‬‬

‫في الشورى‪ ،‬وربما تلكم غيععره‪ ،‬وربمععا لمععن يتكلععم غيععره‪ ،‬فيعمععل‬
‫برأيه وحده‪ ،‬فإذا خالفه غيره ابتع رأيه دون رأي من يخالفه)‪.(2‬‬
‫ثانيًا‪ :‬في أحد وحمراء السد‪:‬‬
‫في يوم أحد تلقى المسلمون درسعا ً صعععبًا‪ ،‬فقععد تفرقععوا مععن‬
‫حععول النععبي ‪ ،ε‬وتبعععثر الصععحابة فععي أرجععاء الميععدان‪ ،‬وشععاع أن‬
‫قتععل وكععان رد الفعععل علععى الصععحابة متباينععًا‪ ،‬وكععان‬ ‫الرسععول ‪ε‬‬
‫الميدان فسععيحا ً وكععل مشععغول بنفسععه‪ ،‬وشععق الصععديق الصععفوف‬
‫وكان اول من وصل الى رسول الله ‪ ،ε‬واجتمععع الععى رسععول اللععه‬
‫أبوبكر‪ ،‬وأبوعبيدة بن الجراح‪ ،‬وعلععي‪ ،‬وطلحععة والزبيععر‪ ،‬وعمععر بععن‬
‫الخطاب والحارث بن الصمة‪ ،‬وأبودجانععة‪ ،‬وسعععد بععن ابععي وقععاص‪،‬‬

‫)( مسند أحمد )‪(1/373‬؛ تفسير ابن كثير )‪.(2/325‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( ابوبكر الصديق‪ ،‬محمد مال الله‪ ،‬ص ‪.335‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-83-‬‬
‫الشعب من‬ ‫وغيرهم‪ ....‬رضي الله عنهم وقصدوا مع رسول الله ‪ε‬‬
‫جبل أحد في محاولة لسترداد قوتهم المادية والمعنوية)‪.(1‬‬
‫وكان الصديق إذا ذكر أحد قال‪ :‬ذلك يوم كله لطلحة ثم أنشععأ‬
‫يحدث قال‪ :‬كنت أول مععن فععاء يععوم أحععد‪ ،‬فرأيععت رجل ً يقاتععل فععي‬
‫سبيل الله دونه‪ ،‬قال قلت‪ :‬كن طلحة حيث فععاتني مافععاتني‪ ،‬وكععان‬
‫بيني وبين المشركين رجل ل أعرفه‪ ،‬وأنا أقرب الى رسول اللعه ‪ε‬‬
‫منه‪ ،‬وهععو يخطلععف المشععي خطف عا ً ل أخطفععه فععإذا هععو أبوعبيععدة‪،‬‬
‫وقد كسرت ربععاعيته وشععج وجهععه‪ ،‬وقععد‬ ‫فانتهينا الى رسول الله ‪ε‬‬
‫دخل في وجنتيه حلقتعان معن حلعق المغفعر‪ ،‬قعال رسعول اللعه ‪:ε‬‬
‫عليكما صاحبكما‪ :‬يريد طلحة وقد نزف فلم نلتفت الى قوله‪ ،‬قال‪:‬‬
‫ذهبت لنزع مععن وجهععه‪ ،‬فقععال أبوعبيععدة أقسععم عليععك بحقععي لمععا‬
‫فأرزم عليه بفيه‬ ‫تركتني فتركته فكره تناولها فيؤذي رسول الله ‪ε‬‬
‫فاستخرج إحدى الحلقتين ووقعت ثنيته الخععرى مععع الحلقععة فكععان‬
‫أبوعبيدة من أحسن الناس هتمًا‪...‬فأصلحنا من شأن رسول الله ‪ε‬‬
‫ثم أتينا طلحة في بعض تلك الحفار فإذا به بضع وسبعون مععن بيععن‬
‫طعنة ورمية‪ ،‬وضربة‪ ،‬وإذا قد قطعت إصبعه فأصلحنا من شأنه)‪.(2‬‬
‫وتتضح منزلة الصديق في هذه الغزوة من موقف أبي سععفيان‬
‫عندما سأل وقال‪ :‬أفي القوم محمد؟ ثلث مرات‪ .‬فنهاهم النبي ‪ε‬‬
‫أن يجيبوه‪ .‬ثم قال‪ :‬أفي القوم أبعن أبعي قحافعة؟ ثلث معرات‪ .‬ثعم‬

‫)( مواقف الصديق مع النبي في المدينة‪ ،‬د‪ .‬عاطف لماضة‪ ،‬ص ‪.27‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( منحة المعبود )‪ (2/19‬نقل ً عن تاريخ الدعوة السلمية‪ ،‬ص ‪.130‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪84‬‬
‫قال‪ :‬أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلث مععرات ثععم رجعع العى أصعحابه‬
‫فقال‪ :‬أما هؤلء فقد قتلوا)‪ ...(1‬فهععذا يععدل علععى ظععن أبععي سععفيان‬
‫زعيم المشركين حينئذ بأن أعمدة السلم‪ ،‬وأساسه رسول الله ‪ε‬‬
‫وابوبكر وعمر)‪.(2‬‬
‫وعنعععدما حعععاول المشعععركون أن يقبضعععوا علعععى المسعععلمين‬
‫ويستأصععلوا شععفأتهم‪ ،‬كععان التخطيععط النبععوي الكريععم قععد سععبقهم‬
‫المسععلمين مععع مععابهم مععن‬ ‫وأبطععل كيععدهم‪ ،‬وأمععر رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫جراحات وقرح شديد للخروج في إثععر المشععركين‪ ،‬فأسععتجابوا للععه‬
‫ولرسوله مع مابهم من البلء وانطلقوا فعن عائشة رضي الله عنها‬
‫جاُبوا ل ِل ّعهِ‬
‫س عت َ َ‬
‫نا ْ‬ ‫قالت لعروة بن الزبير في قععوله تعععالى‪} :‬ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫قرح ل ِل ّعذي َ‬ ‫َ‬
‫م‬
‫من ْهُ ع ْ‬
‫س عُنوا ِ‬ ‫ح َ‬ ‫نأ ْ‬‫ِ َ‬ ‫م ال ْ َ ْ ُ‬
‫صاب َهُ ُ‬
‫ما أ َ‬
‫ن ب َعْد ِ َ‬
‫م ْ‬
‫ل ِ‬‫سو ِ‬ ‫َوالّر ُ‬
‫م{ )سورة آل عمران‪ ،‬الية‪ :(172 :‬ياأبن أختي‬ ‫َ‬
‫ظي ٌ‬‫جٌر ع َ ِ‬‫وا أ ْ‬
‫ق ْ‬
‫َوات ّ َ‬
‫ماأصععاب‬ ‫كان أبواك منهم‪ :‬الزبير وأبوبكر لما أصاب رسول الله ‪ε‬‬
‫يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا قال‪ :‬من يذهب‬
‫فععي إثرهععم؟( فانتععدب منهععم سععبعون رج ً‬
‫ل‪ :‬كععان فيهععم أبععوبكر‬
‫والزبير)‪.(3‬‬
‫ثالثًا‪ :‬في غزوة بنعي النضععير‪ ،‬وبنععي المصععطلق وفعي الخنععدق‬
‫وبني قريظة‪:‬‬
‫الى بني النضير يسععتعينهم فعي ديعة القععتيلين‬ ‫أ‪ -‬خرج النبي ‪ε‬‬
‫)( الفتح )‪ ،(6/188‬الفتح )‪.(7/405‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( مواقف الصديق مع النبي في المدينة‪ ،‬د‪ .‬عاطف لماضة‪ ،‬ص ‪.28‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( مسلم رقم ‪.2418‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-85-‬‬
‫اللذين قتلهما عمرو بن أمية من بني عععامر علععى وجععه الخطععأ لن‬
‫عمرا ً لم يعلم بالعهد الذي بين بني عامر وبين النبي ‪ ،ε‬وكععان بيععن‬
‫قالوا‪ :‬نعععم‬ ‫بني النضير وبني عامر حلف وعهد‪ ،‬فلما آتاهم النبي ‪ε‬‬
‫ياأبا القاسم نعينك على مععاأحببت‪ ،‬ثععم خل بعضععهم ببعععض فقععالوا‪:‬‬
‫إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه‪ ،‬ورسول الله الععى جنععب‬
‫جدار من بيوتهم قاعد‪ .‬قالوا‪ :‬فمعن يعلعوا علعى هعذا العبيت فيلقعي‬
‫عليه صخرة فيريحنا منه فانتدب لذلك عمرو بن جحععاش بععن كعععب‬
‫فقال‪ :‬أنا لذلك‪ ،‬فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال‪ ،‬ورسول الله ‪ε‬‬
‫في نفر من أصحابه فيهم أبوبكر وعمر وعلي فأتى رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫الخبر من السماء بما أراد القعوم فقعام وخعرج العى المدينعة‪ ،‬فلمععا‬
‫أصعحابه قععالوا فعي طلبععه فععرأوا رجل ً مقبل ً مععن‬ ‫اسععتلبت النععبي ‪ε‬‬
‫المدينة فسألوه عنععه فقععال‪ :‬رأيتععه داخل ً المدينععة‪ .‬فأقبععل أصععحاب‬
‫حتى انتهوا إليه فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من‬ ‫النبي ‪ε‬‬
‫الغدر به‪.‬‬
‫محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جععواره‬ ‫فبعث النبي ‪ε‬‬
‫وبلده‪ ،‬فبعث إليهم أهل النفاق يحرضونهم علععى المقععام ويعععدونهم‬
‫بالنصر‪ ،‬فقويت نفوسهم وحمى حيي بن أخطب وبعثوا الى رسععول‬
‫أنه ليخرجون‪ ،‬ونابذوه بنقض العهد فعنععد ذلععك أمععر رسععول‬ ‫الله ‪ε‬‬
‫اللععه ‪ ε‬النععاس بععالخروج إليهععم فحاصععروهم خمععس عشععرة ليلععة‬
‫فتحصنوا في الحصون فأمر رسول الله ‪ ε‬بقطع النخيل والتحريق‪،‬‬

‫‪86‬‬
‫ثم أجلهععم علععى أن لهععم مععاحملت البععل مععن أمععوالهم إل الحلقععة‬
‫فنزلت سورة الحشر)‪.(1‬‬
‫ب‪-‬بني المصطلق‪:‬‬
‫أراد بنو المصطلق أن يغزو المدينة‪ ،‬فخععرج لهععم رسععول اللععه‬
‫في أصحابه فلما انتهى إليهم دفععع رايععة المهععاجرين إلععى أبععي بكععر‬
‫الصديق‪ ،‬ويقال إلى عمار بععن ياسععر ورايععة النصععار إلععى سعععد بععن‬
‫عبادة‪ .‬ثم أمر عمر بن الخطاب فنادى في النععاس أن قولععوا ل إلععه‬
‫إل الله تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم فأبوا‪ ،‬فتراموا بالنبععل ثععم أمععر‬
‫المسلمين فحملوا حملة رجل واحد فما أفلت منهععم‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫رجل واحعد‪ ،‬وقتععل منهععم عشععرة وأسععر سععائرهم‪ ،‬ولععم يقتععل مععن‬
‫المسلمين سوى رجل واحد)‪.(2‬‬
‫جع‪-‬في الخندق وبني قريظة‪:‬‬
‫كان الصديق في الغزوتين مرافقا ً للنبي ‪ ،ε‬وكان يوم الخندق‬
‫يحمل التراب في ثيابه وساهم مع الصحابة للسراع في انجاز حفر‬
‫الخندق في زمن قياسي مما جعل فكرة الخندق تصيب هدفها فععي‬
‫مواجهة المشركين)‪.(3‬‬
‫رابعًا‪ :‬في الحديبية‪:‬‬
‫في ذي القعدة سنة ست من الهجرة يريد‬ ‫خرج رسول الله ‪ε‬‬
‫)( البخععاري‪ ،‬كتععاب المغععازي‪ ،‬بععاب حععديث بنععي النضععير )‪(5/217‬؛ مغععازي الواقععدي )‬ ‫‪1‬‬
‫‪(1/363‬؛ البداية والنهاية )‪.(4/86‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(4/157‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( مواقف الصديق مع النبي في المدينة‪ ،‬ص ‪.32‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-87-‬‬
‫زيارة البيت الحرام في كوكبة من الصحابة عددها أربع عشرة مائة‬
‫وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس مععن حربععه‪ ،‬وليعلععم‬
‫الناس أنه إنما خرج زائر لتعظيم بيت الله الحععرام فبعععث النععبي ‪ε‬‬
‫عينا ً له من خزاعة فعاد بالخبر أن أهل مكة جمعوا جموعهم لصععده‬
‫ي أيهععا النععاس‪ ،‬فقععال أبععو بكععر ‪τ‬‬
‫عععن الكعبععة فقععال‪ :‬أشععيروا عل ع ّ‬
‫يارسول الله خرجت عامدا ً لهعذا العبيت لتريعد حربعه أو قتعل أحعد‪،‬‬
‫فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه‪ ،‬قال امضوا على اسم اللععه‪ ،‬وقععد‬
‫ثارت ثائرة قريش وحلفعوا أن ليعدخل الرسععول ‪ε‬‬
‫مكععة عنععوة ثععم‬
‫قامت المفاوضات بين أهل مكة ورسول الله ‪ ε‬وقد عزم النبي ‪ε‬‬
‫على إجابة أهل مكة على طلبهم إن أرادوا شيئا ً فيه صلة رحم)‪.(1‬‬
‫أ‪-‬في المفاوضات‪:‬‬
‫وكان أول من أتى بديل‬ ‫جاءت وفود قريش لمفاوضة النبي ‪ε‬‬
‫والمسعلمين رجعع‬ ‫بن ورقاء من خزاعة فلما علم بمقصعد النععبي ‪ε‬‬
‫إلى أهل مكة ثم جاء مكرز بن حفص ثم بععالحليس بععن علقمععة ثععم‬
‫وعععروة بععن‬ ‫عروة بن مسعود الثقفي فدار هذا الحوار بين النبي ‪ε‬‬
‫وبعععض‬ ‫مسعععود الثقفععي واشععترك فععي هععذا الحععوار أبععو بكععر ‪τ‬‬
‫أصحابه)‪.(2‬‬
‫قال عروة‪ :‬يامحمد أجمعت أوباش الناس ثععم جئت بهععم إلععى‬
‫بيضععتك لتفضععها بهععم؟ إنهععا قريععش قععد خرجععت معهععا )العععوذ‬

‫)( تاريخ الدعوة الى السلم‪ ،‬ص ‪.136‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.137‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪88‬‬
‫المطافيل(‪ -‬أي خرجت رجال ً ونساًء صغارا ً وكبارًا‪ -‬قد لبسوا جلععود‬
‫النمور يعاهدون الله أل تدخلها عليهم عنوة وايم الله لكععأني بهععؤلء‬
‫قد انكشفوا عنك!!‬ ‫يقصد أصحاب النبي ‪ε‬‬
‫اللت ‪-‬وهي صنم ثقيععف‪ -‬أنحععن‬ ‫بظر)‪(1‬‬ ‫فقال أبو بكر‪ :‬أمصص‬
‫فقال مععن ذا؟ قععالوا أبععو بكععر‪ .‬قععال‪ :‬أمععا والععذي‬ ‫وندعه؟)‪(2‬‬ ‫نفّرعنه‬
‫نفسي بيده لول يد كانت لك عنععدي لععم أجععزك بهععا لجبتععك‪ .‬وكععان‬
‫الصديق قد أحسن إليه قبل ذلك‪ ،‬فرععى حرمتعه ولعم يجعاوبه ععن‬
‫هذه الكلمة ولهذا قال من قال من العلماء‪ :‬إن هذا يدل على جععواز‬
‫التصععريح باسععم العععورة للحاجععة والمصععلحة‪ ،‬وليععس مععن الفحععش‬
‫المنهي عنه)‪.(3‬‬
‫لقععد حععاول عععروة بععن مسعععود أن يشععن حرب عا ً نفسععية علععى‬
‫المسععلمين حععتى يهزمهععم معنوي عًا‪ ،‬ولععذلك لععوح بقععوة المسععلمين‬
‫العسكرية‪ ،‬معتمدا ً على المبالغة في تصوير الموقععف بععأنه سععيؤول‬
‫لصالح قريش لمحالة وحاول أن يوقع الفتنة والرباك فععي صععفوف‬
‫المسلمين وذلك حينمععا حععاول إضعععاف الثقععة بيععن القععائد وجنععوده‬
‫أشعوابا ً معن النعاس خليقعا ً أن يفعروا ويعدعوك‪،‬‬ ‫عندما قال النبي ‪ε‬‬
‫وكان رد الصديق صارما ً ومؤثرا ً في معنويات عروة ونفسيته‪ ،‬فقععد‬
‫كان موقف الصديق في غاية العزة اليمانيععة الععتي قععال اللععه فيهععا‬

‫)( البظر‪ :‬ماتقطعه الخاتنة من بضع المرأة عند ختانها‪.‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الشروط في الجهاد )‪ (3/237‬رقم ‪.2732‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( ابوبكر الصديق‪ ،‬محمد مال الله‪ ،‬ص ‪.350‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-89-‬‬
‫َ‬
‫ن{ )آل عمران‪،‬‬ ‫مؤْ ِ‬
‫مِني َ‬ ‫ن ك ُن ْت ُ ْ‬
‫م ُ‬ ‫م ال َعْل َوْ َ‬
‫ن إِ ْ‬ ‫}َول ت َهُِنوا َول ت َ ْ‬
‫حَزُنوا وَأن ْت ُ ُ‬
‫آية‪.(139:‬‬
‫ب‪-‬موقفه من الصلح‪:‬‬
‫إلععى الصععلح بقيععادة‬ ‫ولما توصل المشركون مع رسول الله ‪ε‬‬
‫سهيل بن عمرو أصغى الصديق إلى مععاوافق عليععه رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫من طلب المشركين رغم ماقععد يظهععر للمععرء أن فععي هععذا الصععلح‬
‫بعض التجاوز أو الجحعاف بالمسعلمين وسعار علعى هعدي النعبي ‪ε‬‬
‫ليقينه بأن النبي لينطق عن الهوى‪ ،‬وأنه فعل ذلععك لشععيء أطلعععه‬
‫الله عليه)‪.(1‬‬
‫وقد ذكر المؤرخععون أن عمععر بعن الخطععاب أتعى رسععول اللعه‬
‫معلنععا ً معارضععته لهععذه التفاقيععة وقععال لرسععول اللععه ‪ : ε‬ألسععت‬
‫برسول الله؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ :‬أولسنا بالمسلمين؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬قععال‪:‬‬
‫أوليسوا بالمشركين؟ قال‪ :‬بلى قال‪ :‬فعلم نعطي الدنية في ديننا؟‬
‫قال‪ :‬إني رسول الله ولسععت أعصععيه)‪ ،(2‬وفععي روايععة‪ :‬أنععا عبععدالله‬
‫ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني)‪ ،(3‬قلت أوليس كنعت تحعدثنا‬
‫أنا سنأتي العبيت فنطعوف بعه؟ قعال بلعى‪ ،‬فأخبرتعك أنعا نعأتيه هعذا‬
‫العام؟ قلت ل‪ ،‬قال فإنك آتيه ومطوف به قال عمر‪ :‬فأتيت أبا بكر‬
‫فقلت له‪ :‬يا أبا بكر‪ :‬أليس برسول الله‪ :‬قععال‪ :‬بلععى‪ ،‬قععال‪ :‬أولسععنا‬
‫بالمسلمين؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ :‬أوليسوا بالمشركين؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪:‬‬

‫)( تاريخ الدعوة الى السلم‪ ،‬ص ‪.138‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(3/346‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪(3/346‬؛ تاريخ الطبري ) ‪.(2/364‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪90‬‬
‫فعلم نعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكععر‪ -‬ناصععحا ً الفععاروق بععأن‬
‫يترك الحتجاج والمعارضة ‪ -‬إلععزم غععرزه‪ ،‬فععإني أشععهد أنععه رسععول‬
‫الله‪ ،‬وأن الحق ما أمر به‪ ،‬ولن نخالف أمر الله ولن يضّيعه اللععه)‪،(1‬‬
‫وكان جواب الصديق مثل جواب رسول الله ‪ε‬‬
‫ولععم يكععن أبععو بكععر‬
‫يسمع جواب النبي ‪ ،ε‬فكان أبو بكر ‪ τ‬أكمل موافقة لله وللنبي ‪ε‬‬
‫دث‪ ،‬ولكن مرتبة الصععديق فععوق مرتبععة‬ ‫من عمر مع أن عمر ‪ُ τ‬‬
‫مح ّ‬
‫المحدث‪ ،‬لن الصديق يتلقى عن الرسععول المعصععوم كععل مععايقوله‬
‫ويفعله)‪.(2‬‬
‫وقد تحدث الصديق فيما بعد عن هذا الفتح العظيععم الععذي تععم‬
‫فععي الحديبيععة فقععال‪ :‬ماكععان فتععح أعظععم فععي السععلم مععن فتععح‬

‫الحديبية‪ ،‬ولكن الناس يومئذ قَ ُ‬


‫صَر رأيهم عما كان بين محمد ورب ّععه‪،‬‬
‫جلون‪،‬والله ليعجل كعجلة العباد حتى يبلغ المور ما أراد‪،‬‬
‫والعباد ي َعْ َ‬
‫جة الوداع قائما ً عند المنحععر‬
‫ح ّ‬
‫سهيل بن عمرو في َ‬
‫لقد نظرت إلى ُ‬
‫ينحرهععا بيععده‪ ،‬ودعععا‬ ‫ي ُّقرب إلى رسول الله ‪ ε‬ب ََدنًة‪ ،‬ورسول الله ‪ε‬‬
‫الح ّ‬
‫لق فحلق رأسه‪ ،‬وانظر إلععى سععهيل يلتقععط مععن شعععره‪ ،‬وأراه‬
‫قعّر يععوم الحديبيععة بععأن يكتععب‪:‬‬
‫يضعه على عينععه‪ ،‬وأذكععر إبععاءه أن ي ُ ِ‬
‫)بسم الله الرحمن الرحيم( ويععأبى اللععه أن يكتععب‪ :‬محمععد رسععول‬
‫فحمدت الله الذي هداه للسلم)‪.(3‬‬ ‫الله ‪ε‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(3/346‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( الفتاوى لبن تيمية )‪.(11/117‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( كنز العمال )‪ (30136‬نقل ً عن خطب أبعي بكعر الصعديق‪ ،‬محمعد أحمععد عاشععور‪ ،‬ص‬ ‫‪3‬‬
‫‪.117‬‬

‫‪-91-‬‬
‫سد ّ الصحابة رأيا ً وأكملهم عقل ً)‪.(1‬‬
‫أ َ‬ ‫لقد كان الصديق ‪τ‬‬
‫خامسًا‪ :‬في غزوة خيبر‪ ،‬وسرية نجد وبني فزازة‪:‬‬
‫ضرب رسول الله ‪ε‬‬
‫حصارا ً على خيبر واستعد لقتالهم‪ ،‬فكان‬
‫أول قائد يرسله ‪ ε‬أبا بكر ‪ τ‬إلى بعض حصون خيبر فقاتل ثم رجع‬
‫ولم يكن فتح‪ ،‬وقد جهد‪ ،‬ثم بعث عمر فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح‪،‬‬
‫ثم قال لعطين الراية غدا ً رجل ً يحب الله ورسوله‪ ،‬فكان علي بععن‬
‫بقطع النخيععل حععتى‬ ‫أبي طالب ‪ ،( )τ‬وأشار بعض أصحاب النبي ‪ε‬‬ ‫‪2‬‬

‫يثخن في اليهود ورضععي النععبي ‪ ε‬بععذلك‪ ،‬فأسععرع المسععلمون فععي‬


‫قطعة‪ ،‬فذهب الصديق إلى النبي ‪ ε‬وأشار عليه بعدم قطع النخيععل‬
‫لما في ذلك من الخسارة للمسلمين سععواء فتحععت خيععبر عنععوة أو‬
‫مشورة الصديق ونادى بالمسلمين بالكف عن‬ ‫صلحا ً فقبل النبي ‪ε‬‬
‫قطع النخيل فرفعوا أيديهم)‪.(3‬‬
‫ب‪-‬في نجد‪:‬‬
‫أخرج ابن سعد عن إياس بن سلمة عن أبيه قال‪ :‬بعث رسول‬
‫أبا بكر إلى نجد وأمره علينا فبيتنا ناسا ً مععن هععوازن فقتلععت‬ ‫الله ‪ε‬‬
‫ت)‪.(4‬‬
‫م ْ‬
‫تأ ِ‬
‫م ْ‬
‫بيدي سبعة أهل أبيات‪ ،‬وكان شعارنا أ ِ‬
‫جع‪-‬في بني فزارة‪:‬‬
‫روى المام أحمد من طريق إياس بن سلمة عن أبيععه حععدثني‬

‫)( تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ ،‬ص ‪.61‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( فتوح البلدان )‪.(1/26‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( المغازي للواقدي )‪.(2/644‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( الطبقات الكبرى )‪(1/124‬؛ ابوداود‪ ،‬كتاب الجهاد‪ ،‬باب في البيات )‪.(3/43‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪92‬‬
‫علينععا‪،‬‬ ‫أبي قال‪ :‬خرجنا مع أبي بكر بن أبي قحافة وأمععره النععبي ‪ε‬‬
‫فغزونا بني فزازة‪ ،‬فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرسنا‪ ،‬فلما‬
‫صلينا الصبح أمرنا أبو بكر فشننا الغارة فقتلنا على المععاء مععن مععر‬
‫قبلنا قال سلمة ثم نظرت إلى عنق من الناس فيه الذرية والنسععاء‬
‫نحو الجبل فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل‪ .‬قال‪ :‬فجئت بهععم‬
‫أسوقهم إلى أبي بكر حععتى أتيتععه علععى المععاء وفيهععم امععرأة عليهععا‬
‫قشع من أدم ومعها ابنة لها مععن أحسععن العععرب قععال فنفلنععي أبععو‬
‫بكر‪ ،‬فما كشفت لها ثوبا ً حتى قدمت المدينة ثعم بعت فلعم أكشعف‬
‫في السوق فقال لي‪ :‬يا سععلمة‬ ‫لها ثوبًا‪ ،‬قال فلقيني رسول الله ‪ε‬‬
‫هععب لععي المععرأة قععال‪ :‬فقلععت واللععه يارسععول اللععه لقععد أعجبتنععي‬
‫وماكشفت لها ثوبًا‪ ،‬قال فسكت رسول الله‪ ،‬وتركني حتى إذا كععان‬
‫من الغد لقيني رسول الله في السوق فقال لي‪ :‬ياسلمة هععب لععي‬
‫المرأة قال‪ :‬فقلت والله يارسول الله والله ماكشفت لها ثوبا وهي‬
‫لك يارسول الله‪ ،‬قال فبعث بها رسول اللععه إلععى أهععل مكععة وفععي‬
‫أيديهم أسارى من المسلمين ففداهم رسول الله بتلك المرأة)‪.(1‬‬
‫سادسًا‪ :‬في عمرة القضاء وفي ذات السلسل‪:‬‬
‫أ‪-‬في عمرة القضاء‪:‬‬
‫ضمن المسلمين الذين ذهبوا مع رسععول اللععه‬ ‫كان الصديق ‪τ‬‬
‫ليعتمروا عمرة القضاء مكان عمرتهم الععتي صععدهم المشععركون‬ ‫‪ε‬‬
‫عنها)‪.(2‬‬

‫)( احمد )‪(4/430‬؛ الطبقات )‪.(4/164‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( تاريخ الدعوة السلمية‪ ،‬ص ‪.142‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-93-‬‬
‫ب‪-‬في سرية ذات السلسل‪:‬‬
‫عمرو بععن‬ ‫قال رافع بن عمرو الطائي ‪ : τ‬بعث رسول الله ‪ε‬‬
‫العاص على جيش ذات السلسل)‪ ،(1‬وبعث معه فععي ذلععك الجيععش‬
‫سَراة)‪ (2‬أصحابه‪ ،‬فععانطلقوا حععتى‬
‫أبا بكر وعمر‪ ،‬رضي الله عنهما‪ ،‬و َ‬
‫ي‪ ،‬فقال عمععرو‪ :‬انظععروا إلععى رجععل دليععل بععالطريق‪،‬‬ ‫نزلوا جبل ط َ ّ‬
‫فقالوا‪ :‬مانعلمه إل رافع بن عمرو‪ ،‬فإنه كان َربيل ً)‪ (3‬فععي الجاهليععة‪.‬‬
‫قال رافع‪ :‬فلما قضينا غََزاتنا وانتهيت إلى المكان الذي كنععا خرجنععا‬
‫سمت أبا بكر ‪ ،τ‬وكانت له عباءة فدكية)‪ ،(4‬فإذا ركب َ‬
‫خّلهععا‬ ‫منه‪ ،‬تو ّ‬
‫عليه بخلل)‪ ،(5‬وإذا نزل بسطها فأتيته فقلت‪ :‬ياصاحب ال ِ‬
‫خلل‪ ،‬إني‬
‫توسمتك من بين أصحابك‪ ،‬فائتني بشعيء إذا حفظتعه كنعت مثلكعم‬
‫ى‪ .‬فقال‪ :‬تحفظ أصابعك الخمس؟ قلت‪ :‬نعم‪،‬‬ ‫ي فأْنس َ‬‫ول عل ّ‬‫ول تط ّ‬
‫قال‪ :‬تشععهد أن ل إلععه إل اللععه وأن محمععدا ً عبععده ورسععوله‪ ،‬وتقيععم‬
‫الصلوات الخمس وتؤتي زكاة مالك إن كان لك مال‪ ،‬وتحج الععبيت‪،‬‬
‫ن‬
‫مَر ّ‬
‫وتصوم رمضان‪ :‬هل حفظععت؟ قلععت نعععم‪ ،‬قععال‪ :‬وأخععرى لت ُععؤ ّ‬
‫در)‪ .(6‬فقععال‪:‬‬
‫مع َ‬
‫على اثنين قلت‪ :‬وهل تكون المرة إل فيكم أهععل ال َ‬
‫يوشك أن تفشو حتى تبلغك ومن هعو دونعك‪ ،‬إن اللعه عزوجعل لمعا‬
‫دخل الناس في السلم‪ ،‬فمنهم معن دخعل للععه فهعداه‬ ‫بعث نبيه ‪ε‬‬
‫واد اللعه وجيعران اللعه‬
‫سععيف‪ ،‬فكلهعم عُع ّ‬
‫الله‪ ،‬ومنهم معن أكرهعه ال ّ‬
‫ذات السلسل‪ :‬مكان وراء وادي القرس وبينها وبين المدينة عشرة أيام‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬
‫شرفاء‪ :‬اصحابه‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫الربيل‪ :‬اللص يغزو وحده ويغير على غيره‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫منسوبة الى فدك‪ ،‬وهي قرية من خيبر‪ ،‬بينها وبين المدينة ست ليال‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫خّلها عليه أي جمع بين طرفيها بخلل من عود أو حديد‪.‬‬
‫َ‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬
‫المدر‪ :‬الطين اللزج المتماسك والمعقود سكان البيوت المبنية‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬
‫‪94‬‬
‫فارةُ)‪ (1‬الله‪ ،‬إن الرجل إذا كان أميرًا‪ ،‬فتظالم الناس بينهععم فلععم‬
‫خ َ‬
‫و َ‬
‫يأخذ لبعضهم من بعض انتقم الله منه‪ ،‬إن الرجل منكم لتؤخذ شاة‬
‫جاره فيظل َناتئ)‪ (2‬عضلته غضبا ً لجاره والله من وراء جاره)‪.(3‬‬
‫ففععي هععذه النصععيحة دروس وعععبر لبنععاء المسععلمين يقععدمها‬
‫الصحابي الجليل أبو بكر الصديق الذي تربى على السلم وعلى يد‬
‫من أهمها‪:‬‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫‪-1‬أهمية العبادات‪ :‬الصلة لنها عماد الدين‪ ،‬والزكععاة والصععوم‬
‫والحج‪.‬‬
‫‪-2‬عععدم طلععب المععارة )ولتكععونن أميععرًا( تمام عا ً كمععا أوصععى‬
‫رسول الله ‪ ،ε‬أبا ذر الغفاري )وإنها أمانة وإنها يعوم القيامعة خععزي‬
‫وندامة‪ ،‬إل من أخذها بحقها()‪ (4‬ولذلك فإن أبا بكععر الفععاهم الععواعي‬
‫جاء في رواية‪ :‬وأنه من يك أميرا ً فإنه أطععول‬ ‫لكلم حبيبه محمد ‪ε‬‬
‫الناس حسابًا‪ ،‬وأغلظهم عذابًا‪ ،‬ومععن ليكععن أميععرا ً فععإنه مععن أيسععر‬
‫الناس حسابًا‪ ،‬وأهونهم عذابا ً)‪ ،(5‬فهذا فهم الصديق لمقام المارة‪.‬‬
‫‪-3‬إن الله حرم الظلم على نفسه‪ ،‬ونهى عبععاده أن يتظععالموا‪،‬‬
‫أن يظلم بعضهم بعضا‪ ،‬لن الظلم ظلمات يوم القيامععة‪ ،‬كمععا نهععى‬

‫)( الخفارة‪ :‬الذمة والعهد والمان‪.‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( الناتئ‪ :‬المرتفع والمنتفخ‪.‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( العضلة‪ :‬هي القطعة من اللحم الشديد‪ .‬انظر‪ :‬مجمع الزوائد )‪.(5/202‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( مسلم‪ ،‬كتاب المارة رقم ‪.1825‬‬ ‫‪4‬‬
‫)( استخلف أبي بكر الصديق‪ ،‬جمال عبدالهادي‪ ،‬ص ‪.139‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪-95-‬‬
‫عن ظلم المؤمنين)من آذى لي وليعا ً فقعد آذنتعه بعالحرب()‪ ،(1‬وهعم‬
‫جيران الله‪ ،‬وهم عواذ الله‪ ،‬والله أحق أن يغضب لجيرانه)‪.(2‬‬
‫‪-4‬على عهد الصدر الول كان أمراء المة خيارها‪ ،‬وجاء وقععت‬
‫فشاء أمرها )المارة( وكثرت حععتى نالهعا معن ليععس لهعا بأهععل‪ :‬إن‬
‫هذه المارة ليسيرة‪ ،‬وقد أوشكت أن تفشوا حتى ينالها مععن ليععس‬
‫لها بأهل)‪.(3‬‬
‫‪-5‬وفي غزوة ذات السلسل ظهر موقف متميز للصععديق فععي‬
‫احترام المراء مما يثبت أن أبا بكر كان صاحب نفس تنطوي علععى‬
‫قعععوة هائلعععة‪ ،‬وقعععدرة متميعععزة فعععي بنعععاء الرجعععال‪ ،‬وتقعععديرهم‬
‫واحترامهم) (‪ ،‬فعن عبعدالله بعن بريعدة قعال‪ :‬بععث رسعول اللعه ‪ε‬‬ ‫‪4‬‬

‫عمرو بن العاص في غزوة ذات السلسععل وفيهععم أبععو بكععر وعمععر‬


‫رضي الله عنهما فلما انتهوا إلععى مكععان الحععرب أمرهععم عمععرو أن‬
‫لينوروا نارًا‪ ،‬فغضب عمر وهم أن يأتيه‪ ،‬فنهاه أبو بكر‪ ،‬وأخععبره أن‬
‫لم يستعمله عليععك إل لعلمععه بععالحرب فهعدأ عنععه عمععر‬ ‫الرسول ‪ε‬‬
‫‪.( )τ‬‬‫‪5‬‬

‫سابعًا‪ :‬في فتح مكة وحنين والطائف‪:‬‬


‫أ‪-‬في فتح مكة ‪8‬هع‪:‬‬
‫كان سبب الفتح بعد هدنة الحديبية ماذكره ابن اسععحاق قععال‪:‬‬
‫)( مسند أحمد )‪.(6/256‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( استخلف أبي بكر‪ ،‬جمال عبدالهادي‪ ،‬ص ‪.140‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.140‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( تاريخ الدعوة الى السلم‪ ،‬ص ‪.382‬‬ ‫‪4‬‬
‫)( الحاكم في المستدرك وقال حديث صحيح السناد ولم يخرجاه وقال الذهبي صععحيح‬ ‫‪5‬‬
‫كتاب المغازي )‪.(3/42‬‬

‫‪96‬‬
‫حدثني الزهري عععن عععروة ابعن الزبيععر عععن المسععور بععن مخرمعة‪،‬‬
‫ومروان بن الحكم أنهما حدثاه جميعا ً قال‪ :‬فععي صععلح الحديبيععة أنععه‬
‫من شاء أن يدخل في عقد محمد دخل‪ ،‬ومععن شععاء أن يععدخل فععي‬
‫عقد قريش وعهدهم دخل‪ ،‬فتواثبت خزاعة وقالوا نحن نععدخل فععي‬
‫عقد محمد وعهده‪ ،‬وتواثبت بنو بكعر وقععالوا نحعن نعدخل فعي عقعد‬
‫قريش وعهدهم‪ ،‬فمكثوا فععي ذلععك نحععو السععبعة أو الثمانيععة عشععر‬
‫شهرًا‪ ،‬ثم إن بني بكر وثبوا على خزاعة ليل ً بمععاء يقعال لععه الععوتير‪-‬‬
‫وهو قريب من مكة ‪ -‬وقالت قريش مايعلم بنا محمعد‪ ،‬وهعذا الليععل‬
‫ومايرانا من أحد فأعانوهم عليهم بالكراع والسلح وقاتلوهم معهععم‬
‫فقععدم عمععرو بععن سععالم إلععى المدينععة‬ ‫للضغن على رسول اللععه ‪ε‬‬
‫فأنشد رسول الله ‪ ε‬قائ ً‬
‫ل‪:‬‬
‫اللهم إني ناشد محمدا ً‬

‫حلف أبينا وأبيك التلدا‬


‫فانصر هداك الله نصرا ً أعتدا‬
‫وادع عباد الله يأتوا مددا‬
‫فقال النبي ‪ :ε‬نصرت ياعمرو بن سالم)‪.(1‬‬
‫وتجهز النبي ‪ ε‬مع صحابته للخععروج إلععى مكععة‪ ،‬وكتععم الخععبر‪،‬‬
‫ودعا الله أن يعمي على قريش حتى تفاجأ بالجيش المسععلم يفتععح‬
‫بما حدث فخععرج أبععو سععفيان‬ ‫مكة وخافت قريش أن يعلم النبي ‪ε‬‬
‫من مكة إلى رسول الله فقال‪ :‬يامحمععد‪ ،‬أشععدد العقععد‪ ،‬وزدنععا فععي‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(4/44‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪-97-‬‬
‫المدة‪ ،‬فقال النبي ‪ :ε‬ولذلك قدمت؟ هل كععان مععن حععدث قبلكععم‪،‬‬
‫فقععال معععاذ اللععه نحععن علععى عهععدنا وصععلحنا يععوم الحديبيععة لنغيععر‬
‫يقصعد مقابلعة الصعحابة عليهععم‬ ‫ولنبدل‪ ،‬فخعرج معن عنعد النععبي ‪ε‬‬
‫الرضوان)‪.(1‬‬
‫‪-1‬أبو بكر وأبو سفيان‪:‬‬
‫أن يجدد العقععد ويزدهععم فععي‬ ‫طلب أبو سفيان من أبي بكر ‪τ‬‬
‫المدة‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬جواري فععي جععوار رسععول اللععه ‪ ،ε‬واللععه لععو‬
‫وجدت الععذر تقععاتلكم لعنتهععا عليكععم‪ .‬وهنععا تظهععر فطنععة الصععديق‬
‫وحنكته السياسية ثم يظهر اليمعان القعوي بعالحق العذي هعو عليعه‬
‫ويعلن أمام أبي سفيان دون خوف أنه مستعد لحععرب قريععش بكععل‬
‫مايمكن ولو وجد الذر تقاتل قريشا ً لعانها عليها)‪.(2‬‬
‫‪-2‬بين عائشة وأبي بكر الصديق رضي الله عنهما‪:‬‬
‫على عائشة وهي تغربععل حنطععة وقععد أمرهععا‬ ‫دخل الصديق ‪τ‬‬
‫النبي ‪ ε‬بأن تخفي ذلك ‪ ..‬فقال لها أبو بكر‪ :‬يابنية لم تصعنعين هعذا‬
‫الطعام؟ فسكتت‪ ،‬فقععال‪ :‬أيريععد رسععول اللععه أن يغععزو؟ فصععمتت‪،‬‬
‫فقال لعله يريد بني الصفر ‪ -‬أي الروم ‪ -‬فصمتت‪ ،‬فقال لعله يريععد‬
‫أهععل نجععد؟ فصععمتت‪ ،‬فقععال لعلععه يريععد قريشعًا‪ ،‬فصععمتت‪ ،‬فععدخل‬
‫فقعال الصعديق لعه‪ :‬يارسعول اللعه أتريعد أن تخعرج‬ ‫رسعول اللعه ‪ε‬‬
‫مخرجًا؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬لعل تريد بني الصفر؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬أتريد أهعل‬
‫نجد؟ قال‪ :‬ل‪ ،‬قال‪ :‬فلعلك تريد قريشًا؟ قال‪ :‬نعععم‪ .‬قععال أبععو بكععر‪:‬‬
‫)( التاريخ السياسي والعسكري‪ ،‬د‪ .‬علي معطي‪ ،‬ص ‪365‬؛ الطبري )‪.(3/43‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( تاريخ الدعوة السلمية‪ ،‬ص ‪.145‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪98‬‬
‫يارسول الله أليس بينك وبينهععم مععدة؟ قععال‪ :‬ألععم يبلغععك ماصععنعوا‬
‫ببني كعب؟‬
‫وهنا سلم أبو بكر للنبي ‪ ε‬وجهز نفسععه ليكععون مععع القععائد ‪ε‬‬
‫في هععذه المهمععة الكععبرى وذهععب مععع رسععول اللععه ‪ ε‬المهععاجرون‬
‫والنصار فلم يتخلف منهم أحد)‪. (1‬‬
‫‪-3‬الصديق في دخول مكة‪:‬‬
‫مكة في عام الفتح وكان بجانبه أبو بكر رأى‬ ‫لما دخل النبي ‪ε‬‬
‫وقععال‪ :‬يععا أبععا‬ ‫النساء يلطمن وجوه الخيل فابتسم إلى أبععي بكععر ‪τ‬‬
‫بكر كيف قال حسان؟ فأنشد أبو بكر‪:‬‬
‫خيلنا إن لم ترْوها‬
‫مَنا َ‬
‫عَدِ ْ‬
‫دها ك َ َ‬
‫داُء‬ ‫ع ُ‬
‫موْ ِ‬
‫ُتثير الّنقعَ َ‬
‫مصغيات‬ ‫ن ال َ ِ‬
‫سّنة ُ‬ ‫يباري ْ َ‬
‫ل ال ّ‬
‫ظباُء‬ ‫على أكَتاِفها الس ُ‬
‫دنا متم ّ‬
‫طرات‬ ‫تظ ّ‬
‫ل جيا ُ‬
‫ء) ‪(2‬‬
‫النسا ُ‬ ‫خمرِ‬
‫ن بال ُ‬
‫تلطمهُ ّ‬
‫فقال النبي ‪ :ε‬ادخلوها من حيععث قععال حسععان)‪ ،(3‬وقععد ت ّ‬
‫مععت‬
‫النعمععة علععى الصععديق فععي هععذا الجععو العظيععم بإسععلم أبيععه أبععي‬
‫‪.‬‬ ‫قحافة)‪(4‬‬

‫مغازي الواقدي )‪.(2/796‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫الحاكم في المستدرك‪ :‬صحيح السناد ووافقه الذهبي )‪.(3/72‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫نفس المرجع السابق )‪(3/72‬؛ الطبري )‪.(3/42‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫تاريخ الدعوة السلمية‪ ،‬ص ‪.147‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪-99-‬‬
‫ب‪-‬في حنين‪:‬‬
‫أخذ المسلمون يوم حنين درسا ً قاسيًا‪ ،‬إذ لحقتهم هزيمة فععي‬
‫أول المعركة جعلتهم يفرون معن هعول المفاجععأة وكعانوا كمععا قعال‬
‫وجعععل رسععول‬ ‫أحععد)‪(1‬‬ ‫المام الطبري‪ :‬فانشمروا ليلوي أحعد ٌ علععى‬
‫ي‪ ،‬أنا رسول الله‪ ،‬أنا محمععد‬
‫يقول‪ :‬أين أيها الناس‪ ،‬هلموا إل ّ‬ ‫الله ‪ε‬‬
‫بن عبدالله ‪ ..‬يامعشر النصار‪ ،‬أنا عبدالله ورسوله‪ ..‬ثم نععادى عمععه‬
‫العباس وكععان جهععوري الصععوت فقععال لععه‪ :‬ياعبععاس نععاد‪ :‬يامعشععر‬
‫النصار‪ ،‬يا أصحاب السمرة)‪ ،(2‬كان هععذا هععو حععال المسععلمين فععي‬
‫أول المعركة‪ ،‬النبي وحده لم يثبت معه أحد إل قلة‪ ،‬ولم تكن الفئة‬
‫ثععم‬ ‫التي صبرت مع النبي إل فئة من الصحابة يتقدمهم الصععديق ‪τ‬‬
‫نصرهم الله بعد ذلععك نصععرا ً عزيعزا ً مععؤزرا ً)‪ ،(3‬وكععانت هنععاك بععض‬
‫المواقف للصديق منها‪:‬‬
‫‪-1‬فتوى الصديق بين يدي رسول الله‪:‬‬
‫قال ابعو قتعادة‪ :‬لمععا كععان يعوم حنيععن نظعرت إلعى رجعل معن‬
‫المسلمين يقاتل رجل ً من المشركين‪ ،‬وآخر من المشععركين يختلععه‬
‫من ورائه ليقتله فأسرعت إلى الذي يختله فرفع ليضربني وأضرب‬
‫ما ً شديدا ً حتى تخوفت ثععم تععرك‬
‫يده فقطعتها ثم أخذني فضمني ض ّ‬
‫فتحلل ودفعته ثم قتلته وانهزم المسععلمون وانهزمععت معهععم‪ ،‬فععإذا‬
‫بعمر بن الخطاب في الناس‪ ،‬فقلت له‪ :‬ماشأن النععاس؟ قععال أمععر‬

‫)( تاريخ الطبري )‪.(3/74‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( مسلم‪ ،‬كتاب الجهاد والسير‪ ،‬باب في غزوة حنين )‪ (3/1398‬رقم ‪.1775‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( مواقف الصديق مع النبي في المدينة‪ ،‬ص ‪.43‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪100‬‬
‫الله ثم تراجع الناس إلى رسول الله‪ ،‬فقال رسول الله‪ :‬مععن أقععام‬
‫بينة على قتيل قتله‪ ،‬فله سلبه‪ ،‬فقمت للتمس بينة قععتيلي فلععم أَر‬
‫أحدا ً يشهد لي‪ ،‬فجلست ثم بدا لي فععذكرت أمععره لرسععول اللععه ‪ε‬‬
‫فقال رجل من جلسائه‪ :‬سلح هذا القتيل الذي يذكر عندي‪ ،‬فأرضه‬
‫أسعدا ً‬ ‫ويععدع)‪(2‬‬ ‫منه فقال أبو بكر‪ :‬كل ليعطيه)‪ ،(1‬أصيبغ من قريععش‬
‫من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ‪ ،ε‬قال‪ :‬فقام رسول اللععه ‪ε‬‬
‫ي فاشععتريت منععه خرافعا ً)‪ ،(3‬فكععان أول مععال تأ ّ‬
‫شععلته فععي‬ ‫داه إلع ّ‬
‫فأ ّ‬
‫السلم)‪.(4‬‬
‫إن مبادرة الصديق في الزجر والردع والفتععوى واليميععن علععى‬
‫ذلك فعي حضعرة رسععول اللعه ‪ ،ε‬ثععم يصعدقه الرسعول فيمععا قعال‬
‫ونلحععظ فععي‬ ‫غيععره)‪(5‬‬ ‫ويحكم بقوله خصوصية شرف‪ ،‬لم تكن لحععد‬
‫حععرص علععى سععلمة أخيععه‬ ‫الخبر السابق أن أبا قتادة النصععاري ‪τ‬‬
‫المسلم وقتل ذلك الكافر بعد جهد عظيم‪ ،‬كما أن موقف الصععديق‬
‫‪ τ‬فيه دللة على حرصه علععى إحقععاق الحععق والععدفاع عنععه ودليععل‬
‫على رسوخ إيمانه وعمق يقينه وتقديره لرابطععة الخععوة السععلمية‬

‫)( ل يعطه‪ :‬أي ليعطي رسول اللععه‪ .‬وقععوله أصععيبغ نععوع مععن الطيععور شععبه لععه لعجععزه‬ ‫‪1‬‬
‫وضعفه‪.‬‬
‫)( يدع‪ :‬يترك‪.‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( خرافًا‪ :‬أي بستانا ً أقام الثمر مقام الصل‪.‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب المغازي )‪ (5/119‬رقم ‪.4322‬‬ ‫‪4‬‬
‫)( الرياض الناظرة في مناقب العشرة‪ ،‬ابي جعفر محب الدين‪ ،‬ص ‪.185‬‬ ‫‪5‬‬

‫‪-101-‬‬
‫وأنها بمنزلة رفيعة بالنسبة له)‪.(1‬‬
‫‪-2‬الصديق وشعر عباس بن مرداس‪:‬‬
‫حين استقل العباس بن مرداس عطاءه من غنائم حنيععن قععال‬
‫حيث قال‪:‬‬ ‫شعرا ً عاتب فيه رسول الله ‪ε‬‬
‫كانت نهابا تلفيتها‬
‫جَرع‬
‫مهرِ في ال ْ‬
‫بكّري على ال ُ‬
‫وإيقاظي القوم أن يرقدوا‬
‫إذا هجع الناس لم أهجع‬
‫فأصبح نهبي ونهب العبيد‬
‫والقرع)‪(2‬‬ ‫بين عيينة‬
‫دراء‬ ‫وقد كنت في الحرب ذا ت ُ ْ‬
‫ُ‬ ‫فلم ُأع َ‬
‫ط شيئا ً ولم أ ْ‬
‫مَنع‬
‫إل أفائل أعطيتها‬
‫الربع)‪(3‬‬ ‫عديد قوائمها‬
‫وما كان حصن ولحابس‬
‫يفوقان شيخي في المجمع‬
‫وماكنت دون امرئ منهما‬
‫لي ُرفع)‪(4‬‬ ‫ومن تضع اليوم‬
‫ِ‬ ‫ْ‬
‫فقععال رسععول اللععه ‪ :ε‬اذهبععوا بععه‪ ،‬فععأقطعوا عنععي لسععانه‪،‬‬
‫فأعطوه حتى َرضي‪ ،‬فكان ذلك قطع لسانه الععذي أمععر بععه رسععول‬

‫)( التاريخ السلمي للحميدي )‪.(8/26‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( العبيد‪ :‬اسم فرس عباسد بن مرداس‪.‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( الفائل‪ :‬الصغار من البل‪ ،‬الواحد أفيل‪.‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(4/147‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪102‬‬
‫الله ‪.(1)ε‬‬
‫وأتى العباس رسول اللععه ‪ ،ε‬فقععال لععه رسععول اللععه ‪ :ε‬أنععت‬
‫ب العبيد بين القرع وعيينة؟ فقععال ابععوبكر‬
‫القائل‪ :‬فأصبح نهبي ونه ُ‬
‫الصديق‪ :‬بين عيينة والقععرع؛ فقععال رسععول اللععه ‪) :ε‬همععا واحععد(‪،‬‬

‫ما ع َل ّ ْ‬
‫من َععاهُ‬ ‫فقععال أبععوبكر‪ :‬أشععهد أنععك كمععا قععال اللععه تعععالى‪} :‬وَ َ‬
‫ن{ )سععورة‬ ‫مِبي ع ٌ‬ ‫ن هُوَ إ ِل ّ ذ ِك ٌْر وَقُْرَءا ٌ‬
‫ن ُ‬ ‫ما ي َن ْب َِغي ل َ ُ‬
‫ه إِ ْ‬ ‫ال ّ‬
‫شعَْر وَ َ‬
‫يس‪ ،‬الية ‪.(2)(69‬‬
‫ج‪ -‬في الطائف‪:‬‬
‫في حصعار الطعائف وقععت جراحعات فعي اصعحاب النععبي ‪ε‬‬
‫وشهادة‪ ،‬ورفع رسول الله ‪ ε‬عن أهل الطائف الحصار ورجععع الععى‬
‫المدينة وممن استشهد من المسلمين في هذه الغزوة عبدالله بععن‬
‫أبي بكر رضي الله عنهما رمي بسم فتوفي منه بالمدينة بعد وفععاة‬
‫النبي ‪.(3)ε‬‬
‫وعندما قدم وفد ثقيف للمدينة ليعلنوا إسلمهم فمععا إن ظهععر‬
‫الوفد قرب المدينة حتى تنافس كل من أبي بكر والمغيرة على أن‬
‫يكون هعو البشععير بقعدوم الوفعد للرسعول ‪ ،ε‬وفععاز الصعديق بتلعك‬
‫البشارة) (‪ ،‬وبعععد أن أعلنععوا إسععلمهم وكتععب لهععم رسععول اللععه ‪ε‬‬ ‫‪4‬‬

‫مر عليهم أشار أبوبكر بعثمان بن أبي العاص بن‬


‫كتابهم وأراد أن يؤ ّ‬

‫)( نفس المصدر )‪.(4/147‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( المصدر السابق )‪.(4/147‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( تاريخ الدعوة السلمية‪ ،‬ص ‪.151‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(4/193‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪-103-‬‬
‫أبي العاص ‪-‬وكان أحدثهم سنا ً فقععال الصععديق‪ :‬يارسععول اللععه إنععي‬
‫رأيعت هعذا الغلم معن أحرصعهم علعى التفقعه فعي السعلم وتعلعم‬
‫القرآن)‪ ،(1‬فقد كان عثمان بن أبي العاص كلما نام قومه بالهاجرة‪،‬‬
‫فساله في الععدين واسععتقرأه القععرآن حععتى‬ ‫عمد الى رسول الله ‪ε‬‬
‫نائم عا ً عمععد الععى‬ ‫فقه في الدين وعلم‪ ،‬وكان إذا وجد رسول الله ‪ε‬‬
‫أبي بكر وكان يكتم ذلك عن أصحابه فععأعجب ذلعك رسععول اللعه ‪ε‬‬
‫وعجب منه وأحبه)‪.(2‬‬
‫وعندما علم الصديق بصاحب السهم الذي أصععاب أبنععه كععانت‬
‫ي‬
‫م َ‬
‫له مقوله تدل على عظمة إيمانه فعن القاسم بن محمد قال‪ُ :‬ر ِ‬
‫عبدالله بن أبي بكر رضي الله عنهما بسهم يوم الطائف‪ ،‬فانتفضت‬
‫به بعد وفاة رسول الله ‪ ε‬بععأربعين ليلععة‪ ،‬فمععات فقععدم عليععه وفععد‬
‫ثقيف ولم يزل ذلك السهم عنده‪ ،‬فأخرجه إليهم فقال‪ :‬هل يعععرف‬
‫م منكم أحد؟ فقال سعيد بن عبيد‪ ،‬أخو بنععي عجلن‪ :‬هععذا‬
‫سه َ‬
‫هذا ال ّ‬
‫ه ورشته)‪ ،(3‬عقبته)‪ ،(4‬وأنا رميت به‪ .‬فقععال أبععوبكر ‪:τ‬‬
‫سهم أنا ب َرِي ْت ُ ُ‬
‫فإن هذا السهم الذي قتل عبدالله بععن أبععي بكععر‪ ،‬فالحمععدلله الععذي‬
‫أكرمه بيدك‪ ،‬ولم ي ُِهنك بيده‪ ،‬فإنه أوسع لكما)‪.(5‬‬
‫ثامنًا‪ :‬في غزوة تبوك‪ ،‬وإمارة الحج‪ ،‬وفي حجة الوداع‪:‬‬

‫)( تاريخ الدعوة السلمية‪ ،‬ص ‪.152‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( تاريخ السلم للذهبي‪ ،‬المغازي‪ ،‬ص ‪.670‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( رشته‪ :‬وصنعت فيه الريش‪.‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( عقبته‪ :‬جذبته من عقبه‪.‬‬ ‫‪4‬‬
‫)( خطب أبي بكرالصديق‪ ،‬محمد أحمد عاشور‪ ،‬ص ‪ ،118‬والرواية فيها انقطاع‪.‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪104‬‬
‫أ‪ -‬في تبوك‪:‬‬
‫بجيش عظيم في غععزوة تبععوك بلععغ عععدده‬ ‫خرج رسول الله ‪ε‬‬
‫ثلثين ألفا ً وكان يريد قتال الروم بالشام‪ ،‬وعندما تجمع المسلمون‬
‫عند ثنية الوداع بقيادة رسول الله ‪ ،ε‬اختار المععراء والقععادة وعقععد‬
‫اللوية والرايات لهم‪ ،‬فأعطى لواءه العظم الى أبي بكععر الصععديق‬
‫‪ ،(1)τ‬وفي هذه الغزوة ظهرت بعض المواقف للصديق منها‪:‬‬
‫‪ -1‬موقفه من وفاة الصحابي عبدالله ذو البجادين رضععي اللععه‬
‫عنه‪:‬‬
‫قال عبدالله بن مسعود ‪ :τ‬قمععت فععي جععوف الليععل وأنععا مععع‬
‫في غزوة تبععوك‪ ،‬قععال‪ :‬فرأيععت شعععلة مععن نععار مععن‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫ناحيععة العسععكر‪ ،‬قععال‪ :‬فاتبعتهععا‪ ،‬أنظععر إليهععا فععإذا رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫وأبوبكر وعمر‪ ،‬وإذا عبدالله ذو البجادين المزني قد مععات‪ ،‬وإذا هععم‬
‫قد حفروا له‪ ،‬ورسول الله في حضرته‪ ،‬وأبوبكر وعمر يدليانه إليععه‪،‬‬
‫وهو يقول‪ :‬أدنيا الى أخاكما‪ ،‬فععدلياه إليععه‪ ،‬فلمععا هيععأه بشععقه قععال‪:‬‬
‫اللهم إني أمسيت راضيا َ عنه فارض عنه‪ .‬قال )الراوي عبدالله ابن‬
‫مسعود(‪ :‬قال عبدالله بن مسعود‪ :‬ياليتني كنت صاحب الحفرة)‪.(2‬‬
‫إذا دخل الميت اللحد قال‪ :‬بسم اللععه وعلععى‬‫وكان الصديق ‪τ‬‬
‫ملة رسول الله ‪ ،ε‬وباليقين وبالبعث بعد الموت) (‪.‬‬
‫‪3‬‬

‫‪ -2‬طلب الصديق من رسول الله ‪ ε‬الدعاء للمسلمين‪:‬‬


‫قال عمر بعن الخطععاب‪ :‬خرجنعا العى تبععوك فعي قيعظ شعديد‪،‬‬
‫)( صفة الصفوة )‪.(1/243‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( صحيح السيرة النبوية‪ ،‬ص ‪.598‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( مصنف عبدالرزاق )‪ (3/497‬نقل ً عن موسوعة فقه الصديق‪ ،‬ص ‪.222‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-105-‬‬
‫فنزلنا منزل ً وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا سععتقطع حععتى‬
‫إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه‪ ،‬ثم يجعل مابقي على‬
‫ودك فععي‬ ‫كبده‪ ،‬فقال أبوبكر الصديق‪ ،‬يارسول اللععه إن اللععه قععد عع ّ‬
‫الدعاء خيرًا‪ ،‬فأدع الله‪ ،‬قال‪ :‬أتحب ذلععك؟ قععال‪ :‬نعععم‪ ،‬فرفععع يععديه‬
‫فلم يردهما حتى قعالت السععماء ‪-‬أي تهيئت لنعزال مائهععا‪ -‬فعأظلت‬
‫‪-‬أي أنزلت مطرا ً خفيفًا‪ -‬ثم سكبت فملوا مامعهم ثم ذهبنععا ننظععر‬
‫فلم نجدها جاوزت العسكر)‪.(1‬‬
‫‪ -3‬نفقة الصديق في تبوك‪:‬‬
‫الصععحابة فععي غععزوة تبععوك علععى النفععاق‬ ‫حث رسول اللععه ‪ε‬‬
‫بسععبب بعععدها‪ ،‬وكععثرة المشععركين فيهععا‪ ،‬ووعععد المنفقيععن بععالجر‬
‫صععاحب‬ ‫العظيم من الله‪ ،‬فأنفق كل حسب مقدرته وكان عثمان ‪τ‬‬
‫القدح المعلى في النفاق في هذه الغزوة)‪.(2‬‬
‫وتصدق عمععر بععن الخطععاب بنصععف مععاله وظععن أنععه سيسععبق‬
‫أبابكر بذلك ونترك الفاروق يحدثنا بنفسه عن ذلك حيث قال‪ :‬أمرنا‬
‫يوما ً أن نتصدق‪ ،‬فوافق ذلك مال عندي‪ ،‬فقلت اليوم‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫أسبق أبابكر إن سبقته يومًا‪ ،‬فجئت بنصف مالي‪ ،‬فقال رسول الله‬
‫بكل ماعنععده‪،‬‬ ‫‪ ،ε‬ماأبقيت لهلك؟ قلت‪ :‬مثله‪ ،‬قال‪ :‬وأتى أبوبكر ‪τ‬‬
‫فقال له رسععول اللععه ‪ :ε‬مععاأبقيت لهلععك؟ قععال أبقيععت لهععم اللععه‬
‫ورسوله‪ ،‬قلت‪ :‬لأسابقك الى شيء أبدا ً)‪.(3‬‬

‫)( ابن حبان‪ ،‬كتاب الجهاد‪ ،‬باب غزوة تبوك رقم ‪.1707‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( السيرة النبوية في ضوء المصادر الصلية‪ ،‬ص ‪.615‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( سنن ابي داود‪ ،‬كتاب الزكاة )‪ (313 -2/312‬رقم ‪ 1678‬وحسنه اللباني‪.‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪106‬‬
‫كان فعل عمر فيما فعله من المنافسة والغبطة مباح عا ً ولكععن‬
‫أفضل منه لنه خال من المنافسة مطلقا ً ول ينظر‬ ‫حال الصديق ‪τ‬‬
‫الى غيره)‪.(1‬‬
‫ب‪ -‬الصديق أمير الحج سنة ‪9‬هع‪:‬‬
‫مسععتمرة‬ ‫كانت تربية المجتمع وبناء الدولة في عصر النبي ‪ε‬‬
‫على كافة الصعدة والمجالت العقائدية والقتصادية‪ ،‬والجتماعيععة‪،‬‬
‫والسياسية والعسكرية والتعبدية وكانت فريضعة الحعج لعم تمععارس‬
‫في السنوات الماضية‪ ،‬وحجة عام ‪8‬هع بعد الفتح ك ُّلف بها عّتاب بن‬
‫أسيد‪ ،‬ولم تكن قد تميزت حجة المسلمين عن حجة المشركين)‪،(2‬‬
‫ولكنه قععال‪) :‬إنععه يحضععر الععبيت‬ ‫فلما حل موسم الحج أراد الحج ‪ε‬‬
‫عراة مشركون يطوفون بععالبيت‪ ،‬فل أحععب أن أ حععج حععتى ليكععون‬
‫الصديق أميرا ً على الحج سنة تسعة هجرية‪،‬‬ ‫ذلك( فأرسل النبي ‪ε‬‬
‫فخرج أبوبكر الصديق بركب الحجيج نزلت سورة براءة فدعا النبي‬
‫وأمره أن يلحععق بععأبي بكععر الصععديق‪ ،‬فخععرج علععى ناقععة‬ ‫‪ ε‬عليا ً ‪τ‬‬
‫رسول الله ‪ :ε‬العضباء حتى أدرك الصديق ابابكر بذي حليفة‪ ،‬فلما‬
‫رآه الصديق قال له‪ :‬أمير أم مأمور؟ فقعال‪ :‬بععل معأمور‪ ،‬ثععم سععار‪،‬‬
‫فأقام أبععوبكر للنععاس الحععج علععى منععازلهم الععتي كععانوا عليهععا فععي‬
‫الجاهلية‪ ،‬وكان الحج في هذا العام في ذي الحجة كمععا دلععت علععى‬
‫ذلك الروايععات الصععحيحة ل فععي شععهر ذي القعععدة كمععا قيععل‪ ،‬وقععد‬

‫)( الفتاوى لبن تيمية ) ‪.(10/72،73‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( دراسات في عهد النبوة‪ ،‬عماد الدين خليل‪ ،‬ص ‪.222‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-107-‬‬
‫خطب الصديق قبل التروية‪ ،‬ويوم عرفة‪ ،‬ويوم النحععر‪ ،‬ويععوم النفععر‬
‫الول فكععان يعععّرف النععاس مناسععكهم‪ :‬فععي وقععوفهم وإفاضععتهم‪،‬‬
‫ونحرهم‪ ،‬ونفرهم‪ ،‬ورميهم للجمععرات‪..‬الععخ وعلععي بععن أبععي طععالب‬
‫يخلفه في كل موقف من هذه المواقعف فيقعرأ علعى النعاس صعدر‬
‫سورة براءة ثم ينععادي فععي النععاس بهععذه المععور الربعععة‪ :‬ل يععدخل‬
‫الجنة إل مععؤمن‪ ،‬وليطععوف بععالبيت عريععان‪ ،‬ومععن كععان بينععه وبيععن‬
‫رسول الله عهد فعهده الى مدته‪ ،‬وليحج بعد العام مشرك)‪.(1‬‬
‫وقععد أمععر الصععديق ابععا هريععرة فععي رهععط آخععر مععن الصععحابة‬
‫لمساعدة علي بن أبي طالب في إنجاز مهمته)‪.(2‬‬
‫علي عا ً بععإعلن نقععض العهععود علععى مسععامع‬ ‫وقد كلف النععبي ‪ε‬‬
‫المشركين في موسم الحج مراعاة لما تعارف عليععه العععرب فيمععا‬
‫بينهم من عقد العهود ونقضها أن ليتععولى ذلععك إل سععيد القبيلععة أو‬
‫رجل من رهطه‪ ،‬وهععذا العععرف ليععس فيععه منافععاة للسععلم فلععذلك‬
‫المر وأرسل عليا ً بذلك فهذا هو السبب في تكليف‬ ‫تدارك النبي ‪ε‬‬
‫عليا ً ‪ τ‬بتبليغ صدر سورة براءة ل مععازعمته الرافضعة معن أن ذلععك‬
‫للشارة الى أن عليا ً ‪ τ‬أحق بالخلفة من أبي بكر وقععد علععق علععى‬
‫ذلك الدكتور محمد ابو شهبة فقال‪ :‬ول أدري كيف غفلوا عععن قععول‬
‫الصديق له‪ :‬أمير أم مأمور)‪(3‬؟ وكيف يكون المأمور أحععق بالخلفععة‬

‫)( صحيح السيرة النبوية‪ ،‬ص ‪.625‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( السيرة النبوية لبي شهبة )‪.(2/537‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( صحيح السيرة النبوية‪ ،‬ص ‪.624‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪108‬‬
‫من المير)‪.(1‬‬
‫وقد كانت هذه الحجععة بمثابععة التععوطئة للحجععة الكععبرى وهععي‬
‫حجة الوداع)‪ ،(2‬لقد أعلن في حجععة أبععي بكععر أن عهععد الصععنام قععد‬
‫انقضععى‪ ،‬وأن مرحلععة جديععدة قععد بععدأت‪ ،‬ومععاعلى النععاس إل أن‬
‫يستجيبوا لشرع اللععه تعععالى‪ ،‬فبعععد هععذا العلن الععذي انتشععر بيععن‬
‫قبائل العرب في الجزيرة‪ ،‬ايقنت تلععك القبععائل أن المععر جععد‪ ،‬وأن‬
‫عهد الوثنية قد انقضى فعل ً فأخذت ترسل وفودهععا معلنععة إسععلمها‬
‫ودخولها في التوحيد)‪.(3‬‬
‫ج‪ -‬في حجة الوداع‪:‬‬
‫بسنده الى عبدالله بن الزبير عن أبيه أن‬ ‫روى المام أحمد ‪τ‬‬
‫حجاجعا ً حععتى‬‫أسماء بنت أبي بكر قالت‪ :‬خرجنا مع رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫أدركنا )العرج() ( نزل رسول الله ‪ ،ε‬فجلست عائشة جنععب النععبي‬ ‫‪4‬‬

‫‪ ،ε‬وزمالة أبي بكر واحدة مع غلم لبي بكر فجلس أبوبكر ينتظععر‬
‫أن يطلع عليه‪ ،‬فطلع وليس معه بعيره!! فقال‪ :‬أين بعيرك؟ فقال‪:‬‬
‫أظللته البارحة! فقال أبععوبكر‪ :‬بعيععر واحععد تضععله!! فطفععق يضععربه‬
‫ورسول الله يبتسم ويقول‪ :‬انظروا الى هذا المحرم ومايصنع)‪.(5‬‬

‫السيرة النبوية لبي شهبة )‪.(2/540‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫نفس المصدر )‪.(2/540‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫قراءة سياسية للسيرة النبوية‪ ،‬قلعجي‪ ،‬ص ‪.283‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫العَْرج‪ :‬واد فحل من أودية الحجاز التهامية‪ .‬معجم المعالم الجغرافية‪ ،‬ص ‪.203‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫مسند أحمد )‪.(6/344‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪-109-‬‬
‫المبحث الخامس‬
‫الصديق في المجتمع المدني وبعض صفاته وشععيء‬
‫من فضائله‬

‫كععانت حيععاة الصععديق فععي المجتمععع المععدني مليئة بالععدروس‬


‫والعبر وتركت لنا نموذجا ً حيا ً لفهم السلم وتطبيقه في دنيا الناس‬
‫وقد تميزت شخصية الصديق بصفات عظيمة ومععدحه رسععول اللععه‬
‫في أحاديث كثيرة وبين فضله وتقدمه على كثير من الصحابة رضي‬
‫الله عنهم أجمين‪.‬‬
‫أو ً‬
‫ل‪ :‬من مواقفه في المجتع المدني‪:‬‬
‫‪ -1‬موقفه من فنحاص الحبر اليهودي‪:‬‬
‫ذكر غير واحد من كّتاب السّير والمفسرين أن أبابكر ‪ τ‬دخععل‬
‫بيت المدارس)‪ ،(1‬على يهود‪ ،‬فوجععد منهععم ناس عا ً قععد اجتمعععوا الععى‬
‫)( مكان يتلى فيه التوارة‪.‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪110‬‬
‫رجل منهم‪ ،‬يقال له فنحاص‪ ،‬وكان من علمععائهم وأحبععارهم‪ ،‬ومعععه‬
‫حبر من أحبارهم‪ ،‬يقال له أشيع)‪ ،(1‬فقال أبوبكر لفنحععاص‪ :‬ويحععك!‬
‫اتق اللعه وأسععلم‪ ،‬فععوالله إنعك تعلععم أن محمعدا ً لرسععول اللععه‪ ،‬قععد‬
‫جععاءكم بععالحق مععن عنععده‪ ،‬تجععدونه مكتوبععا ً عنععدكم فععي التععوراة‬
‫والنجيل‪ ،‬فقال فنحاص لبي بكر‪ :‬ولله ياأبابكر‪ ،‬مابنا الى اللععه مععن‬
‫فقر‪ ،‬وإنه إلينا لفقير‪ ،‬ومانتضرع إليععه كمععا يتضععرع إلينععا‪ ،‬وإنععا عنععه‬
‫لغنياء وماهو عنا بغني‪ ،‬ولو كان عنا غنيا ً ماستقرضنا أموالنععا‪ ،‬كمععا‬
‫يزعم صاحبكم‪ ،‬ينهاكم عن الربا ويعطيناه‪ ،‬ولو كان غني عا ً ماأعطانععا‬
‫الربا فغضب أبععوبكر‪ ،‬فضععرب وجععه فنحععاص ضععربا ً شععديدًا‪ ،‬وقععال‪:‬‬
‫والذي نفسي بيده لول العهد الذي بيننا وبينععك لضععربت رأسععك‪ ،‬أي‬
‫عدو الله‪ ،‬فذهب فنحاص الى رسول الله ‪ ،ε‬فقال‪ :‬يامحمععد انظععر‬
‫لبععي بكععر‪ :‬ماحملععك علععى‬ ‫ماصنع بي صاحبك‪ .‬فقال رسول الله ‪ε‬‬
‫ماصنعت؟ فقععال أبععوبكر‪ :‬يارسععول اللععه‪ ،‬إن عععدو اللععه قععال قععول ً‬

‫عظيمًا‪ ،‬إنه يزعم أن الله فقير وأنهم أغنياء فلما قال ذلععك غضععبت‬
‫لله مما قال‪ ،‬وضربت وجهععه‪ ،‬فجحععد ذلععك فنحععاص وقععال‪ :‬مععاقلت‬
‫ذلك‪ ،‬فأنزل الله تعالى فيما قال فنحاص ردا ً عليععه‪ ،‬وتصععديقا ً لبععي‬
‫ن‬
‫حع ُ‬‫قي عٌر وَن َ ْ‬ ‫ن الل ّ َ‬
‫ه فَ ِ‬ ‫ن َقاُلوا إ ِ ّ‬ ‫ذي َ‬‫ل ال ّ ِ‬ ‫معَ الل ّ ُ‬
‫ه ق َو ْ َ‬ ‫س ِ‬‫قد ْ َ‬ ‫بكر‪} :‬ل َ َ‬
‫َ‬
‫ل‬‫قععو ُ‬
‫ح عقّ وَن َ ُ‬‫م ال َن ْب ِي َععاَء ب ِغَي ْعرِ َ‬‫ما َقاُلوا وَقَت ْل َهُ ع ُ‬ ‫ب َ‬ ‫سن َك ْت ُ ُ‬
‫أغ ْن َِياُء َ‬
‫ق{ )سورة آل عمران‪ ،‬الية‪.(181 :‬‬ ‫ري ِ‬ ‫ب ال ْ َ‬
‫ح ِ‬ ‫ذا َ‬ ‫ذوُقوا ع َ َ‬ ‫ُ‬

‫)( السيرة النبوية لبن هشام )‪.(559 -1/558‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪-111-‬‬
‫الغضب)‪(2‬‬ ‫ونزل في ابي بكر الصديق ‪ ،τ‬ومابلغه في ذلك من‬
‫ن‬
‫مع َ‬‫ن ِ‬ ‫معُ ّ‬ ‫م وَل َت َ ْ‬
‫سع َ‬ ‫س عك ُ ْ‬‫ف ِ‬ ‫م وَأ َن ْ ُ‬‫وال ِك ُ ْ‬ ‫م َ‬
‫َ‬
‫ن ِفي أ ْ‬ ‫قوله تعالى }ل َت ُب ْل َوُ ّ‬
‫ذى‬‫كوا أ َ ً‬ ‫ش عَر ُ‬‫ن أَ ْ‬ ‫ذي َ‬‫ن ال ّع ِ‬‫مع َ‬ ‫م وَ ِ‬ ‫ن قَب ْل ِك ُع ْ‬ ‫مع ْ‬ ‫ب ِ‬‫ن أوُتوا ال ْك َِتا َ‬
‫ال ّذي ُ‬
‫ِ َ‬
‫مععوِر{‬ ‫ُ‬ ‫ن ذ َل ِع َ‬ ‫قععوا فَ عإ ِ ّ‬ ‫ك َِثي عًرا وَإ ِ ْ‬
‫ن ع َعْزم ِ ال ُ‬ ‫مع ْ‬ ‫ك ِ‬ ‫ص عب ُِروا وَت َت ّ ُ‬ ‫ن تَ ْ‬
‫)سورة آل عمران‪ ،‬الية‪.(186:‬‬

‫‪ -2‬حفظ سر النبي ‪:ε‬‬


‫قال عمر بن الخطاب‪ :‬تأيمت حفصة من خنيععس بععن حذافععة‪،‬‬
‫وكان مما شهد بعدرًا‪ ،‬فلقيعت عثمعان بعن عفعان فقلعت‪ :‬إن شعئت‬
‫انكحتك حفصة‪ ،‬فقال‪ :‬أنظر ثم لقيني فقال‪ :‬قد بدا لي أن ل أتزوج‬
‫يومي هذا‪ ،‬فلقيت أبابكر فعرضتها عليه فصمت فكنعت عليعه أوجعد‬
‫فأنكحتهععا‬ ‫مني على عثمان‪ ،‬فلبثت ليالي ثم خطبها رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫ي حين لم أرجع إليععك‪،‬‬
‫إياه‪ ،‬ثم لقيني أبوبكر فقال‪ :‬لعلك وجدت عل ّ‬
‫فقلت‪ :‬أجل فقال‪ :‬إنه لم يمنعني أن أرجع إليك إل أنععي علمععت أن‬
‫ولععو‬ ‫رسول الله ‪ ε‬قد ذكرها فلم أكن لفشي سععر رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫تركها لنكحتها)‪.(2‬‬
‫‪ -3‬الصديق وآية صلة الجمعة‪:‬‬
‫يخطععب يععوم الجمعععة‪،‬‬ ‫قال جععابر بععن عبععدالله بينمععا النععبي ‪ε‬‬
‫حتى لم يبععق‬ ‫وقدمت عُير المدينة‪ ،‬فابتدرها أصحاب رسول الله ‪ε‬‬
‫جاَرة ً أ َْو‬ ‫معه ‪ ε‬إل اثنا عشر رج ً‬
‫ل‪ ،‬فنزلت هذه الية‪} :‬وإ َ َ‬
‫ذا َرأْوا ت ِ َ‬‫َِ‬

‫)( تفسير القرطبي )‪.(4/295‬‬ ‫‪2‬‬


‫)( الفتح )‪(9/81‬؛ الطبقات الكبرى ) ‪.(8/82‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪112‬‬
‫ن‬
‫مع َ‬ ‫عن ْد َ الل ّعهِ َ‬
‫خي ْعٌر ِ‬ ‫ما ِ‬‫ل َ‬‫ما قُ ْ‬
‫ك َقائ ِ ً‬‫كو َ‬ ‫ضوا إ ِل َي َْها وَت ََر ُ‬‫ف ّ‬ ‫ل َهْ ً‬
‫وا ان ْ َ‬
‫ن{ )سورة الجمعة‪ ،‬الية‬ ‫خي ُْر الّرازِِقي َ‬‫ه َ‬‫جاَرةِ َوالل ّ ُ‬ ‫ن الت ّ َ‬ ‫م َ‬‫الل ّهْوِ وَ ِ‬
‫أبععوبكر‬ ‫‪ (11‬وقال‪ :‬في الثنىعشععر الععذين ثبتععوا مععع رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫وعمر)‪.(1‬‬

‫ينفي الخيلء عن أبي بكر‪:‬‬ ‫‪ε‬‬ ‫‪ -4‬رسول الله‬


‫قال عبدالله بن عمر رضي الله عنهمععا‪ :‬قععال رسععول اللععه ‪:ε‬‬
‫خيلء لم ينظر الله إليه يوم القيامععة(‪ ،‬فقععال أبععوبكر‪:‬‬
‫)من جر ثوبه ُ‬
‫ي يسترخي إل أن أتعاهد ذلك منععه‪ .‬فقععال رسععول اللععه‬
‫شق ّ‬
‫إن أحد ِ‬
‫‪) :ε‬إنك لست تصنع ذلك ُ‬
‫خيلء()‪.(2‬‬
‫‪ -5‬الصديق وتحريه للحلل‪:‬‬
‫عن قيس بن أبي حازم قال‪ :‬كان لبي بكر غلم فكان إذا جاء‬
‫بغلّته لم يأكل من غلته حتى يسأل‪ ،‬فإن كان شيئا ً مما يحععب أكععل‪،‬‬
‫وإن كان شيئا ً يكره لم يأكل‪ ،‬قال‪ :‬فنسي ليلعة فأكعل ولععم يسعأله‪،‬‬
‫ثم سأله فأخبره أنه من شيء كرهعه‪ ،‬فأدخعل يعده فتقيعأ حعتى لعم‬
‫يترك شيئا ً)‪.(3‬‬
‫حيث كان يتحععرى الحلل فععي‬ ‫فهذا مثال على ورع أبي بكر ‪τ‬‬
‫مطعمه ومشربه‪ ،‬ويتجنب الشبهات‪ ،‬وهذه الخصلة تدل على بلوغه‬
‫فى أهمية طيب المطعم والمشرب‬
‫عليا في التقوى‪ ،‬ول َيخ َ‬
‫درجات ُ‬

‫)( الحسان في تقريب صحيح بن حيان )‪(15/300‬؛ مسلم رقم ‪.863‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( البخاري رقم ‪.3665‬‬ ‫‪2‬‬
‫ً‬
‫)( الزهد للمام أحمد )‪ (110‬نقل عن التاريخ السلمي للحميدي ) ‪.(19/13‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-113-‬‬
‫والملبس في الدين‪ ،‬وعلقة ذلك بإجابة الدعاء)‪ ،(1‬كمعا فعي حعديث‬
‫الشعث الغبر وفيه‪) :‬يمد يديه الى السماء‪ :‬يارب ومطعمه حعرام‪،‬‬
‫ومشربه حععرام‪ ،‬وملبسععه حععرام‪ ،‬وغُععذي بععالحرام‪ ،‬فععأنى ُيسععتجاب‬
‫لذلك()‪.(2‬‬
‫‪ -6‬أدخلني في السلم‪ ،‬كما أدخلتماني في الحرب‪:‬‬
‫فسعمع صعوت ابنتعه‬ ‫دخعل أبعوبكر الصعديق ‪ τ‬علعى النععبي ‪ε‬‬
‫عائشة عاليا ً فلما اقترب منها تناولها ليلطمها وقععال‪ :‬اراك ترفعيععن‬
‫صوتك على رسول الله‪ ،‬فجعل رسول الله بحجععزه‪ ،‬وخععرج أبععوبكر‬
‫لعائشة حين خرج أبوبكر‪ :‬أرايت كيف أنقذتك‬ ‫مغضبا ً فقال النبي ‪ε‬‬
‫من الرجل؟ فمكععث أبععوبكر أيام عًا‪ ،‬ثععم أسععتأذن علععى رسععول اللععه‬
‫فوجدهما قد اصععطلحا‪ .‬فقععال لهمععا‪) :‬أدخلنععي فععي سععلمكما‪ ،‬كمععا‬
‫أدخلتماني في حربكما( فقال النبي ‪) :ε‬قد فعلنا()‪.(3‬‬
‫‪-7‬أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر‪:‬‬
‫دخل أبوبكر على عائشععة رضععي اللععه عنهععم فععي أيععام العيععد‪،‬‬
‫وعنععدها جاريتععان مععن النصععار تغنيععان فقععال أبععوبكر ‪ :τ‬أبمزمععار‬
‫معرضعا ً‬ ‫الشيطان في بيت رسععول اللععه ‪ε‬؟ وكععان رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫بععوجهه عنهمععا‪ ،‬مقبل ً بععوجهه الكريععم الععى الحععائط‪ .‬فقععال‪ :‬دعهمععا‬
‫ياأبابكر‪ ،‬فإن لكل قععوم عيععدًا‪ ،‬وهععذا عيععدنا أهععل السععلم)‪ ،(4‬ففععي‬

‫)( التاريخ السلمي للحميدي )‪.(19/13‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( مسلم‪ ،‬كتاب ‪ ،‬رقم ‪.(2/703 ) 1015‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( ابو داود )‪ ،(4999‬ضعفه اللباني في ضعيف سنن ابي داود؛ سيرة الصديق‪ ،‬مجععدي‬ ‫‪3‬‬
‫السيد ‪ ،‬ص ‪136‬‬
‫)( مسلم في صلة العيدين رقم ‪.892‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪114‬‬
‫وأصحابه الجتماع‬ ‫الحديث بيان ‪ :‬أن هذا لم يكن من عادة النبي ‪ε‬‬
‫أقععر‬ ‫عليععه‪ ،‬ولهععذا سععماه الصععديق مزمععار الشععيطان‪ ،‬والنععبي ‪ε‬‬
‫الجواري عليه معلل ً ذلك بأنه يوم عيععد‪ ،‬والصععغار يرخععص لهععم فععي‬
‫اللعب في العياد‪ ،‬كما جاء في الحديث‪ :‬ليعلم المشععركون أن فععي‬
‫ديننا فسحة)‪ .(1‬وكان لعائشة ل َُعب تلعب بهن ويجئن صواحباتها مععن‬
‫صغار النسوة يلعبن معها‪ ،‬وليس في حديث الجاريتين أن النععبي ‪ε‬‬
‫استمع الععى ذلععك‪ ،‬والمععر والنهععي إنمععا يتعلععق بالسععتماع لبمجععرد‬
‫السماع)‪ .(2‬ومن هذا نفهم أنه يرخص لمن يصلح له اللعب أن يلعب‬
‫في العياد‪ ،‬كالجاريتين الصغيرتين من النصععار اللععتين تغنيععان فععي‬
‫العيد في بيت عائشة)‪.(3‬‬
‫‪ -8‬أكرامه للضيوف‪:‬‬
‫قال عبدالرحمن بن أبي بكععر رضعي اللععه عنهمععا‪ :‬أن أصععحاب‬
‫قعال معرة‪ :‬معن كعان‬ ‫الصفة كانوا أناسا ً فقراء‪ ،‬وأن رسول اللعه ‪ε‬‬
‫عنده طعام اثنيعن فليععذهب بثععالث‪ ،‬ومعن كععان عنعده طععام أربععة‬
‫فليذهب بخامس‪ ،‬وإن أبابكر جععاء بثلث‪ ...‬وإن أبععابكر تعشععى عنععد‬
‫فجععاء بعععد أن مضعى مععن الليععل ماشععاء اللععه تعععالى‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫فقالت له امرأته‪ :‬ماحبسك عن أضيافك؟ أو قالت عن ضيفك‪ ،‬قال‬
‫وماعشيتهم؟ قالت‪ :‬أبوا حتى تجيء‪ ،‬وقد عرضوا عليهععم فغلبععوهم‬

‫)( الفتاوى )‪(11/308‬؛ مسند أحمد )‪ (233 ،6/116‬عن عائشة‪.‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( نفس المصدر )‪.(30/118‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( المصدر السابق )‪.(30/118‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-115-‬‬
‫‪ -‬فجععدع وسععب‪ ،‬وقععال‪:‬‬ ‫يععاعنثر)‪(1‬‬ ‫قال‪ :‬فذهبت أنا فاختبأت‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫كلوا هنيئا ً وقال‪ :‬واللععه لأطعععم أبععدًا‪ ،‬وحلععف الضععيف أن ليطعمععه‬
‫حتى يطعم أبوبكر‪ ،‬فقال أبعوبكر‪ :‬هعذه معن الشعيطان‪ ،‬قعال فعدعا‬
‫بالطعام فأكل‪ ،‬فقال‪ :‬وأيم الله ماكنا نأخذ لقمة إل ربا من أسععفلها‬
‫أكثر منها‪ ،‬فقال حتى شبعوا وصععارت أكععثر ممععا كععانت قبععل ذلععك‪،‬‬
‫فنظر إليها فععإذا هععي كمععا هععي وأكععثر فقععال لمرأتععه‪ :‬يععاأخت بنععي‬
‫فراس ماهذا؟ قالت‪ :‬ل وقرة عيني هي الن لكثر منهععا قبععل ذلععك‬
‫بثلث مرات‪ ،‬فأكععل أبععوبكر وقععال‪ :‬إنمععا كععان ذلععك مععن الشععيطان‬
‫‪-‬يعني يمينه‪ -‬ثععم أكععل منهععا لقمععة ثععم حملهععا الععى رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫فأصبحت عنده‪ ،‬وكان بيننا وبين القوم عقد فمضى الجععل فتفرقنععا‬
‫اثنى عشر رجل ً مع كل واحد منهم أناس الله أعلم كم مع كل رجل‬
‫منهم فأكلوا منها أجمعين)‪.(2‬‬
‫وفي هذه القصة دروس وعبر منها‪:‬‬
‫أ‪ -‬حععرص الصععديق علععى تطععبيق اليععات القرآنيععة والحععاديث‬
‫ه‬ ‫النبوية التي تحث على إكرام الضيف مثععل قععوله تعععالى‪} :‬فَ َ‬
‫قّرب َ ُ‬
‫إل َيهم َقا َ َ ْ‬
‫ن{ )سورة الذاريات‪ ،‬الية ‪.(27‬‬ ‫ل أل ت َأك ُُلو َ‬ ‫ِ ِْ ْ‬
‫وقوله ‪) :ε‬من كان يؤمن بالله واليوم الخر‪ ،‬فيلكععرم ضععيفه(‬
‫) ‪. (3‬‬
‫ب‪ -‬وفي هذه القصة كرامة للصديق حيث جععل ليأكعل لقمعة‬
‫)( غنثر‪ :‬الثقيل الوخيم وقيل الجاهل‪.‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( مسلم‪ ،‬كتاب الشربة رقم ‪.2057‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( مسلم )‪.(3/1353‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪116‬‬
‫إل ربي من أسفلها أكثر منها فشبعوا‪ ،‬وصارت أكثر ممععا هععي قبععل‬
‫ذلك‪ ،‬فنظر إليها أبوبكر وامرأته فإذا هي أكثر ممععا كععانت‪ ،‬فرفعهععا‬
‫وشععبعوا)‪(1‬‬ ‫الى رسول الله ‪ ،ε‬وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منهععا‬
‫في كافة‬ ‫وهذه الكرامة حصلت ببركة اتباع الصديق لرسول الله ‪ε‬‬
‫أحععواله وهععي تععدل علععى مقععام الوليععة للصععديق فأوليععاء اللععه هععم‬
‫فيفعلععون مععاأمر بععه وينتهععون عمععا عنععه زجععر‪،‬‬ ‫المقتدون بمحمد ‪ε‬‬
‫ويقتدون به فيما بين لهم أن يتبعوه فيععه‪ ،‬فيؤيععدهم بملئكتععه وروح‬
‫منه ويقذف الله في قلوبهم من أنواره‪ ،‬ولهم الكرامات التي يكعرم‬
‫الله بها أولياؤه المتقين)‪.(2‬‬
‫ج‪ -‬تقول السيدة عائشة رضي الله عنها‪ :‬إن أبابكر لععم يحنععث‬
‫في يمين قط حتى أنزل الله كفارة اليميععن‪ ،‬فقععال‪ :‬ل أحلععف علععى‬
‫يمين فرأيت غيرها خير منها إل أتيعت العذي هعو خيعر وكفعرت ععن‬
‫يميني)‪ ،(3‬فكان إذا حلف على شيء ورأى غيره خيرا ً منه كفر وأتى‬
‫الذي هو خير)‪ ،(4‬وفي هذه القصة مايدل على ذلك حيث ترك يمينه‬
‫الولى أكراما ً لضيوفه وأكل معهم)‪.(5‬‬
‫‪ -9‬ماهي بأول بركتكم ياآل أبي بكر‪:‬‬
‫فععي‬ ‫قالت عائشة رضي الله عنها‪ :‬خرجنا مععع رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء ‪ -‬أو بذات الجيععش‪ -‬انقطععع عقععد‬

‫الفتاوى )‪.(11/153‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫الفتاوى )‪.(11/152‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫سنن البيهقي )‪ (10/34‬نقل ً عن موسوعة فقه أبي بكر‪ ،‬ص ‪.240‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫مصنف ابن أبي شيبة )‪ (1/158‬نقل ً عن موسوعة فقة أبي بكر‪ ،‬ص ‪.240‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫موسوعة فقه أبي بكر‪ ،‬ص ‪.241‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪-117-‬‬
‫على التماسه‪ ،‬وأقام النععاس معععه‪ ،‬وليععس‬ ‫لي فأقام رسول الله ‪ε‬‬
‫علعى معاء وليععس معهعم مععاء فعأتى النعاس أبعابكر فقعالوا‪ :‬ألتعرى‬
‫وبالنععاس معععه وليسععوا‬ ‫ماصنعت عائشة؟ أقععامت برسععول اللععه ‪ε‬‬
‫واضع رأسه‬ ‫على ماء وليس معهم ماء فجاء أبوبكر ورسول الله ‪ε‬‬
‫ت رسععول اللععه ‪ ε‬والنععاس وليسععوا‬
‫حَبس ٍ‬
‫ذي قد نام فقال‪ِ :‬‬ ‫على فَ ِ‬
‫خ ِ‬
‫على ماء وليععس معهععم مععاء قلععت‪ :‬فعععاتبين وقععال ماشععاء اللععه أن‬
‫يقول‪ ،‬وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فل يمنعني من التحععرك إل‬
‫حععتى أصععبح‬ ‫مكان رسول الله ‪ ε‬على فخذي فنععام رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫دا ط َي ّب ًععا{‬
‫صعِعي ً‬
‫موا َ‬ ‫على غير ماء فأنزل الله آية التيمم‪....}:‬فَت َي َ ّ‬
‫م ُ‬
‫)سععورة النسععاء‪ ،‬اليععة ‪ .(43‬فقععال أسععيد بععن حضععير‪ :‬مععاهي بععأول‬
‫بركتكم ياآل أبي بكر فقالت عائشة‪ :‬فبعثنا البعير الذي كنععت عليععه‬
‫فوجدنا العقد تحته()‪.(1‬‬
‫وفععي هععذه القصععة يظهععر حععرص الصععديق علععى التععأدب مععع‬
‫رسوله‪ ،‬وحساسيته الشديدة على أن يضععايقه شععيئا ً ول يقبععل ذلععك‬
‫ولو كان من أقععرب النععاس وأحبهععم الععى رسععول اللععه ‪ ،ε‬كعائشععة‬
‫قععدوة للععدعاة فععي الدب الجععم مععع‬ ‫رضي الله عنهم‪ ،‬فقععد كععان ‪τ‬‬
‫النبي ‪ ε‬ومع نفسه ومع المسلمين) (‪.‬‬
‫‪2‬‬

‫‪ -10‬انتصار النبي للصديق رضي الله عنه‪:‬‬


‫كعان‬ ‫لقد ثبت من الحاديث الصحيحة مايدل على أن النعبي ‪ε‬‬
‫)( البخاري رقم ‪.3672‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( تاريخ الدعوة السلمية‪ ،‬ص ‪.402،403‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪118‬‬
‫ينتصر لبي بكر وينهى الناس عن معارضععته‪ ،‬فعععن أبععي الععدرداء ‪τ‬‬
‫قال‪ :‬كنت جالسا ً مع النبي ‪ ε‬إذ أقبل ابوبكر آخذا ً بطرف ثوبه حتى‬
‫أبععدى عععن ركبتععه‪ ،‬فقععال النععبي ‪) :ε‬أمععا صععاحبكم فقععد غععامر() (‪،‬‬
‫‪1‬‬

‫فسلم‪ ،‬وقال‪ :‬يارسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطععاب شععيء‬
‫فأسرعت إلي ثم ندمت‪ ،‬فسألته أن يغفر لي فععأبي علععي‪ ،‬فععأقبلت‬
‫إليك‪ .‬فقال‪ :‬يغفر الله لك ياأبابكر ثلثًا‪ .‬ثم إن عمر ندم فأتى منزل‬
‫أبي بكر فسأل ‪ :‬أثم أبوبكر؟ قالوا‪ :‬ل‪ .‬فأتى النبي ‪ ε‬فسععلم عليععه‪،‬‬
‫فجععثى‬ ‫أبععوبكر)‪(3‬‬ ‫يتمعععر)‪ ،(2‬حععتى أشععفق‬ ‫فجعل وجه رسول الله ‪ε‬‬
‫على ركبتيه فقال يارسععول اللععه‪ :‬واللععه أنععا كنععت أظلععم مرتيععن)‪،(4‬‬
‫فقال النبي ‪ :ε‬إن الله بعثني إليكم فقلتععم‪ :‬كععذبت‪ ،‬وقععال ابععوبكر‪:‬‬
‫صدق‪ ،‬وواسععاني بنفسععه ومععاله)‪ ،(5‬فهععل أنتععم تععاركوا لععي صععاحبي‬
‫مرتين‪ .‬فما أوذي بعدها)‪.(6‬‬
‫وفي هذه القصة دروس وعبر كععثيرة منهععا؛ الطبيعععة البشععرية‬
‫للصععحابة ومايحععدث بينهععم مععن خلف‪ ،‬وسععرعة رجععوع المخطععئ‬
‫وطلب المغفرة والصفح من أخيه‪ ،‬تواد الصحابة فيما بينهم‪ ،‬مكانععة‬
‫ثم أصحابه‪.......‬الخ‪.‬‬ ‫الصديق الرفيعة عند رسول الله ‪ε‬‬
‫‪ -11‬قل‪ :‬غفر الله لك ياأبابكر‪:‬‬

‫غامر‪ :‬خاصم‪ .‬أي دخل في غمرة الخصومة‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫يتمعر‪ :‬تذهب نضارته من الغضب‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫أن يكون لعمر من الرسول مايكره‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫لنه هو الذي بدأ‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫المراد به أن صاحب المال يجعل يده ويد صاحبه في ماله سواء‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬
‫لما أظهره النبي ‪ ε‬من تعظيمه‪ ،‬البخاري رقم ‪.3661‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪-119-‬‬
‫قال ربيعة السلمي ‪ :τ‬كنت أخدم النبي ‪ε‬‬
‫‪...‬وذكر حععديثا ً ثععم‬
‫قال‪ :‬إن رسول الله ‪ ε‬أعطاني بعد ذلك ارضا ً وأعطى أبوبكر أرضا ً‬

‫دي‪،‬‬
‫وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلة‪ ،‬فقلععت أنععا‪ :‬هععي فععي ح ع ّ‬
‫وقال أبوبكر‪ ،‬هي في حدي‪ ،‬فكان بيني وبين أبعي بكععر كلم‪ ،‬فقععال‬
‫ابوبكر كلمة كرهها وندم فقععال لععي‪ :‬ياربيعععة رد عليهععا مثلهععا حععتى‬
‫تكععون قصاصععًا‪ ،‬قععال‪ :‬قلععت‪ :‬ل أفعععل‪ ،‬فقععال أبععوبكر‪ :‬لتقععولن أو‬
‫لستعدين عليك رسول الله ‪ ،ε‬فقلت‪ :‬ماأنا بفاعععل‪ ،‬قععال‪ :‬ورفععض‬
‫الى النععبي ‪ ،ε‬وانطلقععت أتلععوه‪ ،‬فجععاء‬ ‫الرض) (‪ ،‬وأنطلق أبوبكر ‪τ‬‬
‫‪1‬‬

‫ناس من أسلم فقالوا لي‪ :‬رحم الله أبابكر‪ ،‬في أي شيء يسععتعدي‬
‫وهو قد قععال لععك ماقععال‪ ،‬قلععت‪ :‬اتععدرون مععن‬ ‫عليك رسول الله ‪ε‬‬
‫هععذا؟ هععذا أبععوبكر الصععديق‪ ،‬هععذا ثععاني أثنيععن‪ ،‬وهععذا ذو شععيبة‬
‫المسلمين‪ ،‬إياكم ل يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضععب‪ ،‬فيععأتي‬
‫رسول الله ‪ ε‬فيغضععب لغضععبه فيغضععب اللععه عععز وجععل لغضععبهما‬
‫فيهلك ربيعة‪ ،‬قال‪ :‬ماتأمرنا؟ قال‪ :‬ارجعوا‪ ،‬قال‪ :‬فانطلق أبععوبكر ‪τ‬‬
‫الى رسول الله ‪ ε‬فتبعته وحدي حتى أتى النبي ‪ ε‬فحعدثه الحعديث‬
‫ي رأسه فقعال‪ :‬ياربيعععة مالععك وللصعديق؟ قلععت‪:‬‬
‫كما كان‪ ،‬فرفع إل ّ‬
‫يارسول الله كان كذا كان كذا‪ ،‬قال لي كلمة كرهها فقال‪ :‬قل لععي‬
‫كما قلت حتى يكون قصاصا ً فابيت‪ ،‬فقال رسول اللععه ‪ :ε‬أجععل فل‬
‫ترد عليه‪ ،‬ولكن قل‪ :‬غفر الله لععك ياأبععابكر‪ ،‬فقلععت‪ :‬غفععر اللععه لععك‬

‫)( أي فارق أبوبكر الرض‪.‬‬ ‫‪1‬‬


‫‪120‬‬
‫وهو يبكي)‪.(1‬‬ ‫ى ابوبكر ‪τ‬‬
‫ياأبابكر‪ .‬قال الحسن )البصري(‪ :‬فول ّ‬
‫)لله أي وجدان هذا الوجدان‪ ،‬وأي نفععس تلععك النفععس‪ ،‬بععادرة‬
‫بدرت منها لمسلم فلم ترض إل قتصاصه منها‪ ،‬وصفحه عنها‪ ،‬تناهيا‬
‫بالفضيلة‪ ،‬واستمسكا بععالدب وشعععورا ً تمكععن مععن الجوانععح‪ ،‬وأخععذ‬
‫بمجامع القلوب‪ ،‬فكانت عنده زلة اللسان ولو صغيرة ألما يتملمععل‬
‫منه الضمير فل يستريح إل بالقصاص منه‪ ،‬ورضا ذلك المسلم عنه(‬
‫) ‪. (2‬‬
‫موجعًا‪..‬فإذا أبععوبكر‬
‫كانت كلمة هينة‪ ،‬ولكنها أصابت من ربيعة َ‬
‫ي َُزلز ُ‬
‫ل معن أجلهعا‪ ،‬ويعأبى إل القصعاص عليهعا‪ ،‬معع أنعه يعومئذ كعان‬
‫الرجل الثاني في السلم بعد رسول الله ‪ ،ε‬وهي كلمة ليمكن أن‬
‫تكون من ُفحش القول أبدًا‪ :‬لن أخلقه لم تسععمع بهعذا‪ ،‬ولععم يعؤثر‬
‫عنه حتى في الجاهلية شيء من هذا)‪.(3‬‬
‫لقد خشي الصديق مغبة تلك الكلمعة‪ ،‬ولهعذا اشعتكى لرسعول‬
‫الله ‪ ،‬وهذا أمر عجيب فإن أبععابكر قععد نسععى أرضععه ونسععى قضععية‬
‫الخلف‪ ،‬وشغل باله أمر تلك الكلمة لن حقوق العباد لبد فيها مععن‬
‫عفو صاحب الحق)‪ ،(4‬وفععي هععذا درس للشععيوخ والعلمععاء والحكععام‬
‫والدعاة في كيفية معالجة الخطاء ومراعععاة حقععوق النععاس وعععدم‬
‫الدوس عليها بالرجل‪.‬‬

‫مسند أحمد )‪.(59-4/58‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫أشهر مشاهير السلم )‪.(1/88‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫خلفاء الرسول‪ ،‬خالد محمد خالد‪ ،‬ص ‪.103‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫التاريخ السلمي )‪.(19/16‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪-121-‬‬
‫وقد استنكر قوم ربيعة أن يذهب أبوبكر يشععتكي الععى رسععول‬
‫وهو الذي قال ماقال‪ ،‬ولم يعلموا ماعلمه أبوبكر مععن لععزوم‬ ‫الله ‪ε‬‬
‫إنهاء قضايا الخصومات‪ ،‬وإزالة ماقد يعلق في القلوب من الوجععدة‬
‫في الدنيا قبل أن يكتب ذلك في الصععحف ويععترتب عليععه الحسععاب‬
‫يوم القيامة‪.‬‬
‫الععى عععدم‬ ‫وبالرغم مما ظهر من رضى ربيعة وتوجيه النبي ‪ε‬‬
‫الرد على أبي بكر فإن أبابكر قد بكى من خشية الله تعععالى‪ ،‬وهععذا‬
‫دليل على قوة إيمانه‪ ،‬ورسوخ يقينه‪.‬‬
‫وأخيرا ً موقف يذكر لربيعة بن كعععب السععلمي ‪ ،τ‬حيععث قععام‬
‫بإجلل أبي بكر ‪ ،τ‬وأبى أن يرد عليه بالمثل‪ ،‬وهذا من تقععدير أهععل‬
‫الفضععل والتقععدم والمعرفععة بحقهععم‪ ،‬وهععو دليععل علععى قععوة الععدين‬
‫ورجاحة العقل)‪.(1‬‬
‫‪ -12‬مسابقته في الخيرات‪:‬‬
‫بععالخلق الحميععدة‪ ،‬والصععفات الرفيعععة‬ ‫اتصععف الصععديق ‪τ‬‬
‫ومسابقته في الخيرات حتى صعار فعي الخيععر قعدوة‪ ،‬وفعي مكعارم‬
‫الخلق أسوة‪ ،‬وكان حريصا ً أشد الحرص على الخيرات‪ ،‬فقد أيقععن‬
‫أن مايمكن أن يقوم به المرء اليوم‪ ،‬قد يكون غير ممكن في الغععد‪،‬‬
‫فاليوم عمل ول حساب‪ ،‬وغععدا ً حسععاب ول عمععل ولععذلك كععان مععن‬
‫قعال رسعول اللعه ‪:ε‬‬ ‫المسارعين في الخيرات‪ ،‬فعن أبي هريرة ‪τ‬‬
‫من أصبح منكم صائمًا؟ قال أبوبكر‪ :‬أنا‪ .‬قال‪ :‬فمن تبع منكم اليععوم‬

‫)( نفس المصدر )‪.(19/16‬‬ ‫‪1‬‬


‫‪122‬‬
‫جنازة؟ قال أبععوبكر‪ :‬أنععا‪ .‬قععال‪ :‬فمععن أطعععم منكععم مسععكينًا؟ قععال‬
‫أبوبكر‪ :‬أنا‪ .‬قال‪ :‬فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبوبكر‪ :‬أنا‪.‬‬
‫فقال رسول الله ‪ :ε‬مااجتمعن في امرئ إل دخل الجنة)‪.(1‬‬
‫‪ -13‬كظمه للغيظ‪:‬‬
‫قععال ابععوهريرة ‪ :τ‬إن رجل ً شععتم أبععابكر‪ ،‬ورسععول اللععه ‪ε‬‬
‫جالس‪ ،‬فجعل النبي ‪ ε‬يعجب ويبتسم‪ ،‬فلما أكثر الرجععل‪ ،‬رد عليععه‬
‫أبوبكر بعض قوله‪ ،‬فغضب النععبي ‪ ،ε‬وقععام فلحقععه أبععوبكر‪ ،‬وقععال‪:‬‬
‫يارسول الله‪ ،‬كان يشتمني وأنععت جععالس‪ ،‬فلمععا أكععثر رددت عليععه‬
‫بعض قوله‪ ،‬غضبت وقمت!! فقال عليه الصلة والسععلم‪ :‬إنععه كععان‬
‫معك ملك يرد عنك‪ ،‬فلما رددت عليه بعععض قععوله وقععع الشععيطان‪،‬‬
‫ن حععق‪:‬‬
‫فلم أكن لقعد مععع الشععيطان ثععم قععال‪ :‬ياأبععابكر ثلث كله ع ّ‬
‫مامن عبد ظلم بمظلمة‪ ،‬فيغضي عنها لله عز وجل إل أعز الله بهعا‬
‫نصره‪ ،‬ومافتح رجل بععاب عطيععة‪ ،‬يريععد بهععا صععلة إل زاده اللععه بهععا‬
‫كثرة‪ ،‬ومافتح رجععل بععاب مسععألة يريععد بهععا كععثرة إل زاده اللععه بهععا‬
‫قلة)‪.(2‬‬
‫اتصف بكظععم الغيععظ ولكنععه رد مععاظن أنععه بععه‬ ‫إن الصديق ‪τ‬‬
‫في الحلم والناة‪ ،‬وأرشده الععى‬ ‫يسكت هذا الرجل‪ ،‬فرغبه النبي ‪ε‬‬
‫ضرورة تحليه بالصبر في مواطن الغيظ فإن الحلععم وكظععم الغيععظ‬
‫مما يزيد المرء ويحمله في أعيععن النععاس‪ ،‬ويرفععع قععدره عنععد اللععه‬

‫)( صحيح مسلم رقم ‪.1028‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( الدر المنثور للسيوطي )‪2/74‬؛ مجمع الزوائد )‪ (8/190‬حديث مرسل‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-123-‬‬
‫تعالى‪.‬‬
‫على عدم‬ ‫ويتبين لنا كذلك من هذا الموقف حرص الصديق ‪τ‬‬
‫إغضاب النبي ‪ ε‬والمسارعة الى إرضائه وفي الحديث ذم الغضععب‬
‫للنفس‪ ،‬والنهي عنه‪ ،‬والتحذير منه‪ ،‬واعتزال النبياء للمجالس التي‬
‫يحضرها الشععيطان‪ ،‬وبيععان الفضععل للمظلععوم‪ ،‬الصععابر‪ ،‬المحتسععب‬
‫للجععر والثععواب‪ ،‬وفيععه حععث علععى العطايععا‪ ،‬وصععلة الرحععام‪ ،‬وذم‬
‫للمسألة وأهلها‪.‬‬
‫وظل الصديق متمسععكا ً بععالحلم‪ ،‬وكظععم الغيععظ‪ ،‬حععتى عُععرف‬
‫بالحلم والناة‪ ،‬ولين الجانب‪ ،‬والرفععق‪ ،‬وهععذا ليعنععي أن أبععابكر لععم‬
‫يكن يغضب‪ ،‬وإنما كان غضبه لله تعالى‪ ،‬فإذا رأى محععارم اللععه قععد‬
‫انتهكت غضب لذلك غضبا ً شديدا ً)‪.(1‬‬
‫متأمل ً ومتفكرا ً وعععامل ً بقععوله تعععالى‬ ‫لقد عاش رسول الله ‪ε‬‬
‫ت‬ ‫وا ُ‬‫م َ‬ ‫سعع َ‬‫ضععَها ال ّ‬‫جن ّةٍ ع َْر ُ‬ ‫ن َرب ّك ُ ْ‬
‫م وَ َ‬ ‫م ْ‬ ‫فَرةٍ ِ‬ ‫مغْ ِ‬ ‫عوا إ َِلى َ‬ ‫سارِ ُ‬ ‫}وَ َ‬
‫سععّراِء‬ ‫ن ِفععي ال ّ‬ ‫قععو َ‬ ‫ن ي ُن ْفِ ُ‬
‫ذي َ‬‫ن`اّلعع ِ‬ ‫قيعع َ‬ ‫ت ل ِل ْ ُ‬
‫مت ّ ِ‬ ‫عععد ّ ْ‬ ‫ض أُ ِ‬ ‫َ‬
‫َوالْر ُ‬
‫ه‬‫س َوالّلع ُ‬ ‫ن الّنعا ِ‬ ‫ن ع َع ِ‬‫ظ َوال َْععاِفي َ‬ ‫ن ال ْغَي ْع َ‬‫مي َ‬ ‫كعاظ ِ ِ‬ ‫ضعّراِء َوال ْ َ‬ ‫َوال ّ‬
‫ن`{ )سورة آل عمران‪ ،‬اليتين ‪.(133،134‬‬ ‫سِني َ‬ ‫ح ِ‬ ‫م ْ‬‫ب ال ْ ُ‬ ‫ح ّ‬‫يُ ِ‬
‫‪ -14‬بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي‪:‬‬
‫ح ابن أ َُثاَثة‪ ،‬فلمععا قعال فعي عائشعة‬
‫سط َ َ‬ ‫كان أبوبكر ‪ τ‬ي َُعول ِ‬
‫م ْ‬
‫رضي الله عنها ماقال‪ ،‬في حعديث الفععك المشععهور ‪ -‬أقسععم بععالله‬
‫ل ُأول ُععو‬ ‫ْ‬
‫أبوبكر أل ينفعه أبدًا‪ ،‬فلما أنععزل اللععه عععز وجععل‪َ} :‬ول ي َأت َ ِ‬

‫)( سيرة وحياة الصديق‪ ،‬مجدي فتحي السيد‪ ،‬ص ‪.145‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪124‬‬
‫ن‬
‫كي َ‬
‫سععا ِ‬ ‫م َ‬ ‫قْرب َععى َوال ْ َ‬‫ن ي ُؤ ُْتوا ُأول ِععي ال ْ ُ‬ ‫َ‬
‫سعَةِ أ ْ‬ ‫م َوال ّ‬ ‫من ْك ُ ْ‬‫ل ِ‬ ‫ض ِ‬ ‫ف ْ‬ ‫ال ْ َ‬
‫ن‬ ‫حوا َأل ت ُ ِ‬
‫حب ّععو َ‬ ‫ف ُ‬
‫صع َ‬ ‫فععوا وَل ْي َ ْ‬
‫ل الل ّهِ وَل ْي َعْ ُ‬ ‫سِبي ِ‬ ‫ن ِفي َ‬ ‫ري َ‬ ‫ج ِ‬‫مَها ِ‬ ‫َوال ْ ُ‬
‫َ‬
‫م{ )سورة النور‪ ،‬الية ‪.(22‬‬ ‫حي ٌ‬‫فوٌر َر ِ‬ ‫ه غَ ُ‬ ‫م َوالل ّ ُ‬ ‫ه ل َك ُ ْ‬‫فَر الل ّ ُ‬ ‫ن ي َغْ ِ‬ ‫أ ْ‬
‫قال ابوبكر ‪ :‬والله إني أحب أن يغفعر اللعه لعي فرجعع العى النفقعة‬
‫التي كان ينفق عليه وقال‪ :‬واللعه ل أنزعهععا منععه أبعدا ً)‪ .(1‬لقعد فهععم‬
‫الصديق من الية بأن على المؤمن التخلق بأخلق الله‪ ،‬فيعفو عععن‬
‫الهفوات والزلت والمزالععق‪ ،‬فععإن فعععل‪ ،‬فععالله يعفععو عنععه ويسععتر‬
‫ن ي َغْفِ عَر‬ ‫حبو َ‬ ‫َ‬
‫نأ ْ‬‫ذنوبه‪ ،‬وكما تدين تدان‪ ،‬والله سبحانه قال‪ }:‬أل ت ُ ِ ّ َ‬
‫م{ أي كما تحبون عفو اللععه عععن ذنععوبكم فكععذلك اغفععروا‬ ‫ه ل َك ُ ْ‬
‫الل ّ ُ‬
‫وكما أن في الية مععن حلععف علععى شععيء أل يفعلععه‪،‬‬ ‫دونكم)‪(2‬‬ ‫لمن‬
‫فععر عععن يمينععه‪ ،‬وقععال بعععض‬
‫فرأى أن فعله أولى من تركه‪ ،‬أتاه وك ّ‬
‫العلماء‪ :‬هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى‪ ،‬من حيععث لطععف اللععه‬
‫بالقذفة العصاة بهذا اللفظ)‪.(3‬‬
‫لقد دلت هذه الية على أن أبا بكر أفضل الناس بعد النبي ‪،ε‬‬
‫لن الله وصفه بصفات عجيبة في هذه الية‪ ،‬دالة علععى علععو شععأنه‬
‫في الدين‪ ،‬أورد الرازي في تفسيره أربععع عشععرة صععفة مسععتنبطة‬
‫ل ُأوُلو ال ْ َ‬ ‫ْ‬
‫ة{ منها أنه‬
‫سعَ ِ‬ ‫من ْك ُ ْ‬
‫م َوال ّ‬ ‫ل ِ‬
‫ض ِ‬
‫ف ْ‬ ‫من هذه الية‪َ} :‬ول ي َأت َ ِ‬
‫وصععفه بععأنه صععاحب الفضععل علععى الطلق مععن غيععر تقييععد لععذلك‬
‫بشخص دون شخص‪ ،‬والفضل يدخل فيه الفضال‪ ،‬وذلك يدل علععى‬
‫أنه ‪ ،τ‬كان فاضل ً على الطلق كان مفضل ً على الطلق‪.‬ومنها أنعه‬
‫)( البخاري رقم ‪.4750‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( تفسير المنير )‪.(18/190‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( نفس المصدر )‪.(18/190‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-125-‬‬
‫لمععا وصععفه تعععالى بععأنه أولععوا الفضععل والسعععة بععالجمع ل بالواحععد‬
‫وبالعموم لبالخصوص على سبيل المدح‪ ،‬وجب أن يقعال‪ :‬إنعه كعان‬
‫خاليا ً عن المعصية لن الممعدوح إلعى هعذا الحعد ليكعون معن أهعل‬
‫النار)‪.(1‬‬
‫‪-15‬خروجه للتجارة من المدينة إلى الشام‪:‬‬
‫للتجارة إلى بصععرى ببلد الشععام فععي‬ ‫خرج أبو بكر الصديق ‪τ‬‬
‫عهد النععبي ‪ ε‬مععامنعه حبععه لملزمععة النععبي مععن الععذهاب للتجععارة‪،‬‬
‫ولمنع النبي ‪ ε‬الصديق من ذلععك مععع شععدة حبععه لععه) (‪ .‬وفععي هععذا‬
‫‪2‬‬

‫أهمية أن يكون للمسلم مصدر رزق يستغني به عن سؤال النععاس‪،‬‬


‫بل ويساهم بهذا الرزق في إغاثة الملهوف‪ ،‬وفععك العععاني ويسععارع‬
‫في ابواب النفاق التي يحبها الله‪.‬‬

‫لزوجه‪:‬‬ ‫‪ε‬‬ ‫وتزكية النبي‬ ‫‪τ‬‬ ‫‪-16‬غيرة الصديق‬


‫قال عبدالله بن عمرو بععن العععاص‪ :‬أن نفععرا ً مععن بنععي هاشععم‬
‫دخلوا على أسماء بنت عميس فدخل أبو بكر الصععديق وهععي تحتععه‬
‫يومئذ فرآهم‪ ،‬فكره ذلك‪ ،‬فذكر ذلك لرسععول اللععه‪ ،‬فقععال‪:‬إن اللععه‬
‫علععى المنععبر فقععال‪:‬‬ ‫تعالى قد برأها من ذلك ثم قام رسول الله ‪ε‬‬
‫ليدخل رجل بعد يومي هذا على مغيبة إل ومعه رجل أو اثنان)‪.(3‬‬
‫‪-17‬خوفه من الله تعالى‪:‬‬

‫)( تفسير الرازي )‪(18/351‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( الفتح الباري ) ‪ (4/357‬نقل ً عن الخلفة الراشدة والدولة الموية من فتح الباري‪ ،‬ص‬ ‫‪2‬‬
‫‪.163‬‬
‫)( الرياض النظرة في مناقب العشرة لبي جعفر أحمد الطبري‪ ،‬ص ‪.237‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪126‬‬
‫إن الخوف من الله عزوجل فضيلة تدفع العبد إلى الحععذر مععن‬
‫المعاصي‪ ،‬ومراقبة الله في السر والعلععن‪ ،‬فععتزكو أفعععاله‪ ،‬وتجمععل‬
‫س عَراِئي َ‬
‫ل‬ ‫أعماله وقد أمر المؤمنين بالخوف منععه فقععال‪َ} :‬ياب َِني إ ِ ْ‬
‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬
‫ف‬‫دي أو ِ‬ ‫م وَأوْفُععوا ب ِعَهْع ِ‬‫ت ع َل َي ْك ُع ْ‬ ‫مع ُ‬ ‫ي ال ّت ِععي أن ْعَ ْ‬ ‫اذ ْك ُعُروا ن ِعْ َ‬
‫مت ِع َ‬
‫ن{)سععورة البقععرة‪ ،‬آيععة‪ .(40:‬وقععال‪:‬‬ ‫م وَإ ِي ّععايَ فَععاْرهَُبو ِ‬ ‫ب ِعَهْ عد ِك ُ ْ‬
‫}َفاستقم ك َ ُ‬
‫مععا‬
‫ه بِ َ‬ ‫ك َول ت َط ْغَع ْ‬
‫وا إ ِن ّع ُ‬ ‫معَع َ‬ ‫ب َ‬ ‫ن ت َععا َ‬
‫مع ْ‬ ‫ت وَ َ‬
‫مْر َ‬ ‫ما أ ِ‬
‫ْ َِ ْ َ‬
‫ر{ )سورة هود‪ ،‬آية‪ .(112:‬وجعل للعبد الخائف منعه‬
‫صي ٌ‬ ‫مُلو َ‬
‫ن بَ ِ‬ ‫ت َعْ َ‬
‫ن{ )سععورة‬
‫جن َّتعا ِ‬
‫م َرب ّعهِ َ‬
‫قععا َ‬
‫م َ‬
‫ف َ‬
‫خعا َ‬
‫ن َ‬ ‫أجرا ً عظيما ً فقال‪} :‬وَل ِ َ‬
‫م ْ‬
‫الرحمن‪ ،‬آية‪.(46:‬‬
‫خطبععة ماسعمعت‬ ‫وعن أنعس ‪ τ‬قععال‪ :‬خطبنععا رسععول اللعه ‪ε‬‬
‫ل‪ ،‬ولبكيتم كععثيرًا‪،‬‬
‫مثلها قط فقال‪ :‬لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قلي ً‬
‫فغطى أصحاب رسول الله ‪ε‬‬
‫وجوههم ولهم خنين)‪.(1‬‬
‫وقد كان الصديق ‪ τ‬على جانب مععن الخععوف والرجععاء عظيععم‬
‫جعله قدوة عمليععة لكعل مسعلم سععواء حاكمعا ً أو محكومعا ً قععائدا ً أو‬
‫جنديًا‪ ،‬يريد النجاح والفلح في الخععرة)‪ ،(2‬فعععن محمععد بععن سععيرين‬
‫معن أبعي بكعر‪ .‬وعععن‬ ‫قال‪ :‬لم يكن أحد أهيب لما يعلم بعد النبي ‪ε‬‬
‫قيس قال‪ :‬رأيعت أبعا بكعر آخعذ بطعرف لسععانه ويقعول‪ :‬هعذا العذي‬
‫أوردنععي المععوارد)‪ ،(3‬وقععد قععال أبععو بكععر ‪ :τ‬ابكععوا فععإن لععم تبكععوا‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب التفسير‪ ،‬باب لتسألوا عن أشياء )‪.(6/68‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( تاريخ الدعوة الى السلم‪ ،‬يسري محمد ‪ ،‬ص ‪.396‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( صفة الصفوة )‪.(2/253‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-127-‬‬
‫وعن ميمون بن مهران قال‪ :‬أتععى أبععو بكععر بغععراب وافععر‬ ‫فتباكوا)‪(1‬‬

‫الجناحين فقلبه ثم قال‪ :‬ماصيد من صيد ولعضدت مععن شععجرة إل‬


‫بما ضيعت من التسبيح)‪ ،(2‬وعن الحسن قال‪ :‬قال أبععو بكععر‪ :‬واللععه‬
‫لوددت أني كنعت هعذه الشعجرة تؤكعل وتعضعد)‪ ،(3‬وقعال أبعو بكعر‪:‬‬
‫لوددت أني كنت شعرة في جنب عبد مععؤمن)‪ ،(4‬وكععان رضععي اللععه‬
‫عنه يتمثل بهذا البيت من الشعر‪:‬‬
‫لتزال تنعي حبيبا ً حتى تكونه‬
‫دونه)‪(5‬‬ ‫وقد يرجوا الرجا يموت‬
‫ثانيًا‪ :‬من أهم صفات الصديق وشيء من فضائله‪:‬‬
‫إن شخصية الصديق ‪ τ‬تعتبر شخصععية قياديععة وقععد اتصععف ‪τ‬‬
‫بصععفات القععائد الربععاني‪ ،‬ونجملهععا فععي أمععور ونركععز علععى بعضععها‬
‫بالتفصععيل‪ ،‬فمععن أهععم هععذه الصععفات‪ :‬سععلمة المعتقععد‪ ،‬والعلععم‬
‫الشرعي‪ ،‬والثقة بععالله‪ ،‬والقععدوة‪ ،‬والصععدق‪ ،‬والكفععاءة والشععجاعة‪،‬‬
‫والمععروءة‪ ،‬والزهععد‪ ،‬وحععب التضععحية‪ ،‬وحسععن اختيععاره لمعععاونيه‬
‫والتواضع وقبول التضحية‪ ،‬والحلععم‪ ،‬والصععبر‪ ،‬وعلعو الهمععة والحعزم‬
‫والرادة القوية‪ ،‬والعععدل‪ ،‬والقععدرة علععى حععل المشععكلت والقععدرة‬
‫على التعليم وإعداد القادة‪ ،‬وغير ذلععك معن الصعفات العتي ظهعرت‬
‫وفي العهععد المععدني‬ ‫للباحث في الفترة المكية في صحبته للنبي ‪ε‬‬
‫)( الزهد‪ ،‬للمام أحمد‪ ،‬باب زهد أبي بكر‪ ،‬ص ‪.108‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( الزهد للمام أحمد‪ ،‬باب زهد أبي بكر‪ ،‬ص ‪.110‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.112‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( المصدر السابق‪ ،‬ص ‪.112‬‬ ‫‪4‬‬
‫)( الزهد للمام أحمد‪ ،‬باب زهد أبي بكر‪ ،‬ص ‪.108‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪128‬‬
‫في غزواته مع رسول الله وحياته في المجتمع وظهر البعض الخععر‬
‫لما تسلم قيادة الدولة وأصبح خليفة رسول الله ‪ ،ε‬فقععد اسععتطاع‬
‫بتوفيق الله تعالى وبسبب مععا أودع اللععه فيععه مععن صععفات القيععادة‬
‫الربانية أن يحافظ على الدولة ويقمع حركة الععردة‪ ،‬وينتقععل بفضععل‬
‫الله وتوفيقه بالمة نحو أهعدافها المرسعومة بخطعوات ثابتعة‪ ،‬ومعن‬
‫أهععم تلععك الصعفات الععتي نحعاول تسعليط الضعواء عليهععا فعي هععذا‬
‫المبحععث‪ ،‬إيمععانه بععالله العظيععم‪ ،‬وعلمععه الراسععخ‪ ،‬وكععثرة دعععاؤه‬
‫وتضرعه لله تعالى‪.‬‬
‫‪-1‬عظمة إيمانه بالله تعالى‪:‬‬
‫كان إيمان الصعديق بععالله عظيمعًا‪ ،‬فقعد فهعم حقيقعة اليمعان‬
‫وتغلغلعة كلمععة التوحيععد فعي نفسععه وقلبععه وانعكسعت آثارهععا علعى‬
‫جوارحه وعاش بتلك الثععار فععي حيععاته‪ ،‬فتحلععى بععالخلق الرفيعععة‪،‬‬
‫وتطهر مععن الخلق الوضععيعة وحععرص علععى التمسععك بشععرع اللععه‬
‫وكان إيمانه بالله تعععالى باعث عا ً لععه علععى الحركععة‬ ‫والقتداء بهديه ‪ε‬‬
‫والهمة والنشاط والسعي‪ ،‬والجهععد والمجاهععدة‪ ،‬والجهععاد والتربيععة‪،‬‬
‫والستعلء والعزة‪ ،‬وكان في قلبه من اليقين واليمان شيء عظيم‬
‫ليساويه فيه أحد من الصحابة قال أبو بكععر بععن عيععاش‪ :‬ماسععبقهم‬
‫أبو بكر بكثرة صلة ولصيام ولكن بشيء وقععر فععي قلبععه)‪ ،(1‬ولهععذا‬
‫قيل‪ :‬لو وزن إيمان أبي بكععر بإيمععان أهععل الرض لرجععح‪ ،‬كمععا فععي‬
‫قال‪ :‬هل رأى أحععد منكععم رؤيععا؟‬ ‫السنن عن أبي بكرة عن النبي ‪ε‬‬
‫)( فضائل الصحابة للمام أحمد )‪.(1/173‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪-129-‬‬
‫فقال رجل أنا رأيت كأن ميزانا ً نزل من السماء فععوزنت أنععت وأبععو‬
‫بكر فرجحت أنت بأبي بكر‪ ،‬ثم وزن أبو بكر وعمر فرجح أبععو بكععر‪،‬‬
‫ثم وزن عمر وعثمان فرجح عمععر‪ ،‬ثععم رفععع الميععزان ‪-‬فاسععتاء لهععا‬
‫فقال‪ :‬خلفة نبوة ثم يؤتى الله الملك من يشاء)‪.(1‬‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫قال‪ :‬صلى رسععول اللععه صععلة الصععبح ثععم‬ ‫وعن أبي هريرة ‪τ‬‬
‫أقبل على الناس فقال‪ :‬بينا رجععل يسععوق بقععرة إذ ركبهععا فضععربها‪،‬‬
‫فقالت‪ :‬إنا لم نخلق لهذا‪ ،‬إنما خلقنا للحرث‪ .‬فقال الناس‪ :‬سععبحان‬
‫الله بقرة تتكلم؟ فقال‪ :‬إني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمععر‪ .‬وماهمععا‬
‫ثم‪ .‬وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشععاة‪ ،‬فطلععب‬
‫حتى كأنه استنقذها منه‪ ،‬فقال له الذئب‪ :‬هذا استنقذتها مني‪ ،‬فمن‬
‫لها يوم السبع‪ ،‬يو لراعي لها غيعري؟ فقعال النعاس‪ :‬سعبحان اللعه‪،‬‬
‫ذئب يتكلم؟ قال‪ :‬فإني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر‪ .‬وماهما ثم)‪.(2‬‬
‫ومن شععدة إيمععانه والععتزامه بشععرع اللععه تعععالى وصععدقه وإخلصععه‬
‫للسلم أحبه النبي ‪ ،ε‬وأصبحت تلك المحبة مقدمععة عنععد النععبي ‪ε‬‬
‫على غيره من الصحابة‪ ،‬فعن عمرو بن العاص ‪ :τ‬أن النبي ‪ ε‬بعثه‬
‫على جيش ذات السلسععل‪ ،‬قععال‪ :‬فععأتيته فقلععت‪ :‬أي النععاس أحععب‬
‫إليك؟ قال‪ :‬عائشة‪ .‬فقلت من الرجال؟ قال‪ :‬أبوها‪ .‬قلت ثععم مععن؟‬
‫قال عمر بن الخطاب فعد رجال ً)‪ .(3‬وبسععبب هععذا اليمععان العظيععم‬
‫والتزامه بشرع الله القويم ولجهععوده الععتي بععذلها لنصععرة ديععن رب‬
‫)( أبوداود رقم ‪4634‬؛ الترمذي رقم ‪.2288‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( مسلم‪ ،‬رقم ‪.2388‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( صحيح البخاري‪ ،‬رقم ‪.3662‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪130‬‬
‫العالمين استحق بشارة رسول الله بالجنة وأنععه يععدعى مععن جميععع‬
‫أبوابها‪ ،‬فعن أبععي موسععى الشعععري أنععه توضععأ فععي بيتععه ثععم خععرج‬
‫فقلت‪ :‬للزمن رسععول اللععه ولكععونن معععه يععومي هععذا‪ .‬قععال فجععاء‬
‫فقالوا‪ :‬خرج ووجه هنا‪ ،‬فخرجت علععى‬ ‫المسجد فسأل عن النبي ‪ε‬‬
‫أثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس‪ ،‬فجلست عند الباب وباب من‬
‫جريد حتى قضى رسول الله حاجته فتوضأ‪ ،‬فقمععت إليععه‪ ،‬فععإذا هععو‬
‫جالس على بئر أريس وتوسط قفها وكشععف عععن سععاقيه ودلهمععا‬
‫في البئر‪ ،‬فسلمت عليه ثم انصرفت فجلسععت عنععد البععاب فقلععت‪:‬‬
‫لكونن بواب رسول الله اليوم‪ ،‬فجاء أبو بكر فعدفع البعاب‪ ،‬فقلعت‪:‬‬
‫من هذا فقال‪ :‬أبععو بكععر‪ .‬فقلععت‪ :‬علععى رسععلك‪ ،‬ثععم ذهبععت فقلععت‪:‬‬
‫يارسول الله هذا أبو بكر يستأذن‪ ،‬فقععال‪ :‬ائذن لععه وبشععره بالجنععة‪،‬‬
‫فأقبلت حتى قلت لبي بكر‪ :‬ادخععل ورسععول اللععه يبشععرك بالجنععة‪.‬‬
‫معه في القف ودلى‬ ‫فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله ‪ε‬‬
‫رجليه في البئر كما صنع النبي ‪ ε‬وكشف عن ساقيه‪ ( )...‬وعن أبي‬
‫‪1‬‬

‫هريرة ‪ τ‬أن رسول الله ‪ ε‬قال‪ :‬من أنفق زوجيععن مععن شععيء مععن‬
‫الشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة‪ :‬ياعبععدالله هععذا خيععر‪،‬‬
‫فمن كان من أهل الصلة دعي من باب الصلة‪ ،‬ومن كان من أهل‬
‫الجهاد دعي من باب الجهاد‪ ،‬ومن كان من أهل الصععيام دعععي مععن‬
‫باب الريان‪ ،‬ومن كان من أهععل الصععدقة دعععي مععن بععاب الصععدقة‪.‬‬
‫ماعلى هذا ُيدعى مععن تلععك البععواب مععن ضععرورة‪،‬‬ ‫فقال أبو بكر ‪τ‬‬
‫)( البخاري رقم ‪.3674‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪-131-‬‬
‫وقال‪ :‬فهل يدعى أحد من تلك البواب كلها؟ قال‪ :‬نعععم‪ ،‬وأرجععو أن‬
‫تكون منهم يا أبا بكر)‪.(1‬‬

‫‪-2‬علمه ‪:τ‬‬
‫كان الصديق من أعلم الناس بالله وأخوفهم له)‪ ،(2‬وقععد اتفععق‬
‫أهل السنة على أن أبا بكر أعلم المة‪ ،‬وحكعى الجمععاع علعى ذلععك‬
‫غير واحد)‪ ،(3‬وسبب تقدمه على كل الصحابة فععي العلععم والفضععل‬
‫ملزمته للنبي ‪ ،ε‬فقععد كععان أدوم اجتماععا ً بععه ليل ً ونهععارًا‪ ،‬وسععفرا ً‬

‫بععد العشعاء‪ ،‬يتحعدث مععه فعي‬ ‫وحضرًا‪ ،‬وكان يسمر عند النعبي ‪ε‬‬
‫أمور المسلمين‪ ،‬دون غيره من أصحابه‪ ،‬وكان إذا استشار أصععحابه‬
‫أول من يتكلم أبو بكر في الشورى‪ ،‬وربمعا تكلععم غيععره‪ ،‬وربمععا لععم‬
‫يتكلم غيره‪ ،‬فيعمل برأيه وحده‪ ،‬فععإذا خععالفه غيععره اتبععع رأيععه دون‬
‫على أول حجة حجت من‬ ‫رأي من يخالفه) (‪ ،‬وقد استعمله النبي ‪ε‬‬
‫‪4‬‬

‫مدينة النبي ‪ ε‬وعلععم المناسععك أدق مععافي العبععادات‪ ،‬ولععول سعععة‬


‫علمه لم يستعمله‪ ،‬وكذلك الصلة استخلفه عليهععا ولععول علمععه لععم‬
‫يسععتخلفه ولععم يسععتخلف غيععره ل فععي حعج ول فعي صععلة‪ ،‬وكتععاب‬
‫الصدقة التي فرضها رسول الله أخذه أنس من أبي بكر وهو أصععح‬
‫وعليه اعتمد الفقهاء وغيرهم في كتابة ماهو متقععدم‬ ‫فيها)‪(5‬‬ ‫ماروى‬
‫منسوخ‪ ،‬فدل على أنه أعلم بالسنة الناسخة‪ ،‬ولم يحفععظ لععه قععول‬
‫البخاري رقم ‪.3666‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬
‫تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ ،‬ص ‪.59‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫الفتاوى )‪.(13/127‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫ابو بكر الصديق‪ ،‬محمد مال الله‪ ،‬ص ‪.334،335‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫البخاري رقم ‪.1448‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬
‫‪132‬‬
‫يخالف فيه نصًا‪ ،‬وهذا يدل على غاية البراعة والعلم‪ ،‬وفععي الجملععة‬
‫ليعرف لبي بكر مسألة في الشريعة غلط فيها‪ ،‬وقد عععرف لغيععرة‬
‫ويقعره‪،‬‬ ‫مسائل كثيرة) (‪ ،‬وكان ‪ τ‬يقضعي ويفعتي بحضعرة النعبي ‪ε‬‬
‫‪1‬‬

‫ولم تكن هذه المرتبة لغيرة وقد بينت ذلععك فععي سععلب أبععي قتععادة‬
‫بحنيععن)‪ ،(2‬وقععد ظهععر فضععل علمععه وتقععدمه علععى غيععره بعععد وفععاة‬
‫الرسول ‪ ،ε‬فإن المة لم تختلف في وليته فععي مسععألة إل فصععلها‬
‫هو بعلم يبينه لهم وحجة يذكرها لهععم مععن الكتععاب والسععنة‪ ،‬وذلععك‬
‫لكمال علم الصديق وعععدله‪ ،‬ومعرفتععه بالدلععة الععتي تزيععل النععزاع‪،‬‬
‫وتثبيتهم على‬ ‫وكان إذا أمرهم أطاعوه‪ .‬كما بين لهم موت النبي ‪ε‬‬
‫اليمان ثم بين لهم موضع دفنه‪ ،‬وبين لهم ميراثه‪ ،‬وبين لهععم قتععال‬
‫مانعي الزكاة لما اسععتراب فيععه عمععر‪ ،‬وبيععن لهععم أن الخلفععة فععي‬
‫قريش‪ ،‬وتجهيز جيش أسامة‪ ،‬وبيععن لهععم أن عبععدا ً خيععره اللععه بيععن‬
‫وسععيأتي تفصععيل ذلععك فععي‬ ‫الععدنيا والخععرة هععو رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫) ‪(3‬‬

‫موضعه بإذن الله تعالى‪.‬‬


‫له رؤيا تدل على علمه‪ ،‬فعن عبدالله‬ ‫ولقد رأى رسول الله ‪ε‬‬
‫بن عمر قال‪ :‬قال رسول الله ‪ :ε‬رأيت كأني أعطيت عُ ّ‬
‫سا ً مملوءا ً‬

‫لبنًا‪ ،‬فشربت منه حتى تملت‪ ،‬فرأيتها تجري في عروقي بين الجلد‬
‫واللحم‪ ،‬ففضلت منهعا فضعلة‪ ،‬فأعطيتهععا أبعا بكعر‪ .‬قعالوا‪ :‬يارسعول‬
‫الله‪ ،‬هذا علععم أعطععاكه اللعه حععتى إذا تملت منععه‪ ،‬فضععلت فضععلة‪،‬‬
‫)( أبوبكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلفة‪ ،‬ص ‪.60‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.57‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( المصدر السابق‪ ،‬ص ‪.59‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-133-‬‬
‫فأعطيتها أبا بكر‪ ،‬فقال ‪ :ε‬قد أصبتم)‪.(1‬‬
‫يرى أن الرؤيا حق‪ ،‬وكان يجيد تأويلهععا وكععان‬ ‫وكان الصديق ‪ε‬‬
‫دثنا بهععا وكععان يقععول لن‬
‫يقول إذا أصبح)من رأى رؤيا صالحة فليح ع ّ‬
‫يرى رجل مسلم مسبغ الوضععوء رؤيععا صععالحة أحععب إلععى مععن كععذا‬
‫أن رجل ً‬ ‫وكذا) (‪ ،‬ومما عبره ‪ τ‬من الرؤى مايلي‪ :‬عن ابن عباس ‪τ‬‬ ‫‪2‬‬

‫أتى رسول الله فقال‪ :‬إنععي رأيععت الليلععة فععي المنععام ظل ّععة تنطععف‬
‫السععمن والعسععل‪ ،‬فععأرى النععاس يتكففععون منهععا‪ ،‬فالمسععتكثر‬
‫ق ّ‬
‫ل‪ ،‬وإذا سبب واصل من الرض إلى السماء‪ ،‬فأراك أخذت‬ ‫والمست ِ‬
‫ص َ‬
‫ل‪ ،‬فقععال أبععو بكععر‪:‬‬ ‫به فعلوت‪ ،‬ثم أخذ به رجل آخر فانقطع‪ ،‬ثم وُ ِ‬
‫دعّني فأعب َُرهعا‪ .‬فقعال النعبي ‪:ε‬‬
‫يارسول الله‪ ،‬بأبي أنعت‪ ،‬واللعه لتع َ‬
‫اعْب ُْر‪ .‬قعال‪ :‬أمعا الظ ّّلعة فالسعلم‪ ،‬وأمعا العذي ينطعف معن العسعل‬
‫والسعععمن فعععالقرآن‪ ،‬حلوتعععه تنطعععف فالمسعععتكثر معععن القعععرآن‪،‬‬
‫والمستقل‪ ،‬وأما السبب الواصععل مععن السععماء إلععى الرض فععالحق‬
‫الذي أنت عليه‪ ،‬تأخذ به فُيعليك الله‪ ،‬ثم يأخذ بععه رجععل مععن بعععدك‬
‫فيعلو به‪ ،‬ثم يأخذ رجل آخر فيعلو به‪ ،‬فأخبرني يارسول الله‪ ،‬بععأبي‬
‫أنت‪ ،‬أصبت أم أخطأت؟ قال النبي ‪ :ε‬أصبت بعضا وأخطأت بعضا‬
‫وعععن عائشععة‬ ‫لُتقسم)‪(3‬‬ ‫حد َث َّني بالذي أخطأت‪ .‬قال‪:‬‬
‫قال‪ :‬فوالله لت َ‬
‫رضي الله عنها أنها رأت كأنه وقع فععي بيتهععا ثلثععة أقمععار‪ ،‬فقصععتها‬
‫على أبي بكعر‪ -‬وكععان مععن أعععبر النععاس فقعال‪ :‬إن صعدقت رؤيععاك‬
‫)( الحسان في تقريب صحيح ابن حبان )‪.(15/269‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( خطب أبي بكر الصديق‪ ،‬محمد عاشور‪ ،‬جمال الكومي‪ ،‬ص ‪.155‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب التعبير‪ ،‬رقم ‪.7046‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪134‬‬
‫قال‬ ‫لي ُد ْفَن َّن في بيتك من خير أهل الرض ثلثة‪ .‬فلما قبض النبي ‪ε‬‬
‫ياعائشة هذا خيُر أقمارك) (‪ ،‬فقد كان الصديق ‪ τ‬أعععبر هععذه المععة‬ ‫‪1‬‬

‫بعد نبيها)‪.(2‬‬
‫من أعلم الصععحابة إل أنععه مععن أبعععد النععاس عععن‬ ‫ومع كونه ‪τ‬‬
‫التكلف‪ ،‬فعن ابراهيم النخعي قال‪ :‬قرأ أبو بكر الصديق }وََفاك َِهعع ً‬
‫ة‬
‫وَأ َّبا{ )سورة عبس‪ :‬آية ‪ (31‬فقيل ماالب‪ :‬فقيل كععذا وكععذا فقععال‬
‫أبو بكر‪ :‬إن هذا لهو التكلف‪ ،‬أي أرض تقلني وأي سععماء تظلنععي إذا‬
‫قلت في كتاب الله مال أعلم)‪.(3‬‬

‫‪-3‬دعاؤه وشدة تضرعه ‪: τ‬‬


‫إن الدعاء باب عظيم‪ ،‬فإذا فتح للعبععد تتععابعت عليععه الخيععرات‬
‫وانهالت عليه البركات‪ ،‬ولذلك حرص الصععديق علععى حسععن الصععلة‬
‫بالله وكثرة الدعاء‪ ،‬كما أن الدعاء من أعظم وأقوى عوامل النصععر‬
‫َ‬
‫م‬‫ب ل َك ُع ْ‬ ‫ج ْ‬ ‫س عت َ ِ‬
‫م اد ْع ُععوِني أ ْ‬ ‫ل َرب ّك ُ ُ‬ ‫على العداء قال تعالى‪} :‬وََقا َ‬
‫م‬
‫جهَن ّععع َ‬ ‫ن َ‬ ‫خُلو َ‬ ‫سعععي َد ْ ُ‬‫عب َعععاد َِتي َ‬ ‫ن ِ‬ ‫ن ع َععع ْ‬‫سعععت َك ْب ُِرو َ‬‫ن يَ ْ‬ ‫ذي َ‬‫ن ال ّععع ِ‬ ‫إِ ّ‬
‫ك‬ ‫سعأ َل َ َ‬
‫ذا َ‬ ‫ن{ )سورة غععافر‪ ،‬آيععة‪ . (60:‬وقععال تعععالى‪} :‬وَإ ِ َ‬ ‫ري َ‬ ‫خ ِ‬
‫دا ِ‬ ‫َ‬
‫ُ‬
‫ن‬ ‫داِع إ ِ َ‬
‫ذا د َع َععا ِ‬ ‫ب د َع ْعوَة َ ال ع ّ‬ ‫جي ع ُ‬ ‫بأ ِ‬ ‫ري ع ٌ‬‫عب َععاِدي ع َن ّععي فَ عإ ِّني قَ ِ‬ ‫ِ‬
‫ن{ )سععورة‬ ‫دو َ‬ ‫شع ُ‬ ‫من ُععوا ب ِععي ل َعَل ّهُ ع ْ‬
‫م ي َْر ُ‬ ‫جيُبوا ل ِععي وَل ْي ُؤ ْ ِ‬
‫س عت َ ِ‬‫فَل ْي َ ْ‬
‫البقرة‪ ،‬آية‪.(186:‬‬
‫ورأى كيف كان رسول اللععه‬ ‫ولقد لزم الصديق رسول الله ‪ε‬‬
‫)( تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ ،‬ص ‪.129‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.130‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( فتح الباري )‪ (13/285‬فيه انقطاع بين ابراهيم النخعي وأبي بكر‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-135-‬‬
‫يستغيث بالله ويستنصره ويطلب المدد منععه وقععد حععرص الصععديق‬
‫علعى أن يتعلععم هععذه العبععادة معن رسععول اللعه‪ ،‬وأن يكعون دعععاؤه‬
‫ويرتضععيها‪ ،‬إذ‬ ‫وتسبيحه على الصيغة التي يععأمر بهععا رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫ليس للمسلم أن يفضل على الصيغة المأثورة في الدعاء والتسبيح‬
‫والصلة على النبي صيغا ً أخرى‪ ،‬مهمععا كععانت فععي ظاهرهععا حسععنة‬
‫هو معلععم الخيععر‪ ،‬والهععادي‬ ‫اللفظ‪ ،‬جيدة المعنى‪ ،‬لن رسول الله ‪ε‬‬
‫إلى الصراط المستقيم‪ ،‬وهو أعرف بالفضل والكمل)‪ ،(1‬وقععد جععاء‬
‫قععال‪ :‬يارسععول اللععه علمنععي‬ ‫في الصحيحين‪ :‬أن أبا بكر الصديق ‪τ‬‬
‫دعاء أدعو به في صلتي‪ ،‬قال‪ :‬قل‪ :‬اللهم إني ظلمت نفسي ظلما ً‬

‫كععثيرا ً وليغفععر الععذنوب إل أنععت‪ ،‬فععاغفر لععي مغفععرة مععن عنععدك‬


‫وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)‪.(2‬‬
‫ففي هذا الدعاء وصععف العبععد لنفسععه المقتضععى حععاجته إلععى‬
‫المغفععرة‪ ،‬وفيععه وصععف ربععه الععذي يععوجب‪ ،‬أنععه ليقععدر علععى هععذا‬
‫المطلوب غيره‪ ،‬وفيه التصريح بسؤال العبععد لمطلعوبه‪ ،‬وفيعه بيععان‬
‫المقتضعى للجابعة‪ ،‬وهعو وصعف العرب بعالمغفرة‪ ،‬والرحمعة‪ ،‬فهعذا‬
‫قععال‪:‬‬ ‫ونحوه أكمل أنواع الطلب) ( وجاء في السنن عن أبي بكر ‪τ‬‬
‫‪3‬‬

‫يارسول الله‪ ،‬علمني دعاء أدعو به إذا أصبحت وإذا أمسيت‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫قل‪ :‬اللهم فاطر السععماوات والرض عععالم الغيععب والشععهادة‪ ،‬رب‬
‫كععل شععيء ومليكععه‪ ،‬أشععهد أن ل إلععه إل أنععت‪ ،‬أعععوذ بععك مععن شععر‬
‫)( أبوبكر الصديق‪ ،‬علي طنطاوي‪ ،‬ص ‪.207‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( مسلم‪ ،‬الذكر والدعاء رقم ‪2705‬؛ البخاري رقم ‪.843‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( الفتاوى )‪.(9/146‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪136‬‬
‫نفسي‪ ،‬ومن شر الشيطان وشركه‪ ،‬وأن اقترف على نفسي سوءا ً‬

‫أو أجععره إلععى مسععلم‪ .‬قلععه إذا أصععبحت وإذا أمسععيت وإذا أخععذت‬
‫مضجعك)‪.(1‬‬
‫أنه ليععس لحععد أن يظععن‬ ‫فقد تعلم الصديق من رسول الله ‪ε‬‬
‫استغناءه عن التوبة إلى الله والستغفار من الذنوب‪ ،‬بععل كععل أحععد‬
‫ة ع َل َععى‬ ‫مان َع َ‬ ‫َ‬ ‫محتاج إلى ذلععك دائم عا ً قععال تعععالى‪} :‬إ ِّنا ع ََر ْ‬
‫ضعَنا ال َ‬
‫ن‬ ‫مل ْن َهَععا وَأ َ ْ‬ ‫الس عموات وال َرض وال ْجبععال فَ عأ َبي َ‬
‫ق َ‬‫ف ْ‬
‫شع َ‬ ‫ح ِ‬‫ن يَ ْ‬
‫نأ ْ‬ ‫َْ َ‬ ‫ّ َ َ ِ َ ْ ِ َ ِ َ ِ‬
‫ب الل ّع ُ‬
‫ه‬ ‫جهُععول`ل ِي ُعَعذ ّ َ‬ ‫ن ظ َُلو ً‬
‫مععا َ‬ ‫ه ك َععا َ‬
‫ن إ ِن ّ ُ‬ ‫مل ََها ال ِن ْ َ‬
‫سا ُ‬ ‫ح َ‬
‫من َْها وَ َ‬
‫ِ‬
‫ب‬
‫ت وَي َت ُععو َ‬ ‫ش عرِ َ‬
‫كا ِ‬ ‫م ْ‬‫ن َوال ْ ُ‬‫كي َ‬
‫ش عرِ ِ‬ ‫ت َوال ْ ُ‬
‫م ْ‬ ‫قععا ِ‬‫مَنافِ َ‬‫ن َوال ْ ُ‬ ‫قي َ‬
‫مَنافِ ِ‬‫ال ْ ُ‬
‫مععا`{‬ ‫حي ً‬ ‫ه غَ ُ‬
‫فوًرا َر ِ‬ ‫ن الل ّ ُ‬ ‫ت وَ َ‬
‫كا َ‬ ‫مؤ ْ ِ‬
‫مَنا ِ‬ ‫ن َوال ْ ُ‬
‫مِني َ‬ ‫مؤ ْ ِ‬ ‫ه ع ََلى ال ْ ُ‬‫الل ّ ُ‬
‫)سععورة الحععزاب‪ ،‬آيععة‪ (73-72:‬فالنسععان ظععالم جاهععل وغايععة‬
‫المؤمنين والمؤمنات التوبة‪ ،‬وقد أخبر الله تععالى فعي كتععابه بتوبعة‬
‫عباده الصالحين ومغفرته لهم‪ .‬وثبت في الصععحيحين عععن النععبي ‪ε‬‬
‫أنه قال‪):‬لن يدخل الجنة أحد بعلمه( قالوا‪ :‬ول أنت يارسععول اللععه؟‬
‫وهععذا لينععافي قععوله‬ ‫برحمتععه()‪(2‬‬ ‫قال‪) :‬ول أنا إل أن يتغمععدني اللععه‬
‫م ِفي ال َّيام ِ ال ْ َ‬ ‫َ‬
‫ة{‬
‫خال ِي َ ِ‬ ‫سل َفْت ُ ْ‬
‫ما أ ْ‬ ‫تعالى‪} :‬ك ُُلوا َوا ْ‬
‫شَرُبوا هَِنيًئا ب ِ َ‬
‫)سورة الحاقة‪ ،‬آية‪ (24:‬فإن الرسول نفيى باء المقابلععة والمعادلععة‬
‫والقرآن أثبت باء السبب‪ ،‬وقول من قععال‪ :‬إذا أحععب اللععه عبععدا ً لععم‬
‫تضره الذنوب‪ ،‬معناه‪ :‬أنه إذا أحعب عبعدا ً ألهمعه التوبعة والسعتغفار‬

‫)( ابوداود في الدب رقم ‪5067‬؛ الترمذي في الدعوات رقم ‪.3529‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( البخاري في الرقاق رقم ‪.6463‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-137-‬‬
‫فلم يصر على الذنوب‪ ،‬ومن ظن أن الذنوب لتضر من أصر عليهععا‬
‫فهو ضال مخالف للكتاب والسنة‪ ،‬وإجمععاع السععلف والئمععة‪ ،‬فمععن‬
‫يعمل مثقال ذرة خيرا ً يره‪ ،‬ومن يعمل مثقال ذرة شرا ً يره)‪.(1‬‬
‫كان أبو بكر دائم الذكر لله تعالى شديد التضرع كععثير التععوجه‬
‫لله‪ ،‬لينفك عن الدعاء في كل أحيانه وقد نقععل إلينععا بعععض أدعيتععه‬
‫وتضرعاته ومنها‪:‬‬
‫أ‪-‬أسألك تمام النعمة في الشياء كلها‪ ،‬والشكر لك عليها حتى‬
‫ة‪،‬‬
‫خي َععر ُ‬
‫ترضى‪ ،‬وبعععد الرضععى‪ ،‬والخيععرة فععي جميععع مععاتكون إليععه ال َ‬
‫بجميع ميسور المور كلها‪ ،‬لبمعسورها ياكريم)‪.(2‬‬
‫ب‪ -‬وكان يقول في دعائه‪ :‬اللهم إني أسألك الذي هو خير لي‬
‫في عاقبة الخير‪،‬اللهم اجعععل آخععر مععاتعطيني مععن الخيععر رضععوانك‬
‫‪.‬‬ ‫النعيم)‪(3‬‬ ‫والدرجات العل من جنات‬
‫جع‪-‬وكان يقول في دعائه‪ :‬اللهم اجعل خير عمري آخره‪ ،‬وخير‬
‫عملي خواتمه‪ ،‬وخير أيامي يوم ألقاك)‪.(4‬‬
‫د‪-‬وكان إذا سمع أحدا ً يمععدحه مععن النععاس يقععول‪):‬اللهععم أنععت‬
‫أعلم بي من نفسي‪ ،‬وأنا أعلم بنفسي منهعم‪ ،‬اللهعم أجعلنعي خيعرا ً‬

‫مما يظنون‪ ،‬واغفر لي ماليعلمون‪ ،‬ولتؤاخذني بما يقولون()‪.(5‬‬


‫هذه بعض أهم صفاته وشيء من فضائله مررنا عليها باليجععاز‬
‫الفتاوى )‪.(11/142‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬
‫الشكر لبن أبي الدنيا رقم ‪ 109‬نقل ً عن خطب ابي بكر‪ ،‬ص ‪.39‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫خطب أبي بكر الصديق‪ ،‬ص ‪.139‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫كنز العمال رقم ‪ 5030‬نقل ً عن خطب أب بكر ‪ ،‬ص ‪.39‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫أسد الغابة )‪.(3/324‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬
‫‪138‬‬
‫وسوف نرى أثر التربية النبوية على الصديق بعد وفاته‪ ،‬وكيف قععام‬
‫مقاما ً لم يقمه غيره بفضل الله وتوفيقه ثم تربيته العميقة وإيمععانه‬
‫فقعد‬ ‫العظيععم وعلمعه الراسعخ وتتلمعذه علعى يعدي رسععول اللعه ‪ε‬‬
‫أحسن الجندية وقطع مراحلها وأشواطها برفقة قائده العظيم عليه‬
‫أفضل الصلة والسلم‪ ،‬فلما أصبح خليفععة للمععة اسععتطاع أن يقععود‬
‫سععفينة السععلم إلععى شععاطئ المععان‪ ،‬رغععم العواصععف الشععديدة‪،‬‬
‫والمواج المتلطمة‪ ،‬والفتن المظلمة‪.‬‬

‫الفصل الثاني‬
‫وفاة الرسول‪ ،‬وسقيفة بني سعاعدة‪ ،‬وجيعش‬
‫أسامة‬

‫المبحث الول‬

‫‪-139-‬‬
‫وفاة الرسول وسقيفة بني ساعدة‬

‫أو ً‬
‫ل‪ :‬وفاة الرسول‪:‬‬
‫إن الرواح الشفافة الصافية لتدرك بعض مايكون مخبوءا ً وراء‬
‫حجععب الغيععب بقععدرة اللععه تعععالى‪ ،‬والقلععوب الطععاهرة المطمئنععة‬
‫دث صاحبها بما عسى أن يحدث له فيما يسععتقبل مععن الزمععان‪،‬‬
‫لتح ّ‬
‫والعقول الذكيععة المسععتنيرة بنععور اليمععان لتععدرك مععاوراء اللفععاظ‬
‫من هذه الصفات‬ ‫والحداث من إشارات وتلميحات ولنبينا محمد ‪ε‬‬
‫يطععاول)‪(1‬‬ ‫الحظ الوفر‪ ،‬وهو منها بالمحل الرفع الذي ليسامى ول‬
‫ولقد جاءت بعض اليات القرآنية مؤكدة على حقيقة بشععرية النععبي‬
‫‪ ،ε‬وأنه كغيره من البشر سوف يذوق الموت ويعاني سكراته كمععا‬
‫مععن بعععض اليععات‬‫ذاقه من قبل إخوانه مععن النبيععاء ولقععد فهععم ‪ε‬‬
‫اقتراب أجله‪ ،‬وقد أشار ‪ ε‬في طائفة من الحاديث الصععحيحة إلععى‬
‫اقتراب وفاته‪ ،‬منها ماهو صريح الدللة على الوفععاة ومنهععا مععاليس‬
‫كذلك‪ ،‬حيث لم يشعر ذلك منها إل الحاد من كبار الصععحابة الجلء‬
‫كأبي بكر والعباس ومعاذ رضي الله عنهم)‪.(2‬‬
‫‪-1‬مرض رسول الله وبدء الشكوى‪:‬‬
‫مععن حجععة الععوداع فععي ذي الحجععة‪ ،‬فأقععام‬ ‫رجع رسول الله ‪ε‬‬

‫)( انظر‪ :‬السيرة النبوية لبي شهبة )‪.(2/587‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( انظر‪ :‬مرض النبي ووفاته‪ ،‬خالد أبوصالح‪ ،‬ص ‪.33‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪140‬‬
‫بالمدينة بقيته والمحععرم وصععفرًا‪ ،‬مععن العععام العاشععر فبععدأ بتجهيععز‬
‫جيش أسامة وأمّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة‪ ،‬وأمره أن يتوجه‬
‫نحو البلقاء وفلسطين‪ ،‬فتجهز الناس وفيهععم المهععاجرون والنصععار‬
‫وكان أسامة بن زيد ابععن ثمععاني عشععرة سععنة‪ ،‬وتكلععم البعععض فععي‬
‫تأميره وهو مولى وصغير السن على كبار المهاجرين والنصار فلععم‬
‫يقبل الرسول ‪ ε‬طعنهم في إمارة أسامة)‪ ،(1‬فقععال ‪ :ε‬إن يطعنععوا‬
‫في إمارته فقد طعنععوا فععي إمعارة أبيععه وأيععم اللععه إن كععان لخليقعا ً‬

‫ي وإن ابنععه هععذا لمععن أحععب‬


‫ب النععاس إلع ّ‬
‫للمارة‪ ،‬وإن كان من أحع ّ‬
‫النعاس إلعي بععده)‪ ،(2‬وبينمعا النعاس يسعتعدون للجهعاد فعي جيعش‬
‫شكواه الععذي قبضععه فيععه‪ ،‬وقععد حععدثت‬ ‫أسامة ابتدئ رسول الله ‪ε‬‬
‫حععوادث مععابين مرضععه ووفععاته منهععا‪ :‬زيععارته قتلععى أحععد وصععلته‬
‫عليهم)‪ ،(3‬واسععتئذانه أن يمععرض فعي بيععت عائشععة وشعدة المععرض‬
‫بإخراج المشععركين مععن جزيععرة العععرب‬ ‫الذي نزل به) (‪ ،‬وأوصى ‪ε‬‬
‫‪4‬‬

‫وإجازة الوفد)‪ ،(5‬ونهى عن اتخاذ قبره مسجدا ً)‪ ،(6‬وأوصى بإحسععان‬


‫الظن بالله)‪ ،(7‬وأوصى بالصلة وماملكت أيمانكم)‪ ،(8‬وبيعن بعأنه لععم‬

‫)( انظر‪ :‬السيرة النبوية الصحيحة )‪.(2/552‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( البخاري‪ ،‬كتاب فضائل أصحاب النبي )‪ (4/213‬رقم ‪.4469‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الجنائز‪ ،‬باب الصلة على الشهيد رقم ‪.1344‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( صحيح السيرة النبوية ‪ ،‬ص ‪.695‬‬ ‫‪4‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الجهاد والسير رقم ‪.3035‬‬ ‫‪5‬‬
‫)( صحيح السيرة النبوية‪ ،‬ص ‪712‬؛ البخاري‪ ،‬كتاب الصلة رقم ‪.435‬‬ ‫‪6‬‬
‫)( مسلم‪ ،‬كتاب الجنة رقم ‪.288‬‬ ‫‪7‬‬
‫)( سنن ابن ماجة‪ ،‬كتاب الوصايا ) ‪ (2/900،901‬رقم ‪.2697‬‬ ‫‪8‬‬

‫‪-141-‬‬
‫يبقى من مبشرات النبععوة إل الرؤيععا)‪ ،(1‬وأوصععى بالنصععار خيععرا ً)‪،(2‬‬
‫في أيام مرضه فقال‪ :‬إن الله خّير عبدا ً بين العدنيا وبيعن‬ ‫وخطب ‪ε‬‬
‫ماعند الله فاختار ذلك العبد ماعند الله‪ .‬فبكععى أبععو بكععر فقععال أبععو‬
‫عن عبد خيععر‪،‬‬ ‫سعيد الخدري ‪ :τ‬فعجبنا لبكائه أن يخبر الرسول ‪ε‬‬
‫فكان رسول الله ‪ ε‬هو المخّير وكان أبو بكر أعلمنععا فقععال رسععول‬
‫ي في صحبته وماله أبععو بكععر‪ ،‬ولععو كنععت‬
‫ن الناس عل ّ‬ ‫الله ‪ :ε‬إن أ َ‬
‫م ّ‬
‫متخذا ً خليل ً غير ربي لتخذت أبا بكر ولكن أخععوة السععلم ومععودته‪،‬‬
‫سد ّ إل باب أبي بكر)‪.(3‬‬
‫ليبقين في المسجد باب إل ُ‬
‫فهم الرمز الذي أشععار‬ ‫قال الحافظ ابن حجر‪ :‬وكأن أبا بكر ‪τ‬‬
‫به النبي ‪ ε‬من قرينة ذكره ذلك في مرض موته فاستشعر منه أنه‬
‫أراد نفسه فلذلك بكععى) ( ولمععا اشععتد المععرض بععالنبي ‪ ε‬وحضععرته‬
‫‪4‬‬

‫الصلة فأذن بلل قال النبي ‪ ε‬مروا أبا بكر فليص ّ‬


‫ل‪ ،‬فقيععل‪ :‬إن أبععا‬
‫بكر رجل أسيف)‪ ،(5‬إذا قام مقامك لم يستطيع أن يصععلي بالنععاس‪،‬‬
‫وأعاد فأعادوا له‪ ،‬فأعععاد الثالثععة فقععال‪ :‬أنكععن صععواحب يوسععف)‪،(6‬‬
‫فععي‬ ‫مروا أبا بكر فليصل بالنععاس‪ ،‬فخععرج أبععو بكععر فوجععد النععبي ‪ε‬‬
‫فة فخرج يهادي بين رجلين‪ ،‬كأني أنظر إلى رجليه تخطععان‬
‫نفسه خ ّ‬
‫أن مكانك ثم‬ ‫من الوجع‪ ،‬فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي ‪ε‬‬
‫مسلم‪ ،‬كتاب الصلة )‪.(1/348‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬
‫البخاري‪ ،‬كتاب مناقب النصار رقم ‪.3799‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫البخاري‪ ،‬كتاب فضائل الصحابة رقم ‪.3654‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫فتح الباري )‪.(7/16‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫أسيف‪ :‬من السف وهو شدة الحزن والمراد أنه رقيق القلب‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬
‫والمراد أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلف مافي الباطن‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬
‫‪142‬‬
‫أتى به حتى جلس إلى جنبه‪ .‬قيل للعمش‪ :‬فكعان النععبي ‪ ε‬يصعلي‬
‫وأبو بكر يصععلي بصععلته‪ ،‬والنععاس يصععلون بصععلة أبععي بكععر! فقععال‬
‫برأسه‪ :‬نعم)‪ .(1‬واستمر أبو بكر يصععلي بالمسععلمين‪ ،‬حععتى إذا كععان‬
‫يوم الثنين‪ ،‬وهم صفوف في صععلة الفجععر‪ ،‬كشععف النععبي ‪ ε‬سععتر‬
‫الحجرة‪ ،‬ينظر إلى المسلمين‪ ،‬وهم وقوف أمام ربهععم‪ ،‬ورأى كيععف‬
‫أثمر غرس دعوته وجهاده‪ ،‬وكيف نشأت أمة تحافظ علععى الصععلة‪،‬‬
‫وتواظب عليها بحضرة نبيها وغيبته‪ ،‬وقد قععرت عينععه بهععذا المنظععر‬
‫البهيج‪ ،‬وبهذا النجاح الذي لم يقععدر لنععبي أو داع قبلععه‪ ،‬واطمععأن أن‬
‫صلة هذه المة بهذا الدين وعبادة الله تعالى‪ ،‬صلة دائمة‪ ،‬لتقطعها‬
‫وفاة نبيها‪ ،‬فملئ من السرور ماالله به عليععم واسععتنار وجهععه وهععو‬
‫منير)‪ ،(2‬يقععول الصععحابة رضععي اللععه عنهععم‪ :‬كشععف النععبي ‪ ε‬سععتر‬
‫حجرة عائشة ينظر إلينا وهو قائم‪ ،‬كععأن وجهععه ورقععة مصععحف ثععم‬
‫خارج‬ ‫تبسم يضحك‪ ،‬فهممنا أن نفتتن من الفرح‪ ،‬وظننا أن النبي ‪ε‬‬
‫إلى الصلة‪ ،‬فأشار إلينا أن أتموا صلتكم‪ ،‬ودخععل الحجععرة‪ ،‬وأرخععى‬
‫الستر)‪ ،(3‬وانصرف بعض الصععحابة إلععى أعمععالهم‪ ،‬ودخععل أبععو بكععر‬
‫على ابنته عائشة وقال‪ :‬ما أرى رسول الله إل قد أقلع عنه الوجععع‪،‬‬
‫سععنح)‪،(4‬‬
‫وهذا يوم بنت خارجة‪ -‬أحععدى زوجععتيه ‪ -‬وكععانت تسععكن بال ّ‬
‫فركب على فرسه وذهب إلى منزله)‪.(5‬‬
‫البخاري‪ ،‬كتاب الذان رقم ‪.712‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬
‫السيرة النبوية للندوي‪ ،‬ص ‪.401‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫البخاري‪ ،‬كتاب المغازي رقم ‪.4448‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫السنح‪ :‬خارج المدينة كان للصديق مال فيه وبيت‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫انظر‪ :‬السيرة النبوية لبي شهبة )‪.(2/593‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪-143-‬‬
‫واشتدت سكرات الموت بالنبي ‪ ،ε‬ودخل عليه أسامة بن زيد‬
‫وقد صمت فل يقدر على الكلم‪ ،‬فجعل يرفع يديه إلى السععماء ثععم‬
‫يضعها على أسامة‪ ،‬فعرف أنه يععدعو لععه‪ ،‬وأخععذت السععيدة عائشععة‬
‫رسول الله وأوسدته إلى صعدرها بيعن سعحرها)‪ ،(1‬ونحرهععا‪ ،‬فعدخل‬
‫عبدالرحمن بن أبي بكر وبيده سواك‪ ،‬فجعل رسول الله ينظر إليه‪،‬‬
‫فقالت عائشة‪ :‬آخذه لك‪ ،‬فأشار برأسه نعم‪ ،‬فأخذته من أخيهععا ثععم‬
‫مضغته ولينته وناولته إياه فاسععتاك بععه كأحسععن مععايكون السععتياك‬
‫وكل ذلك وهو لينفك عن قععوله‪ :‬فععي الرفيععق العلععى) (‪ ،‬وكععان ‪ε‬‬
‫‪2‬‬

‫بجانبه ركوة ماء أو علبة فيها ماء‪ ،‬فيمسح بها وجهه ويقععول‪ :‬ل إلععه‬
‫إل الله ‪ ..‬إن للموت سكرات ثم نصب يده فجعل يقول في الرفيق‬
‫كععان‬ ‫العلى ‪ ..‬حتى قبض ومععالت يععده) (‪ ،‬وفععي لفععظ أن النععبي ‪ε‬‬
‫‪3‬‬

‫يقول‪ :‬اللهم أعني على سكرات الموت)‪.(4‬‬


‫وأصغت إليععه قبععل أن‬ ‫وفي رواية‪ :‬أن عائشة سمعت النبي ‪ε‬‬
‫يموت وهو مسند الظهر يقول‪ :‬اللهم اغفر لي‪ ،‬وارحمني وألحقنععي‬
‫بالرفيق العلى)‪.(5‬‬
‫وقد ورد أن فاطمة رضي الله عنها قالت‪ :‬واكرب أباه‪ .‬فقععال‬
‫لها‪ :‬ليس على أبيك كرب بعد اليوم‪ ،‬فلمععا مععات قععالت‪ :‬يعا أبتععاه ‪..‬‬

‫)( السحر‪ :‬الرئة‪ ،‬النحر‪ :‬الثغرة في أسفل العنق‪.‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( البخاري‪ ،‬كتاب المغازي رقم ‪.4437‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب المغازي رقم ‪.4449‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( الترمذي‪ ،‬كتاب الجنائز رقم ‪.978‬‬ ‫‪4‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب المغازي رقم ‪.4440‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪144‬‬
‫أجاب الله دعاه‪ ،‬يا أبتاه ‪ ..‬جنععة الفععردوس مععأواه‪ ،‬يععا أبتععاه ‪ ..‬إلععى‬
‫قععالت لنععس كيععف طععابت أنفسععكم أن‬ ‫جبريل ننعاه فلمععا دفععن ‪ε‬‬
‫تحثوا على رسول الله التراب)‪.(1‬‬
‫فارق رسععول اللعه العدنيا وهععو يحكعم جزيععرة العععرب ويرهبععه‬
‫ملوك الدنيا‪ ،‬ويفديه أصحابه بنفوسهم وأولدهم وأموالهم‪ ،‬ومععاترك‬
‫عنععد مععوته دينععارا ً ولدرهم عًا‪ ،‬ولعبععدًا‪ ،‬ول أمععة‪ ،‬ولشععيئًا‪ ،‬إل بغلتععه‬
‫ودرعععه مرهونععة‬ ‫البيضاء‪ ،‬وسلحه وأرضا جعلها صدقة) ( وتععوفي ‪ε‬‬
‫‪2‬‬

‫عند يهودي بثلثين صاعا ً من شعير)‪ ،(3‬وكععان ذلععك يععوم الثنيععن ‪12‬‬
‫ربيع الول سععنة ‪11‬هعع للهجععرة بعععد الععزوال)‪ ،(4‬ولععه ثلث وسععتون‬
‫سنة)‪ ،(5‬وكان أشد اليام سوادا ً ووحشة ومصععابا ً علععى المسععلمين‪،‬‬
‫ومحنة كبرى للبشرية‪ ،‬كما كان يوم ولدته أسعععد يععوم طلعععت فيععه‬
‫الشمس) (‪ ،‬يقول أنس ‪ :τ‬كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ‪ε‬‬ ‫‪6‬‬

‫المدينة أضاء منها كل شيء‪ ،‬فلما كان الذي مات فيععه أظلععم منهععا‬
‫وبكت أم أيمن فقيل لهععا مايبكيعك علعى النععبي قععالت‪:‬‬ ‫شيء)‪(7‬‬ ‫كل‬
‫إني قد علمت أن رسول اللععه ‪ ε‬سععيموت ولكععن إنمععا أبكععي علععى‬
‫الوحي الذي رفع عنا)‪.(8‬‬

‫البخاري‪ ،‬كتاب المغازي‪ ،‬رقم ‪.4462‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫البخاري‪ ،‬كتاب المغازي رقم ‪.4461‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫السيرة النبوية للندوي‪ ،‬ص ‪.403‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(4/223‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫مسلم‪ ،‬كتاب الفضائل )‪.(4/825‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬
‫انظر‪ :‬السيرة النبوية للندوي‪ ،‬ص ‪.404‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬
‫الترمذي )‪ (5/549‬رقم ‪.3618‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬
‫مسلم )‪.(4/1907‬‬ ‫)(‬ ‫‪8‬‬

‫‪-145-‬‬
‫ثانيًا‪ :‬هول الفاجعة وموقف أبي بكر منها‪:‬‬
‫اضععطرب‬ ‫قععال ابععن رجععب‪ :‬ولمععا تععوفي رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫المسلمون‪ ،‬فمنهم من ُدهش فخولط ومنهم معن أقععد فلععم ُيطعق‬
‫القيام‪ ،‬ومنهم من أعُتقل لسانه فلم يطق الكلم‪ ،‬ومنهم مععن أنكععر‬
‫موته بالكلية)‪.(1‬‬
‫قال القرطبي مبينا ً عظم هعذه المصعيبة ومعاترتب عليهعا معن‬
‫أمور‪ :‬من أعظم المصائب المصيبة في الدين ‪ ..‬قععال رسععول اللععه‬
‫‪ :ε‬إذا أصععاب أحععدكم مصععيبة فليععذكر مصععابه بععي فإنهععا أعظععم‬
‫المصائب)‪ ،(2‬وصدق رسول الله ‪ ،ε‬لن المصيبة به أعظم من كععل‬
‫مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلععى يععوم القيامععة‪ ،‬انقطععع الععوحي‪،‬‬
‫وماتت النبوة‪ ،‬وكان أول ظهعور الشعر بارتعداد الععرب وغيعر ذلعك‪،‬‬
‫وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه)‪.(3‬‬
‫عظمععت بعه‬ ‫وقععال ابعن اسعحاق‪ :‬ولمععا تعوفي رسععول اللعه ‪ε‬‬
‫مصيبة المسلمين‪ ،‬فكععانت عائشععة فيمععا بلغنععي تقععول‪ :‬لمععا تععوفي‬
‫ارتععدت العععرب‪ ،‬واشععرأبت اليهوديععة‪ ،‬والنصععرانية ونجععم‬ ‫النععبي ‪ε‬‬
‫النفاق‪ ،‬وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشععاتية لفقععد‬
‫نبيهم)‪.(4‬‬
‫وقال القاضي أبععو بكععر بععن العربععي‪ ... :‬واضععطربت الحععال ‪..‬‬
‫فكان موت النععبي ‪ ε‬قاصععمة الظهععر‪ ،‬ومصععيبة العمععر‪ ،‬فأمععا علععي‬
‫لطائف المعارف‪ ،‬ص ‪.114‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬
‫السلسلة الصحيحة لللباني رقم ‪.1106‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫تفسير القرطبي )‪.(2/176‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫ابن هشام )‪.(4/323‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫‪146‬‬
‫فاستخفى في بيت فاطمة‪ ،‬وأما عثمان فسكت‪ ،‬وأما عمعر فعأهجر‬
‫وقال‪ :‬مامععات رسععول اللععه وإنمععا واعععده ربععه كمععا واعععد موسععى‪،‬‬
‫وليرجعن رسول الله‪ ،‬فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم)‪ (1‬ولمععا سععمع‬
‫سععنح‪ ،‬حععتى نععزل‪،‬‬
‫أبو بكر الخبر أقبل علععى فععرس مععن مسععكنه بال ّ‬
‫فدخل المسجد‪ ،‬فلم يكّلم الناس‪ ،‬حتى دخععل علععى عائشععة فععتي ّ‬
‫مم‬
‫ب‬ ‫مغ ّ‬
‫شى بثوب حبرة‪ ،‬فكشف عن وجهه‪ ،‬ثم أك ّ‬ ‫وهو ُ‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫عليه فقبله وبكى‪ ،‬ثم قال‪ :‬بأبي أنت وأمي‪ ،‬والله ليجمع الله عليك‬
‫موتتين‪ ،‬أما الموتة التي عليك فقد متهععا)‪ ،(2‬وخععرج أبععو بكععر وعمععر‬
‫يتكلم فقال‪ :‬اجلععس يععاعمر‪ ،‬وهععو ماضععي فععي كلمععه‪ ،‬وفععي ثععورة‬
‫غضبه‪ ،‬فقام أبو بكعر فعي النعاس خطيبعا ً بععد أن حمعد اللعه وأثنعى‬
‫عليه‪:‬‬
‫أما بعد‪ :‬فإن من كان يعبد محمد فإن محمدا ً قععد مععات‪ ،‬ومععن‬
‫مد ٌ‬‫ح ّ‬‫م َ‬‫ما ُ‬ ‫كان يعبد الله فإن الله حي ليموت‪ ،‬ثم تل هذه الية‪} :‬وَ َ‬
‫ل‬‫ت أ َوْ قُت ِع َ‬‫مععا َ‬
‫ن َ‬
‫خل َت معن قَبل ِعه الرسع ُ َ‬
‫ل أ ف َ عإ ِ ْ‬ ‫ل قَد ْ َ ْ ِ ْ ْ ِ ّ ُ‬ ‫سو ٌ‬ ‫ِإل َر ُ‬
‫ض عّر‬‫ن يَ ُ‬ ‫قب َي ْعهِ فَل َع ْ‬‫ب ع َل َععى ع َ ِ‬
‫قل ِ ْ‬
‫ن ي َن ْ َ‬
‫م ْ‬
‫م وَ َ‬ ‫م ع ََلى أ َع ْ َ‬
‫قاب ِك ُ ْ‬ ‫قل َب ْت ُ ْ‬
‫ان ْ َ‬
‫ن{ )سورة آل عمععران‪ ،‬آيععة‪:‬‬
‫ري َ‬
‫شاك ِ ِ‬ ‫زي الل ّ ُ‬
‫ه ال ّ‬ ‫ج ِ‬ ‫شي ًْئا وَ َ‬
‫سي َ ْ‬ ‫الل ّ َ‬
‫ه َ‬
‫‪ .(144‬فنشج الناس يبكون)‪.(3‬‬
‫قال عمر‪ :‬فععوالله معا إن سععمعت أبععا بكععر تلهععا فهععويت إلععى‬

‫)( القواصم من العواصم‪ ،‬ص ‪.38‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( البخاري‪ ،‬كتاب المغازي رقم ‪.4452‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب فضائل الصحابة رقم ‪.3668‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-147-‬‬
‫قععال‬ ‫مععات)‪(1‬‬ ‫الرض ماتحملني قدماي‪ ،‬وعلمت أن رسول الله قععد‬
‫القرطبي‪ :‬هذه الية أدل دليل على شجاعة الصديق وجراءته‪ ،‬فععإن‬
‫دهما ثبععوت القلععب عنععد حلععول المصععائب‪،‬‬
‫الشععجاعة والجععرأة ح ع ّ‬
‫فظهرت شجاعته وعلمععه‪ ،‬قععال‬ ‫ولمصيبة أعظم من موت النبي ‪ε‬‬
‫النععاس‪ :‬لععم يمععت رسععول اللععه ‪ ε‬منهععم عمععر‪ ،‬وخععرس عثمععان‪،‬‬
‫واستخفى علي‪ ،‬واضطرب المر‪ ،‬فكشفه الصديق بهذه اليععة حيععن‬
‫سنح)‪.(2‬‬
‫قدومه من مسكنه بال ّ‬
‫وبهذه الكلمات القلئل‪ ،‬واستشععهاد الصععديق بععالقرآن الكريععم‬
‫خرج النععاس مععن ذهععولهم وحيرتهععم ورجعععوا إلععى الفهععم الصععحيح‬
‫رجوعا ً جمي ً‬
‫ل‪ ،‬فالله هو الحي وحده الذي ليموت‪ ،‬وأنه وحده الععذي‬
‫يستحق العبادة‪ ،‬وأن السلم باق بعد مععوت محمععد ‪ ،(3)ε‬كمععا جععاء‬
‫في رواية من قول الصديق‪ :‬إن دين الله قائم‪ ،‬وإن كلمة الله تامععة‬
‫وإن الله ناصر من نصره‪ ،‬ومعز دينه‪ ،‬وإن كتاب اللععه بيععن اظهرنععا‪،‬‬
‫وفيه حلل اللععه وحرامععه‪،‬‬ ‫وهو النور والشفاء وبه هدا الله محمد ‪ε‬‬
‫واللععه لنبععالي مععن أجلععب علينععا مععن خلععق اللععه‪ ،‬إن سععيوف اللععه‬
‫ن مععن خالفنععا كمععا جاهععدنا مععع‬
‫لمسلولة ماوضعناها بعععد‪ ،‬ولنجاهععد ّ‬
‫رسول الله فل يبغين أحد إل على نفسه)‪.(4‬‬

‫)( البخاري‪ ،‬كتاب المغازي رقم ‪.4454‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( تفسير القرطبي )‪.(4/222‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( استخلف ابوبكر الصديق‪ ،‬جمال عبدالهادي‪ ،‬ص ‪.160‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( دلئل النبوة للبيهقي )‪.(7/218‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪148‬‬
‫مصيبة عظيمة‪ ،‬ابتلءا ً شديدًا‪ ،‬ومن خلهععا‬ ‫كان موت محمد ‪ε‬‬
‫وبعععدها ظهععرت شخصععية الصععديق كقععائد للمععة فععذ لنظيععر لععه‬
‫ولمثيل)‪ ،(1‬فقد أشرق اليقيععن فععي قلبععه وتجلعى ذلععك فععي رسععوخ‬
‫الحقائق فيه فعرف حقيقة العبودية‪ ،‬والنبوة‪ ،‬والمععوت‪ ،‬وفععي ذلععك‬
‫الموقف العصيب ظهرت حكمتععه ‪ ،τ‬فانحععاز بالنععاس إلععى التوحيععد‬
‫)من كان يعبد اللعه فعإن اللعه حعي ليمعوت( ومعازال التوحيعد فعي‬
‫قلوبهم غضا ً طريًا‪ ،‬فما أن سمعوا تذكير الصديق لهم حععتى رجعععوا‬
‫تقول عائشة رضي الله عنها فععوالله لكععأن النععاس لععم‬ ‫الحق)‪(2‬‬ ‫إلى‬
‫يكونوا يعلمون أن الله أنزل هذه الية حتى تلها أبو بكر ‪ τ‬فتلقاهععا‬
‫منه الناس‪ ،‬فما يسمع بشر إل يتلوها)‪.(3‬‬
‫ثالثًا‪ :‬سقيفة بني ساعدة‪:‬‬
‫اجتمععع‬ ‫لما علم الصحابة رضي الله عنهم بوفاة رسول الله ‪ε‬‬
‫النصار في سقيفة بني ساعدة في اليوم نفسععه وهععو يععوم الثنيععن‬
‫الثاني عشر من شهر ربيع الول من السنة الحادية عشعر للهجعرة‪،‬‬
‫وتداولوا المر بينهم في اختيار من يلي الخلفة من بعده)‪.(4‬‬
‫ولمععا بلععغ‬ ‫والتف النصار حول زعيم الخزرج سعد بن عبادة ‪τ‬‬
‫خبر اجتماع النصار في سقيفة بني سععاعدة إلععى المهععاجرين وهععم‬

‫)( أبوبكر رجل الدولة‪ ،‬مجدي حمدي‪ ،‬ص ‪.25،26‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( استخلف ابوبكر الصديق‪ ،‬ص ‪.160‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الجنائز رقم ‪.1242 ،1241‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( التاريخ السلمي )‪.(9/21‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪-149-‬‬
‫لترشععيح مععن يتععولى الخلفععة)‪،(1‬‬ ‫مجتمعون مع أبي بكر الصععديق ‪τ‬‬
‫قال المهاجرون لبعضهم‪ :‬انطلقوا بنا إلى إخواننا من النصار‪ ،‬فععإن‬
‫لهم في هذا الحق نصيبا ً)‪ ،(2‬قال عمععر ‪ :τ‬فانطلقنععا نريععدهم‪ ،‬فلمععا‬
‫دنونا منهم لقينا منهم رجلن صالحان‪ ،‬فععذكر ماتمععال عليععه القععوم‪.‬‬
‫فقال‪ :‬أين تريدون يامعشر المهاجرين؟ قلنا‪ :‬نريد إخواننا هؤلء من‬
‫النصار‪ ،‬فقال‪ :‬لعليكم أن لتقربوهم‪ ،‬اقضوا أمركم‪ .‬فقلعت‪ :‬واللعه‬
‫لنأتيّنهم)‪ ،(3‬فانطلقنا حتى أتينععاهم فععي سععقيفة بنععي سععاعدة‪ ،‬فععإذا‬
‫م ُ‬
‫ل بين ظهرانيهم‪ ،‬فقلت‪ :‬من هذا؟ فقالوا‪ :‬هععذا سعععد بععن‬ ‫رجل مز ّ‬
‫عك‪ .‬فلما جلسنا قليل ً تشّهد خطيبهم‬
‫عبادة‪ ،‬فقلت‪ :‬ماله؟ قالوا‪ُ :‬يو َ‬
‫فأثنى على الله بما هو أهله‪ ،‬ثم قععال‪ :‬أمععا بعععد فنحععن أنصععار اللععه‬
‫وكتيبة السلم وأنتم ‪-‬معشر المهاجرين‪ -‬رهط‪ ،‬وقد دفت دافة من‬
‫قومكم)‪ ،(4‬فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من‬

‫المععر)‪ ،(5‬فلمععا سععكت أردت أن أتكلععم‪ -‬وكنععت قععد زّور ُ‬


‫ت مقالععة‬
‫دمها بين يدي أبي بكر‪ -‬وكنت أداري منععه بعععض‬
‫أعجبتني أريد أن أق ّ‬
‫د‪ ،‬فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر‪ :‬علععى رسععلك‪ .‬فكرهععت أن‬
‫الح ّ‬
‫أغضبه‪ ،‬فتكلم أبو بكر‪ ،‬فكان هو أحلم مني وأوقععر‪ ،‬واللععه مععا تععرك‬
‫من كلمة أعجبتني في تزويري إل قال فعي بعديهته مثلهععا أو أفضعل‬

‫عصر الخلفة الراشدة للعمري‪ ،‬ص ‪.40‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.40‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫الرجلن هما‪ :‬عويم بن ساعدة‪ ،‬معن بن عدي رضي الله عنهما‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫أي عدد قليل‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫أي يخرجوننا من أمر الخلفة‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬
‫‪150‬‬
‫منها حتى سكت‪ .‬فقال‪ :‬ماذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل‪ ،‬ولن‬
‫ي من قريش‪ ،‬هم أوسط العرب نسععبا ً‬ ‫ُيعرف هذا المر إل لهذا الح ّ‬
‫ودارًا‪ .‬وقد رضعيت لكععم أحعد هعذين الرجليعن فبععايعوا أيهمععا شعئتم‬
‫عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننععا‪ -‬فلععم أكععره‬
‫‪-‬فأخذ بيدي ويد أبي ُ‬
‫دم فتضرب عنقععي لُيقّربنععي ذلععك مععن‬
‫مما قال غيرها‪ ،‬والله أن أق ّ‬
‫ي من أن أتأمر على قععوم فيهععم أبععو بكععر‪ ،‬اللهععم إل أن‬
‫إثم أحب إل ّ‬
‫ي نفسي عند الموت شيئا ً لأجده الن‪.‬‬ ‫ول إل ّ‬
‫س ّ‬
‫تُ َ‬
‫قها‬
‫عععذي ُ‬ ‫جععذيلها المح ّ‬
‫كععك‪ ،‬و ُ‬ ‫فقععال قععائل مععن النصععار‪ :‬أنععا ُ‬
‫جب)‪ ،(1‬منا أمير ومنكععم أميععر يامعشععر قريععش‪ ،‬فكععثر اللغععط‪،‬‬
‫المر ّ‬
‫وارتفعت الصوات‪ ،‬حتى فرقت من الختلف فقلت‪ :‬أبسط يدك يا‬
‫أبا بكر‪ ،‬فبسط يده‪ ،‬فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته النصار)‪.(2‬‬
‫وفي رواية أحمد‪ ...:‬فتكلم أبو بكععر ‪τ‬‬
‫فلععم يععترك شععيئا ً أنععزل‬
‫في النصار ولذكره رسول اللععه ‪ ε‬مععن شععأنهم إل وذكععره‪ ،‬وقععال‪:‬‬
‫ولقد علمتم أن رسول الله ‪ ε‬قال‪ :‬لو سلك الناس واديععا ً وسععلكت‬
‫أن رسول‬ ‫ياسعد)‪(3‬‬ ‫النصار واديا ً سلكت وادي النصار‪ ،‬ولقد علمت‬
‫قعال وأنعت قاععد‪ :‬قريعش ولة هعذا المعر فََبعّر النععاس تبعع‬ ‫الله ‪ε‬‬
‫لب ّّرهم‪ ،‬وفاجر الناس تبع لفاجرهم‪ ،‬قععال فقععال لععه سعععد‪ :‬صععدقت‬

‫جرَبي لتحتك به والمحكك الععذي يحتعك بععه كعثيرًا‪ ،‬أراد أن‬


‫)( الجزيل عود ينصب للبل ال َ‬ ‫‪1‬‬
‫يستشفى برايه‪ ،‬والعذيق النخلة‪ :‬أي الذي يعتمد عليه‪.‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب الحدود رقم ‪.6830‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪.‬‬‫)( يعني سعد بن عبادة الخزرجي ‪τ‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-151-‬‬
‫نحن الوزراء وأنتم المراء)‪.(1‬‬
‫رابعًا‪ :‬أهم الدروس والعبر والفوائد في هذه الحادثة‪:‬‬
‫‪-1‬الصديق وتعامله مع النفوس وقدرته على القناع‪:‬‬
‫من رواية المام أحمد يتضح لنا كيف استطاع الصديق أبو بكر‬
‫أن يدخل إلى نفوس النصار فيقنعهم بما رآه هو الحق مععن غيععر‬ ‫‪τ‬‬
‫أن ُيعّرض المسلمين للفتنة‪ ،‬فأثنى على النصععار ببيععان ماجععاء فععي‬
‫فضلهم من الكتاب والسنة‪ ،‬والثناء علععى المخععالف منهععج إسععلمي‬
‫يقصد منه إنصاف المخالف وامتصاص غضبه وانتزاع بواعث الثععرة‬
‫والنانية في نفسه ليكون مهّيأ لقبول الحق إذا تععبين لعه‪ ،‬وقعد كعان‬
‫الكثير من المثلة التي تدل على ذلك ثععم توصععل‬ ‫في هدي النبي ‪ε‬‬
‫أبو بكر من ذلك إلى أن فضلهم وإن كان كبيرا ً ليعني أحقيتهم في‬
‫قد نص علععى أن المهععاجرين مععن قريععش هععم‬ ‫الخلفة لن النبي ‪ε‬‬
‫دمون في هذا المر)‪ ،(2‬وقد ذكععر ابععن العربععي المععالكي أن أبععا‬
‫المق ّ‬
‫بكر استدل على أن أمر الخلفة في قريش بوصية رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫بالنصار خيرًا‪ ،‬وأن يقبلوا من محسنهم ويتجاوزا عن مسيئهم‪ ،‬احتج‬
‫ماكم‬
‫به أبو بكر على النصار قوله‪ :‬إن الله سمانا )الصععادقين( وس ع ّ‬
‫ن‬ ‫ن ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫ري َ‬‫ج ِ‬ ‫مَها ِ‬‫قَراِء ال ْ ُ‬‫)المفلحين( إشارة إلى قوله تعالى‪} :‬ل ِل ْفُ َ‬
‫َ‬ ‫أُ ْ‬
‫ن الل ّعهِ‬ ‫مع َ‬‫ض عل ً ِ‬ ‫ن فَ ْ‬ ‫م ي َب ْت َغُععو َ‬‫وال ِهِ ْ‬
‫مع َ‬
‫م وَأ ْ‬‫ن ِديععارِه ِ ْ‬ ‫مع ْ‬ ‫جععوا ِ‬ ‫خرِ ُ‬
‫م‬‫هععععع ُ‬ ‫ك ُ‬‫ه ُأول َئ ِ َ‬‫سعععععول َ ُ‬ ‫ه وََر ُ‬ ‫ن الّلععععع َ‬ ‫صعععععُرو َ‬‫واًنا وَي َن ْ ُ‬‫ضععععع َ‬
‫وَرِ ْ‬
‫ن‬
‫حّبععو َ‬ ‫ن قَب ْل ِهِ ْ‬
‫م يُ ِ‬ ‫م ْ‬
‫ن ِ‬
‫ما َ‬
‫لي َ‬
‫داَر َوا ِ‬
‫ن ت َب َوُّءوا ال ّ‬ ‫ن`َوال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫صاد ُِقو َ‬
‫ال ّ‬

‫)( مسند أحمد )‪(1/5‬؛ الخلفة والخلفاء‪ ،‬البهنساوي‪ ،‬ص ‪.50‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( التاريخ السلمي )‪.(9/24‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪152‬‬
‫مععا ُأوت ُععوا‬‫م ّ‬‫ة ِ‬ ‫جع ً‬‫حا َ‬
‫م َ‬‫دورِه ِ ْ‬‫ص ُ‬ ‫ن ِفي ُ‬ ‫دو َ‬ ‫ج ُ‬‫م َول ي َ ِ‬ ‫جَر إ ِل َي ْهِ ْ‬ ‫ها َ‬‫ن َ‬ ‫م ْ‬ ‫َ‬
‫ق‬
‫ن ُيعو َ‬ ‫مع ْ‬ ‫ة وَ َ‬ ‫صع ٌ‬‫صا َ‬
‫خ َ‬‫م َ‬ ‫ن ب ِهِع ْ‬ ‫م وَل َوْ َ‬
‫كعا َ‬ ‫س هِ ْ‬‫ف ِ‬‫ن ع ََلى أ َن ْ ُ‬ ‫وَي ُؤ ْث ُِرو َ‬
‫ن`{ )سععورة الحشععر‪ ،‬آيععة‪-8:‬‬ ‫حو َ‬‫فل ِ ُ‬
‫م ْ‬ ‫م ال ْ ُ‬ ‫ك هُ ُ‬‫سهِ فَُأول َئ ِ َ‬ ‫ف ِ‬ ‫ح نَ ْ‬
‫ش ّ‬ ‫ُ‬
‫َ‬
‫ن‬‫ذي َ‬‫‪ .(9‬وقد أمركم أن تكونوا معنععا حيثمععا كنععا فقععال‪َ} :‬ياأي َّها ال ّع ِ‬
‫ن{ )سععورة التوبععة‪ ،‬آيععة‪:‬‬ ‫صاد ِِقي َ‬ ‫معَ ال ّ‬ ‫كوُنوا َ‬ ‫ه وَ ُ‬ ‫قوا الل ّ َ‬ ‫مُنوا ات ّ ُ‬ ‫َءا َ‬
‫‪ .(119‬إلى غير ذلك من القوال المصيبة والدلة القويععة‪ .‬فتععذكرت‬
‫النصار ذلك وانقععادت إليععه)‪ ،(1‬وبيععن الصععديق فععي خطععابه أن مععن‬
‫مؤهلت القوم الذين يرشحون للخلفة أن يكونوا ممععن يععدين لهععم‬
‫العرب بالسيادة وتستقر بهم المور‪ ،‬حتى لتحععدث الفتععن فيمععا إذا‬
‫تولى غيرهم‪ ،‬وأبان أن الععرب ليعععترفون بالسععيادة إل للمسععلمين‬
‫منهم ولما استقر في اذهان الععرب معن‬ ‫من قريش لكون النبي ‪ε‬‬
‫تعظيمهم واحترامهم‪.‬‬
‫وبهذه الكلمات النيرة التي قالها الصععديق اقتنععع النصععار بععأن‬
‫يكونوا وزراء ُمعينين وجنودا ً مخلصين كما كانوا فععي عهععد النععبي ‪ε‬‬
‫وبذلك توحد صف المسلمين)‪.(2‬‬
‫‪-2‬زهد عمر وأبي بكر رضي الله عنهمععا فععي الخلفععة وحععرص‬
‫الجميع على وحدة المة‪:‬‬
‫دم عمععر وأبععا عبيععدة‬
‫م أبو بكر حديثه في السقيفة ق ع ّ‬
‫بعد أن ت ّ‬
‫للخلفة‪ ،‬ولكن عمر كره ذلك وقال فيما بعد‪ :‬فلععم أكععره ممععا قععال‬
‫غيرها‪ .‬كان والله أن أقدم فتضرب عنقععي ليقّربنععي ذلععك مععن إثععم‬

‫)( العواصم من القواصم‪ ،‬ص ‪.10‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( التاريخ السلمي )‪.(9/24‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-153-‬‬
‫مر على قوم فيهم أبو بكر)‪.(1‬‬
‫أحب إلي من أن أتأ ّ‬
‫وبهذه القناعة من عمععر بأحقيععة أبععي بكععر بالخلفععة قععال لععه‪:‬‬
‫أبسط يدك يا أبا بكر‪ ،‬فبسط يده‪ ،‬قال‪ :‬فبايعته وبععايعه المهععاجرون‬
‫والنصعار وجعاء فعي روايعة قعال عمعر‪ .. :‬يامعشعر النصعار ألسعتم‬
‫م الناس فععأيكم تطيععب‬
‫تعلمون أن رسول الله قد أمر أبا بكر أن يؤ ّ‬
‫فقالت النصار‪ :‬نعوذ بععالله أن نتقععدم أبععا‬ ‫نفسه أن يتقدم أبا بكر ‪τ‬‬
‫بكر)‪.(2‬‬
‫وهذا ملحظ مهم وُّفق إليه عمر ‪ ،τ‬وقد اهتععم بععذلك النععبي ‪ε‬‬
‫في مرض موته فأصّر على إمامة أبي بكععر‪ ،‬وهععو مععن بععاب الثععارة‬
‫بأنه أحق من غيره بالخلفة وكلم عمععر فععي غايععة الدب والتواضععع‬
‫والتجرد من حظ النفس‪ ،‬ولقد ظهر زهد أبي بكر فععي المععارة فععي‬
‫خطبته التي اعتذر فيها من قبول الخلفة حيث قال‪ :‬واللععه مععاكنت‬
‫حريصا ً على المارة يوما ولليلة قط ولكنت فيهععا راغب عا ً ولسععألتها‬
‫الله عزوجل في سّر وعلنية‪ ،‬ولكني أشععفقت مععن الفتنععة‪ ،‬ومععالي‬
‫في المارة من راحة ولكن قلدت أمرا ً عظيما ً مالي بععه مععن طاقععة‬
‫وليععد إل بتقويععة اللععه عزوجععل‪ ،‬ولععوددت أن أقععوى النععاس عليهععا‬
‫مكاني)‪.(3‬‬
‫وقد ثبت أنه قال‪ :‬وددت أني يععوم سععقيفة بنععي سععاعدة كنععت‬
‫قذفت المر في عنق أحد الرجلين‪ ،‬أبي عبيدة أو عمر فكععان أميععر‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب المحاربين رقم ‪.6830‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( مسند أحمد )‪ (1/21‬وصحح إسناده أحمد شاكر )‪ (1/213‬رقم ‪.133‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( المستدرك )‪ (3/66‬قال الحاكم‪ :‬حديث صحيح وأقره الذهبي ‪.‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪154‬‬
‫المؤمنين وكنت وزيرا ً)‪ ،(1‬وقد تكررت خطب أبي بكر فعي العتعذار‬
‫عن تولي الخلفة وطلبه بالتنحي عنها‪ .‬فقد قال‪ ... :‬أيها الناس هذا‬
‫أمركم إليكم تولوا من أحببتععم علععى ذلععك وأكععون كأحععدكم فأجععابه‬
‫الناس رضينا بك قسما ً وحظ عا ً وأنععت ثععاني اثنيععن مععع رسععول اللععه‬
‫‪ ،(2)ε‬وقد قام باستبراء نفوس المسلمين من أي معارضة لخلفتععه‬
‫واستحلفهم على ذلك فقال‪ :‬أيها الناس أذكر اللععه أيمععا رجععل نععدم‬
‫على بيعتي لما قام على رجليه‪ ،‬فقال علي بن أبععي طععالب‪ ،‬ومعععه‬
‫السيف‪ ،‬فدنا منه حتى وضع ِرجل ً على عتبة المنععبر والخععرى علععى‬
‫دمك رسول الله فمن ذا‬
‫الحصى وقال‪ :‬والله لنقيلك ولنستقيلك ق ّ‬
‫يععؤخرك)‪ ،(3‬ولععم يكععن أبععو بكععر وحععده الزاهععد فععي أمععر الخلفععة‬
‫م ذكرها‬
‫والمسؤولية بل إنها روح العصر‪ .‬ومن هذه النصوص التي ت ّ‬
‫يمكن القول‪ :‬إن الحوار الذي دار في سقيفة بنععي سععاعدة ليخععرج‬
‫عن هذا التجاه‪ ،‬بععل يؤكععد حععرص النصععار علععى مسععتقبل الععدعوة‬
‫السلمية واستعدادهم المستمر للتضحية في سبيلها‪ ،‬فما اطمععأنوا‬
‫على ذلك حتى استجابوا سراعا ً لبيعععة أبععي بكععر الععذي قبععل البيعععة‬
‫لهذه السباب‪ ،‬وإل فإن نظرة الصحابة مخالفععة لرؤيععة الكععثير ممععا‬
‫جاء بعدهم ممن خالفوا المنهج العلمي‪ ،‬والدراسة الموضوعية‪ ،‬بععل‬
‫كانت دراستهم متناقضععة مععع روح ذلععك العصععر‪ ،‬وآمععال وتطلعععات‬

‫)( النصععار فععي العصععر الراشععدي‪ ،‬حامععد محمععد الخليفععة‪ ،‬ص ‪108‬؛ تاريععخ الخلفععاء‬ ‫‪1‬‬
‫للسيوطي‪ ،‬ص ‪.91‬‬
‫)( الخلفة الراشدة للعمري‪ ،‬ص ‪.13‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( النصار في العصر الراشدي‪ ،‬ص ‪.108‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-155-‬‬
‫أصحاب رسول الله من النصار وغيرهم‪ ،‬وإذا كان اجتماع السقيفة‬
‫أدى إلى انشقاق بين المهععاجرين والنصععار كمععا زعمععه بعضععهم)‪،(1‬‬
‫فكيععف قبععل النصعار بتلعك النتيجععة وهععم أهعل العديار وأهعل الععدد‬
‫والعدة؟ وكيف انقادوا لخلفة أبي بكر ونفروا فععي جيععوش الخلفععة‬
‫شرقا ً وغربا ً مجاهععدين لتثععبيت أركانهععا؟ لععو لععم يكونععوا متحمسععين‬
‫لنصرتها)‪.(2‬‬
‫فالصواب اتضح من حرص النصار على تنفيذ سياسة الخلفععة‬
‫والندفاع لمواجهة المرتدين‪ ،‬وأنه لم يتخلف أحد مععن النصععار عععن‬
‫بيعة أبي بكر فضل ً عن غيرهم من المسلمين وأن أخوة المهاجرين‬
‫والنصععار أكععبر مععن تخيلت الععذين سععطروا الخلف بينهععم فععي‬
‫المغرضة‪.‬‬ ‫رواياتهم)‪(3‬‬

‫وموقفه من خلفة الصديق‪:‬‬ ‫‪-3‬سعد بن عبادة ‪τ‬‬


‫إن سعد بن عبادة ‪ τ‬قد بايع أبا بكععر ‪ τ‬بالخلفععة فععي أعقععاب‬
‫النقاش الذي دار في سقيفة بني سععاعدة إذ أنععه نععزل عععن مقععامه‬
‫الول في دعوى المارة وأذعن للصديق بالخلفة‪ ،‬وكععان ابععن عمععه‬
‫بشير بن سعد النصاري أول من بايع الصديق رضي الله عنهم فععي‬
‫اجتماع السقيفة ولم يثبععت النقععل الصععحيح أيععة أزمععات‪ ،‬لبسععيطة‬
‫ولخطيرة ولم يثبت أي انقسام أو فععرق لكععل منهععا مرشععح يطمععع‬
‫في الخلفة كما زعم بعض كتاب التاريخ‪ ،‬ولكععن الخععوة السععلمية‬

‫)( انظر‪ :‬السلم وأصول الحكم ‪ ،‬محمد عمارة‪ ،‬ص ‪ 71‬الى ‪.74‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( النصار في العصر الراشدي‪ ،‬ص ‪.109‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.109‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪156‬‬
‫ظلت كما هي‪ ،‬بل ازدادت توثقا ً كما يثبت ذلك النقل الصحيح‪ ،‬ولم‬
‫يثبت النقل الصحيح تآمرا ً حدث بيعن أبعي بكعر وعمععر وأبعي عبيععدة‬
‫لحتكار الحكم بعد وفاة رسول اللععه ‪ .(1)ε‬فهععم كععانوا أخشععى للععه‬
‫وأتقى من أن يفعلوا ذلك‪.‬‬
‫وقد حاول بععض الكت ّععاب مععن المععؤرخين أصعحاب الهععواء أن‬
‫منافسعا ً للمهععاجرين يسعععى للخلفععة‬ ‫يجعلوا من سعد بن عبععادة ‪τ‬‬
‫بشره‪ ،‬ويعدبر لهععا المععؤامرات‪ ،‬ويسععتعمل فعي الوصععول إليهععا كععل‬
‫أساليب التفرقعة بيعن المسعلمين‪ .‬هعذا الرجعل‪ -‬إذا راجعنعا تعاريخه‬
‫تجعلععه مععن الصععفوة‬ ‫وتتبعنا مسلكه‪ ،‬وجدنا مواقفه مع الرسععول ‪ε‬‬
‫الخيار‪ ،‬العذين لعم تكعن العدنيا أكعبر همهعم‪ ،‬ولمبلعغ علمهعم‪ ،‬فهعو‬
‫النقيب في بيعة العقبة الثانية حتى لجأت قريش إلععى تعقبععه قععرب‬
‫مكة وربطوا يديه إلى عنقه وأدخلوه مكة أسععير حععتى أنقععذه منهععم‬
‫جبير بن مطعم بن عدي حيث كان يجيرهم فععي المدينععة وهععو مععن‬
‫وحظى بمقام أهععل بععدر ومنزلتهععم عنععد اللععه‪،‬‬ ‫بدرا ً)‪(2‬‬ ‫الذين شهدوا‬
‫وكععان‬ ‫وكان من بيععت جععود وكععرم وشععهد لععه ذلععك رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫رسول الله ‪ ε‬يعتمد عليه ‪-‬بعد الله‪ -‬وعلى سعد بن معععاذ كمععا فععي‬
‫غزوة الخندق عندما استشارهم في إعطاء ثلث ثمار المدينة لعيينة‬
‫بن حصن الفععزاري‪ ،‬فكععان رد السعععدين يععدل علععى عمععق اليمععان‬
‫وكمععال التضععحية)‪ ،(3‬فمواقععف سعععد مشععهورة ومعلومععة‪ ،‬فهععذا‬
‫)( استخلف ابوبكر‪ ،‬جمال عبدالهادي‪ ،‬ص ‪.50،51،53‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( الستيعاب في معرفة الصحاب )‪.(2/594‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( الخلفة والخلفاء الراشدون‪ ،‬سالم البهنساوي‪ ،‬ص ‪.48‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-157-‬‬
‫الصععحابي الجليععل صععاحب الماضععي المجيععد فععي خدمععة السععلم‬
‫والصحبة الصادقة لرسول الله ليعقل ولم يثبت أنععه كععان يريععد أن‬
‫يحي العصبية الجاهلية في مؤتمر السقيفة لكي يحصععل فععي غمععار‬
‫هذه الفرقة على منصب الخلفة‪ ،‬كما أنه لم يثبت ولم يصح مععاورد‬
‫في بعض المراجع من أنه ‪-‬بعد بيعة أبي بكر‪ -‬كان ليصلي بصععلتهم‬
‫عععن‬ ‫وليفيض في الحج بإفاضتهم) ( كأنما انفصل سعد بن عبادة ‪τ‬‬
‫‪1‬‬

‫جماعة المسلمين)‪ ،(2‬فهععذا باطععل ومحععض افععتراء‪ ،‬فقععد ثبععت مععن‬


‫خلل الروايات الصحيحة أن سعدا ً بايع أبا بكر‪ ،‬فعندما تكلم أبو بكر‬
‫يوم السقيفة‪ ،‬فذكر فضل النصار وقععال‪ :‬ولقععد علمتععم أن رسععول‬
‫الله قال‪ :‬لو سععلك النععاس واديعًا‪ ،‬وسعلكت النصععار واديعا ً أو شعععبا ً‬

‫ثم ذكعّر سعععد بععن عبععادة‬ ‫النصار)‪(3‬‬ ‫لسلكت وادي النصار أو شعب‬
‫بقول فصل وحجة لترد فقال‪ :‬ولقد علمت ياسعععد أن رسععول اللععه‬
‫قال وأنت قاعد‪ :‬قريش ولة هذا المر‪ ،‬فبر النععاس تبععع لععبرهم‪،‬‬ ‫‪ε‬‬
‫وفعاجرهم تبعع لفعاجرهم قعال سععد‪ :‬صعدقت نحعن العوزراء وأنتعم‬
‫المراء)‪ ،(4‬فتتابع القوم على البيعة وبايع سعد)‪ ،(5‬وبهذا تثبععت بيعععة‬
‫سعد بن عبادة‪ ،‬وبها يتحقق إجماع النصار على بيعععة الخليفععة أبععي‬
‫بكر‪ ،‬وليعععود أي معنععى للترويععج لروايععة باطلععة‪ ،‬بععل سععيكون ذلععك‬

‫)( نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.49‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( المصدر السابق‪ ،‬ص ‪.49‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( البخاري‪ ،‬كتاب التمني ‪ ،‬رقم ‪.7244‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( مسند المام أحمد رقم ‪ ،18‬صحيح لغيره‪.‬‬ ‫‪4‬‬
‫)( النصار في العصر الراشدي ‪ ،‬ص ‪.102‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪158‬‬
‫مناقضا ً للواقع واتهاما ً خطيرًا‪ ،‬أن ينسب لسيد النصار العمل علععى‬
‫شق عصا المسلمين‪ ،‬والتنكر لكل ماقدمه من نصرة وجهاد وإيثععار‬
‫للمهاجرين‪ ،‬والطعن بإسلمه من خلل ماينسب إليععه مععن قععول‪ :‬ل‬
‫أبععايعكم حععتى أرميكععم بمععا فععي كنععانتي‪ ،‬وأخضععب سععنان رمحععي‪،‬‬
‫وأضععرب بسععيفي‪ ،‬فكععان ليصععلي بصععلتهم وليجمععع بجمععاعتهم‬
‫أي في الحج‪.‬‬ ‫بإفاضتهم)‪(1‬‬ ‫وليقضي بفضائهم وليفيض‬
‫إن هععذه الروايععة الععتي اسععتغلت للطعععن بوحععدة المهععاجرين‬
‫والنصار وصدق أخوتهم ماهي إل رواية باطلة للسباب التالية‪:‬‬
‫بععه()‪(2‬‬ ‫أن الععراوي صععاحب هععوى وهععو )إخبععاري تععالف ليوثععق‬
‫ولسيما في المسائل الخلفية‪.‬‬
‫قال الذهبي عن هذه الروايععة واسععنادها كمععا تععرى)‪ ،(3‬أي فععي‬
‫غاية الضعف أما متنها فهو يناقض سيرة سعععد بععن عبععادة‪ :‬ومععافي‬
‫عنقه من بيعة على السمع والطاعة‪ ،‬ولما روي عنه من فضائل)‪.(4‬‬
‫‪-4‬مايروى من خلف بين عمر والحباب بن المنذر‪:‬‬
‫أما مايروى عن تنازع في السقيفة بين عمر وبين الحباب بععن‬
‫المنذر السلمي النصاري‪ ،‬فالراجح أنه غيععر صععحيح‪ ،‬وأن عمععر لععم‬
‫ُيغضب الحباب بن المنذر منذ عهد رسععول اللععه ‪ ،ε‬فقععد روى عععن‬

‫)( تاريخ الطبري )‪.(4/42‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( ميزان العتدال في نقد الرجال للذهبي )‪ (3/2992‬والراوي هو لععوط بعن يحيعى أبعو‬ ‫‪2‬‬
‫مخنف متروك ولم يعتد بأبي مخنف ويعتبر بروايته ويعتمععد عليهععا سععوى الشععيعة‪ ،‬فقععد‬
‫كان من أعظم مؤرخي الشيعة على قول ابن القمي‪ .‬انظر‪ :‬مرويععات ابعي مخنعف فعي‬
‫تاريخ الطبري للدكتور يحيى اليحيى‪ ،‬ص ‪.45،46‬‬
‫)( سير أعلم النبلء )‪.(1/277‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( النصار في العصر الراشدي‪ ،‬ص ‪.102،103‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪-159-‬‬
‫عمر قال‪ :‬فلما كان الحباب بن المنذر هو الذي يجيبني لم يكن لي‬
‫معه كلم‪ ،‬لنه كان بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله فنهععاني‬
‫عنه فحلفت أن لأكلمه كلمة تسؤوه أبدا ً)‪.(1‬‬
‫كما أن مايروى عن الحبععاب فععي هععذه المنازعععة مخععالف لمععا‬
‫عهد عنه من حكمة‪ ،‬ومن حسن تأتيه للمععور‪ ،‬إذ كععان يلقععب )بععذي‬
‫ُ‬
‫فعي عهعد رسععول اللعه وذلعك لقبعول مشعورته فعي بعدر‬ ‫العرأي()‪(2‬‬

‫وخيبر)‪ ،(3‬وأما قول الحباب بن المنذر‪ :‬منا أمير ومنكععم أميععر‪ ،‬فقععد‬
‫سوغ ذلك وأوضح أنه ليقصد بععذلك الوصععول إلععى المععارة‪ ،‬فقععال‪:‬‬
‫فإنا والله ماننفس عليكم هذا المر ولكنا نخاف أن يليه أقوام قتلنا‬
‫آباءهم وإخوانهم)‪ ،(4‬فقبل المهاجرون قوله وأقععروا عععذره ولسععيما‬
‫أنهم شركاء في دماء من قتل من المشركين)‪.(5‬‬
‫‪-5‬حديث الئمة من قريش وموقف النصار منه‪:‬‬
‫ورد حديث الئمة من قريش في الصععحيحين‪ ،‬وكتععب الحععديث‬
‫الخرى‪ ،‬بألفاظ متعددة‪ ،‬ففي صحيح البخاري عن معاوية قال‪ :‬قال‬
‫رسول الله ‪ :ε‬إن هذا المر في قريش ليعاديهم أحد إل أكبععه اللععه‬
‫وفي صععحيح مسععلم ليععزال‬ ‫الدين)‪(6‬‬ ‫في النار على وجهه ما أقاموا‬
‫وعععن عبععدالله بععن عمععر‬ ‫قريععش)‪(7‬‬ ‫السلم عزيزا ً بخلفاء كلهم من‬

‫النصار في العصر الراشدي‪ ،‬ص ‪.100‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫الستيعاب )‪.(1/316‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫النصار في العصر الراشدي‪ ،‬ص ‪.100‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.100‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫المصدر السابق‪ ،‬ص ‪.100‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬
‫البخاري‪ ،‬كتاب الحكام رقم ‪.7139‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬
‫مسلم‪ ،‬كتاب المارة رقم ‪.1821‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬
‫‪160‬‬
‫قال‪ :‬قال رسول الله ‪ :ε‬ليزال هذا المر في قريش مابقي منهععم‬
‫اثنان)‪ ،(1‬وقال رسول الله ‪ :ε‬الناس تبع لقريععش فععي هععذا الشععأن‬
‫وعععن بكيععر بععن وهععب‬ ‫لكععافرهم)‪(2‬‬ ‫مسععلمهم لمسععلمهم وكععافرهم‬
‫الجزري قال‪ :‬قال لي أنس بن مالععك النصععاري‪ :‬أحععدثك حععديثا ً مععا‬
‫حععتى وقععف‬ ‫أحدثه كل أحد‪ ،‬كنا في بيت من النصار فجاء النععبي ‪ε‬‬
‫فأخذ بعضادتي الباب)‪ ،(3‬فقال‪ :‬الئمة مععن قريععش إن لهععم عليكععم‬
‫حقًا‪ ،‬ولكم عليهم حقععا مثععل ذلععك‪ ،‬مععا إن اسععترحموا فرحمععوا وإن‬
‫وفي فتح البععاري أورد ابععن حجععر‬ ‫عدلوا)‪(4‬‬ ‫عاهدوا أوفوا وإن حكموا‬
‫أحاديث كثيرة تحععت بععاب المععراء مععن قريععش أسععندها إلععى كتععب‬
‫السنن والمسانيد والمصنفات)‪ ،(5‬فالحاديث في هععذا البععاب كععثيرة‬
‫ليكععاد يخلععوا منهععا كتععاب مععن كتععب الحععديث‪ ،‬وقععد رويععت بألفععاظ‬
‫متعددة‪ ،‬إل أنها متقاربععة تؤكععد جميعهععا أن المععرة المشععروعة فععي‬
‫قريش‪ ،‬ويقصد بالمرة الخلفة فقط أما ماسوى ذلك فتساوى فيععه‬
‫جميع المسلمين)‪ ،(6‬وبمثل ما أوضحت الحععاديث النبويععة الشععريفة‬
‫أن أمر الخلفة في قريش فإنها حذرت معن النقيععاد العمععى لهععم‪،‬‬
‫وأن هذا المر فيهم ما أقاموا الدين كما سلف فععي حععديث معاويععة‬
‫وكما جاء فععي حععديث أنععس‪ :‬إن اسععترحموا فرحمععوا‪ ،‬وإن عاهععدوا‬

‫البخاري‪ ،‬كتاب الحكام رقم ‪.7140‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫مسلم‪ ،‬كتاب المارة رقم ‪.1818‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫الفتح الرباني للساعاتي‪ ،‬باب الخلفة ج ‪(23/65) 5‬؛ ابن أبي شيبة ) ‪.(5/544‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫المصنف لبي شيبة )‪.(5/544‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫النصار في العصر الراشدي‪ ،‬ص ‪.111‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬
‫نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.111‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪-161-‬‬
‫أوفوا‪ ،‬وإن حكموا عدلوا‪ ،‬فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة اللععه‬
‫والملئكة والنععاس أجمعيععن)‪ ،(1‬وبهععذا حععذرت الحععاديث مععن اتبععاع‬
‫قريش إن زاغوا عن الحكم بما أنزل الله فإن لم يمتثلععوا ويطبقععوا‬
‫مثل هذه الشروط‪ ،‬فإنهم سيصععبحون خطععرا ً علععى المععة وحععذرت‬
‫الحاديث الشريفة من اتباعهم على غير ما أنزل اللععه ودعععت إلععى‬
‫اجتنععابهم والبععد عنهععم واعععتزالهم‪ ،‬لمععا سععيترتب علعى معؤازرتهم‬
‫آنذاك من مخاطر على مصير المة قال ‪ :ε‬إن هلك أمتي أو فساد‬
‫أمتي رؤوس أغيلمة سفهاء مععن قريععش)‪ ،(2‬وعنععدما سععئل ‪ :ε‬فمععا‬
‫تأمرنا قال ‪ :ε‬لو أن الناس اعتزلوهم)‪.(3‬‬
‫ومن هذه النصوص تتضح الصورة لمسألة الئمة مععن قريععش‪،‬‬
‫وأن النصععار انقععادوا لقريععش ضععمن هععذه الضععوابط وعلععى هععذه‬
‫السس‪ ،‬وهذا مععا أكععدوه فععي بيعععاتهم لرسععول اللععه علععى السععمع‬
‫والطاعة‪ ،‬والصبر على الثرة‪ ،‬وأن لينازعوا المر أهله‪ ،‬إل أن يععروا‬
‫كفرا ً بواحا ً عندهم من الله فيه برهان)‪ ،(4‬فقعد كعان للنصعار تصعور‬
‫تام عن مسألة الخلفة‪ ،‬وأنها لم تكن مجهولة عنععدهم‪ ،‬وأن حععديث‬
‫الئمعة مععن قريععش كععان يرويععه كععثير منهععم‪ ،‬وأن الععذين ليعلمععونه‬
‫سكتوا عندما رواه لهم أبو بكر الصديق ولهذا لم يراجعععه أحععد مععن‬
‫النصار عندما استشهد به‪ ،‬فععأمر الخلفععة تععم بالتشععاور والحتكععام‬

‫مصنف ابن أبي شيبة )‪.(5/544‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫البخاري‪ ،‬كتاب الفتن رقم ‪.7058‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫دلئل النبوة للبيهقي )‪(6/464‬؛ الحسان في تقريب صحيح ابن حبان رقم ‪.6713‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫البخاري‪ ،‬كتاب الفتن رقم ‪.7056‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫‪162‬‬
‫إلى النصوص الشرعية والعقلية التي أثبتت أحقية قريش بها‪ ،‬ولععم‬
‫يسععمع عععن أحععد مععن النصععار بعععد بيعععة السععقيفة أنععه دعععا نفسععه‬
‫م التوصععل إليععه‬
‫بالخلفة‪ ،‬مما يؤكد اقتناع النصار وتصديقهم لمععا تع ّ‬
‫من نتائج)‪ ،(1‬وبهذا يتهافت ويسقط قول من قعال أن حعديث الئمعة‬
‫من قريش شعار رفعته قريش لستلب الخلفة من النصار أو أنه‪:‬‬
‫رأي لبي بكر وليععس حععديثا ً رواه عععن الرسععول‪ ،‬وإنمععا كععان فكععرا ً‬

‫سياسيا ً قرشيًا‪ ،‬كان شائعا ً في ذلك العصر يعكس ثقل قريش فععي‬
‫المجتمععع العربععي فععي ذلععك الحيععن‪ ،‬وعلععى هععذا فععإن نسععبة هععذه‬
‫الحاديث إلى أبي بكر وأنهععا شعععار لقريععش‪ ،‬مععاهي إل صععورة مععن‬
‫صورة التشععويه الععتي يتعععرض لهععا تاريععخ العصععر الراشععدي وصععدر‬
‫السلم الذي قععام أساسعا ً علععى جهععود المهععاجرين والنصععار ومععن‬
‫تبعهععم بإحسععان‪ ،‬وعلععى روابععط الخععوة المتينععة بيععن المهععاجرين‬
‫والنصار حتى قال فيهم أبو بكر نحن والنصار كما قال القائل‪:‬‬
‫أبو أن يملونا ولو أن أمنا‬
‫لملت)‪(2‬‬ ‫تلقي الذين يلقون منا‬
‫‪-6‬اليات القرآنية التي فيها إشارة إلى خلفة الصديق‪:‬‬
‫وردت آيات في كتاب الله عزوجل فيهععا الشععارة إلععى أن أبععا‬
‫أحق النععاس فععي هععذه المععة بخلفععة سععيد الوليععن‬ ‫بكر الصديق ‪τ‬‬
‫والخرين وتلك اليات هي‪:‬‬

‫)( النصار في العصر الراشدي ‪ ،‬ص ‪.116‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( نفس المصدر ‪ ،‬ص ‪.116‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-163-‬‬
‫ن‬ ‫ط اّلعع ِ‬
‫ذي َ‬ ‫صَرا َ‬‫م` ِ‬ ‫قي َ‬
‫ست َ ِ‬ ‫ط ال ْ ُ‬
‫م ْ‬ ‫صَرا َ‬ ‫أ‪-‬قوله تعالى‪} :‬اهْد َِنا ال ّ‬
‫َ‬
‫ن`{ )سععورة‬ ‫ضاّلي َ‬
‫م َول ال ّ‬ ‫ب ع َل َي ْهِ ْ‬
‫ضو ِ‬‫مغْ ُ‬ ‫م غ َي ْرِ ال ْ َ‬
‫ت ع َل َي ْهِ ْ‬
‫م َ‬
‫أن ْعَ ْ‬
‫فيمععن أمععر اللععه‬ ‫الفاتحععة‪ ،‬آيععة‪ .(7-6:‬ووجععه الدللععة أن أبععا بكععر ‪τ‬‬
‫‪-‬جلوعل‪ -‬عبعاده أن يسعألوه أن يهعديهم طريقهعم وأن يسعلك بهعم‬
‫سبيلهم وهم الذين أنعم الله عليهم وذكر منهم الصديقين في قوله‬
‫ك م عع ال ّعذي َ‬ ‫ُ‬
‫م‬‫ن أن ْعَ ع َ‬‫ِ َ‬ ‫ل فَ عأول َئ ِ َ َ َ‬ ‫سو َ‬‫ه َوالّر ُ‬‫ن ي ُط ِِع الل ّ َ‬ ‫م ْ‬ ‫تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫ن‬
‫حي َ‬ ‫صعال ِ ِ‬‫داِء َوال ّ‬ ‫ن َوال ّ‬
‫ش عه َ َ‬ ‫قي َ‬
‫دي ِ‬
‫صع ّ‬
‫ن َوال ّ‬‫ن الن ّب ِّييع َ‬
‫م َ‬‫م ِ‬ ‫ه ع َل َي ْهِ ْ‬‫الل ّ ُ‬
‫قععا{ )سععورة النسععاء‪ ،‬آيععة‪ .(69:‬وقععد أخععبر‬ ‫ك َرِفي ً‬ ‫ن ُأول َئ ِ َ‬ ‫سع َ‬ ‫ح ُ‬ ‫وَ َ‬
‫من الصديقين‪ ،‬فدل ذلك على أنه واحد‬ ‫المصطفى ‪ ε‬أن أبا بكر ‪τ‬‬
‫ممععن طريقهععم هععو‬ ‫منهم بل هو المقدم فيهم ولما كان أبو بكععر ‪τ‬‬
‫الصراط المستقيم فل يبقى أي شك لدى العاقل في أنه أحق خلق‬
‫الله في هذه المة بخلفععة المصععطفى ‪ .(1)ε‬قععال محمعد بعن عمععر‬
‫ن‬ ‫ط ال ّع ِ‬
‫ذي َ‬ ‫ص عَرا َ‬‫م` ِ‬ ‫قي َ‬
‫س عت َ ِ‬
‫م ْ‬ ‫ط ال ْ ُ‬ ‫ص عَرا َ‬‫الععرازي‪ :‬قععوله‪ }:‬اهْد َِنا ال ّ‬
‫َ‬
‫ن`{ يععدل‬ ‫ضعاّلي َ‬‫م َول ال ّ‬ ‫ب ع َل َي ْهِع ْ‬‫ضععو ِ‬
‫مغْ ُ‬‫م غ َي ْعرِ ال ْ َ‬
‫ت ع َل َي ْهِ ْ‬
‫م َ‬
‫أن ْعَ ْ‬
‫لنا ذكرنا أن تقدير الية‪ :‬اهدنا صراط الذين‬ ‫على إمامة أبي بكر ‪τ‬‬
‫أنعمت عليهم والله تعالى قد بين في آية أخرى أن الذين أنعم اللععه‬
‫ك معع اّلعذي َ‬ ‫ُ‬
‫ه ع َل َي ِْهع ْ‬
‫م‬ ‫م الّلع ُ‬
‫ن أن َْعع َ‬
‫ِ َ‬ ‫عليهم من هم؟ فقال‪} :‬فَأول َئ ِ َ َ َ‬
‫ن{ اليععة ولشععك أن رأس الصععديقين‬ ‫قي َ‬‫دي ِ‬
‫صعع ّ‬
‫ن َوال ّ‬
‫ن الن ّب ِّييعع َ‬
‫معع َ‬
‫ِ‬
‫فكععان معنععى اليععة أن اللععه أمرنععا أن‬ ‫ورئيسهم أبو بكر الصععديق ‪τ‬‬
‫نطلب الهداية التي كان عليها أبععو بكععر الصععديق وسععائر الصععديقين‬
‫)( عقيدة أهل السّنة والجماعة في الصحابة‪ ،‬ناصر حسن الشيخ )‪.(2/532‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪164‬‬
‫ولو كان أبو بكر ظال ً لما جاز القتداء بععه فثبععت بمععا ذكرنععاه دللععة‬
‫هذه الية على إمامة أبي بكر ‪.(1)τ‬‬
‫وقال محمد المين الشنقيطي‪ :‬يؤخذ من هععذه اليععة الكريمععة‬
‫لنععه داخععل فيمععن أمرنععا اللععه فععي‬ ‫صحة إمامة أبي بكر الصديق ‪τ‬‬
‫السبع المثاني والقرآن العظيم‬
‫‪-‬أعنععي الفاتحععة‪ -‬بععأن نسععأله أن يهععدينا صععراطهم فععدل علععى أن‬
‫صراطهم هععو الصععراط المسععتقيم وذلععك فععي قععوله تعععالى}اهععدنا‬
‫الصراط المستقيم صراط الذين أنعمعت عليهعم{ وقعد بيعن العذين‬
‫معن‬ ‫أنعم عليهم فععد منهععم الصععديقين وقععد بيععن ‪ ε‬أن أبععا بكععر ‪τ‬‬
‫الصديقين فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم الععذين أمرنععا‬
‫الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم فلم يبق لبس فععي أن أبععا بكععر‬
‫على الصراط المستقيم وإن إمامته حق)‪.(2‬‬ ‫الصديق ‪τ‬‬
‫َ‬
‫ن‬
‫م ع َع ْ‬ ‫من ْك ُع ْ‬‫ن ي َْرت َد ّ ِ‬ ‫م ْ‬ ‫مُنوا َ‬ ‫ن َءا َ‬ ‫ذي َ‬‫ب‪-‬قال تعالى‪َ} :‬ياأي َّها ال ّ ِ‬
‫ه أ َذ ِل ّعةٍ ع َل َععى‬ ‫ْ‬
‫حب ّععون َ ُ‬
‫م وَي ُ ِ‬
‫حب ّهُع ْ‬‫قعوْم ٍ ي ُ ِ‬ ‫ه بِ َ‬‫ف ي َعأِتي الل ّع ُ‬ ‫ِدين ِهِ فَ َ‬
‫سو ْ َ‬
‫ل الل ّهِ َول‬ ‫سِبي ِ‬ ‫ن ِفي َ‬ ‫دو َ‬‫جاه ِ ُ‬‫ن يُ َ‬ ‫ري َ‬
‫كافِ ِ‬ ‫عّزةٍ ع ََلى ال ْ َ‬ ‫ن أَ ِ‬
‫مِني َ‬ ‫ال ْ ُ‬
‫مؤ ْ ِ‬
‫شعاُء َوالّلع ُ‬
‫ه‬ ‫ن يَ َ‬ ‫ل الّلعهِ ُيعؤ ِْتيهِ َ‬
‫مع ْ‬ ‫ض ُ‬ ‫ة لئ ِم ٍ ذ َل ِ َ‬
‫ك فَ ْ‬ ‫ن ل َوْ َ‬
‫م َ‬ ‫خاُفو َ‬
‫يَ َ‬
‫م{ )سورة المائدة‪ ،‬آية‪.(54:‬‬ ‫سعٌ ع َِلي ٌ‬
‫َوا ِ‬
‫هذه الصفات المذكورة في هذه الية الكريمة أول من تنطبق‬
‫وجيوشععه مععن الصععحابة الععذين قععاتلوا‬ ‫عليععه أبععو بكععر الصععديق ‪τ‬‬
‫)( تفسير الرازي )‪.(1/260‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( أضواء البيان )‪.(1/36‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-165-‬‬
‫المرتدين فقد مدحهم الله بأكمل الصفات ووجععه دللععة اليععة علععى‬
‫خلفة الصديق أنه )كان في علم الله سبحانه وتعالى مععايكون بعععد‬
‫من ارتداد قوم فوعد سععبحانه ‪-‬ووعععده صععدق‪-‬‬ ‫وفاة رسول الله ‪ε‬‬
‫أنعه يعأتي بقعوم يحبهعم ويحبعونه أذلعة علعى المعؤمنين أععزة علعى‬
‫الكافرين يجاهدون في سبيل الله وليخافون لومة لئم‪ ،‬فلمعا وجعد‬
‫ماكان في علمه من ارتداد مععن ارتععد بعععد وفععاة رسععول اللععه وجععد‬
‫بقتالهم فجاهد بمن أطععاعه‬ ‫تصديق وعده بقيام أبي بكر الصديق ‪τ‬‬
‫من الصحابة من عصاه من العراب‪ ،‬ولم يخف في الله لومععة لئم‬
‫حتى ظهععر الحععق وزهععق الباطععل وصععار تصععديق وعععده بعععد وفععاة‬
‫آية للعالمين ودللة على صحة خلفة الصديق ‪.(1)τ‬‬ ‫رسوله ‪ε‬‬
‫ه‬‫جع ُ‬‫خَر َ‬ ‫ه إ ِذ ْ أ َ ْ‬
‫ص عَره ُ الل ّع ُ‬ ‫صُروه ُ فَ َ‬
‫قد ْ ن َ َ‬ ‫جع‪-‬قال تعالى‪} :‬إ ِل ّ ت َن ْ ُ‬
‫حب ِهِ‬
‫صععا ِ‬ ‫ل لِ َ‬ ‫قععو ُ‬ ‫ما ِفي ال َْغارِ إ ِذ ْ ي َ ُ‬ ‫ن إ ِذ ْ هُ َ‬ ‫ي اث ْن َي ْ ِ‬
‫فُروا َثان ِ َ‬‫ن كَ َ‬
‫ذي َ‬‫ال ّ ِ‬
‫جُنودٍ‬
‫َ‬
‫ه ع َل َي ْهِ وَأي ّد َه ُ ب ِ ُ‬ ‫كين َت َ ُ‬
‫س ِ‬‫ه َ‬ ‫ل الل ّ ُ‬‫معََنا فَأ َن َْز َ‬ ‫ه َ‬‫ن الل ّ َ‬
‫ن إِ ّ‬‫حَز ْ‬
‫ل تَ ْ‬
‫ة الل ّعهِ‬ ‫فَلى وَك َل ِ َ‬
‫مع ُ‬ ‫سع ْ‬ ‫ن كَ َ‬
‫ف عُروا ال ّ‬ ‫ذي َ‬‫ة ال ّع ِ‬ ‫ل ك َل ِ َ‬
‫م َ‬ ‫جعَ َ‬ ‫ها وَ َ‬ ‫م ت ََروْ َ‬‫لَ ْ‬
‫م{ )سورة التوبة‪ ،‬آية‪.(40:‬‬ ‫كي ٌ‬‫ح ِ‬‫زيٌز َ‬ ‫ه عَ ِ‬ ‫ي ال ْعُل َْيا َوالل ّ ُ‬
‫هِ َ‬
‫قال أبو عبدالله القرطبي‪ :‬قال بعض العلماء في قوله تععالى‪:‬‬
‫}ثاني اثنين إذ هما في الغار{ مايدل على أن الخليفة بعد النبي ‪ε‬‬
‫أبو بكر الصديق ‪ τ‬لن الخليفة ليكون أبدا ً إل ثانيا ً وسمعت شععيخنا‬
‫أبا العباس أحمد بن عمر يقول‪ :‬إنما اسععتحق أن يقععال ثععاني اثنيععن‬
‫لقيامه بعد النبي ‪ ε‬بالمر كقيام النبي ‪ ε‬به أوًل‪ ،‬وذلك أن النبي ‪ε‬‬
‫)( العتقاد للبيهقي‪ ،‬ص ‪.174 -173‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪166‬‬
‫لمععا مععات ارتععدت العععرب كلهععا ولععم يبقععى السععلم إل بالمدينععة‬
‫وجواثا)‪ ،(1‬فقام أبو بكر يععدعو النععاس إلععى السععلم ويقععاتلهم علععى‬
‫فاسععتحق معن هعذه الجهعة أن‬ ‫الدخول في الدين كما فعل النبي ‪ε‬‬
‫يقال في حقه ثاني اثنين)‪.(2‬‬
‫ن‬
‫ري َ‬ ‫ج ِ‬ ‫ن ال ْ ُ‬
‫مهَععا ِ‬ ‫مع َ‬‫ن ِ‬ ‫ن ال َوّل ُععو َ‬‫قو َ‬ ‫سععاب ِ ُ‬ ‫ح‪ -‬قال تعععالى ‪َ} :‬وال ّ‬
‫َ‬
‫ضععوا‬ ‫م وََر ُ‬ ‫ه ع َن ْهُ ْ‬‫ي الل ّ ُ‬
‫ض َ‬ ‫ن َر ِ‬ ‫سا ٍ‬‫ح َ‬ ‫م ب ِإ ِ ْ‬‫ن ات ّب َُعوهُ ْ‬ ‫صارِ َوال ّ ِ‬
‫ذي َ‬ ‫َوالن ْ َ‬
‫َ‬ ‫حت ََها ال َن َْهاُر َ‬ ‫َ‬
‫دا‬
‫ن ِفيهَععا أب َع ً‬ ‫دي َ‬ ‫خاِلع ِ‬ ‫ري ت َ ْ‬ ‫ج ِ‬‫ت تَ ْ‬
‫جّنا ٍ‬ ‫م َ‬ ‫ه وَأع َد ّ ل َهُ ْ‬ ‫ع َن ْ ُ‬
‫م{ )سورة التوبة‪ ،‬آية‪ (100:‬الية ووجععه دللععة‬ ‫ظي ُ‬‫فوُْز ال ْعَ ِ‬ ‫ك ال ْ َ‬ ‫ذ َل ِ َ‬
‫أن الهجععرة فعععل‬ ‫الية على أحقية الصععديق بالمامععة بعععد النععبي ‪ε‬‬
‫شاق على النفس ومخالف للطبع فمن أقدم عليععه أول ً صععار قععدوة‬
‫لغيره في هذه الطاعة وكان ذلك مقويا ً لقلب الرسول عليه الصلة‬
‫والسلم وسببا ً لععزوال الوحشععة عععن خععاطره وكععذلك السععبق فععي‬
‫النصرة فإن الرسول عليه الصلة والسلم لما قدم المدينة فلشك‬
‫أن الذين سبقوا إلى النصععرة والخدمععة فععازوا بمنصععب عظيععم وإذا‬
‫ثبت هذا فإن أسبق الناس إلى الهجرة أبو بكر الصععديق فععإنه كععان‬
‫في خدمة المصطفى عليه الصلة والسلم وكععان مصععاحبا ً لععه فععي‬
‫كل مسكن وموضع فكان نصيبه من هذا المنصب أعلى من نصععيب‬
‫غيره وإذا ثبت هذا صار محكوما ً عليه بأنه رضعي اللعه عنعه ورضعي‬
‫هو عن الله وذلك في أعلى الععدرجات مععن الفضععل‪ ،‬وإذا ثبععت هععذا‬

‫)( جواثا‪ :‬قرية بالبحرين‪.‬انظر‪ :‬معجم البلدان )‪.(2/174‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( تفسير القرطبي )‪.(148 -8/147‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-167-‬‬
‫فصارت هذه الية مععن‬ ‫وجب أن يكون إماما ً حقا ً بعد رسول الله ‪ε‬‬
‫أدل الدلئل على فضل أبععي بكععر وعمععر رضععي اللععه عنهمععا وعلععى‬
‫صحة إمامتهما)‪.(1‬‬
‫مل ُععوا‬‫م وَع َ ِ‬ ‫من ْك ُع ْ‬ ‫من ُععوا ِ‬ ‫ن َءا َ‬ ‫ذي َ‬ ‫ه ال ّع ِ‬ ‫خ‪ -‬قال تعالى‪} :‬وَع َد َ الل ّ ُ‬
‫ف ال ّ ِ‬ ‫خل َ َ‬ ‫َ‬
‫ن‬‫م ْ‬‫ن ِ‬ ‫ذي َ‬ ‫ست َ ْ‬
‫ما ا ْ‬ ‫ض كَ َ‬ ‫م ِفي الْر ِ‬ ‫فن ّهُ ْ‬‫خل ِ َ‬
‫ست َ ْ‬‫ت ل َي َ ْ‬ ‫حا ِ‬ ‫صال ِ َ‬‫ال ّ‬
‫ن‬ ‫مع ْ‬ ‫م ِ‬‫م وَل َي ُب َد ّل َن ّهُ ْ‬‫ضى ل َهُ ْ‬ ‫ذي اْرت َ َ‬ ‫م ال ّ ِ‬ ‫م ِدين َهُ ُ‬ ‫ن ل َهُ ْ‬‫مك ّن َ ّ‬ ‫م وَل َي ُ َ‬ ‫قَب ْل ِهِ ْ‬
‫ن كَ َ‬ ‫شرِ ُ‬ ‫خوفه َ‬
‫ف عَر‬ ‫مع ْ‬ ‫ش عي ًْئا وَ َ‬ ‫ن ِبي َ‬ ‫كو َ‬ ‫دون َِني ل ي ُ ْ‬ ‫مًنا ي َعْب ُ ُ‬ ‫مأ ْ‬ ‫ب َعْد ِ َ ْ ِ ِ ْ‬
‫ن{ )سورة النور‪ ،‬آية‪.(55:‬‬ ‫قو َ‬ ‫س ُ‬ ‫فا ِ‬ ‫م ال ْ َ‬ ‫ك هُ ُ‬ ‫ك فَُأول َئ ِ َ‬ ‫ب َعْد َ ذ َل ِ َ‬
‫وعلى خلفععة الثلثععة‬ ‫هذه الية منطبقة على خلفة الصديق ‪τ‬‬
‫بعده فلما وجدت هذه الصفة من الستخلف والتمكين في أمر أبي‬
‫بكر وعمر وعثمان وعلي دل ذلك على أن خلفتهععم حععق)‪ ،(2‬وقععال‬
‫الحافظ بن كثير‪ :‬وقال بعض السلف خلفة أبي بكععر وعمععر رضععي‬
‫الله عنهما حق في كتاب الله ثم تل هذه الية)‪.(3‬‬
‫َ‬ ‫خل ّ ِ‬
‫ن‬‫سعت ُد ْع َوْ َ‬ ‫ب َ‬ ‫ن الع ْعَرا ِ‬ ‫مع َ‬ ‫ن ِ‬ ‫فيع َ‬ ‫م َ‬‫ل ل ِل ْ ُ‬
‫د‪-‬قال تعالى‪} :‬قُع ْ‬
‫قععات ُِلونه َ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬
‫ن‬ ‫ن ف َ عإ ِ ْ‬‫مو َ‬ ‫س عل ِ ُ‬
‫م أوْ ي ُ ْ‬ ‫َُ ْ‬ ‫ديد ٍ ت ُ َ‬ ‫شع ِ‬ ‫س َ‬ ‫إ ِلى قَعوْم ٍ أول ِععي ب َعأ ٍ‬
‫تطيعوا يؤ ْت ِك ُم الل ّ َ‬
‫ن‬
‫مع ْ‬ ‫م ِ‬ ‫مععا ت َعوَل ّي ْت ُ ْ‬ ‫وا ك َ َ‬ ‫ن ت َت َوَل ّ ْ‬
‫سًنا وَإ ِ ْ‬ ‫ح َ‬ ‫جًرا َ‬ ‫هأ ْ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ ِ ُ‬
‫َ‬
‫مععا{ )سععورة الفتععح‪ ،‬آيععة‪ (16:‬قععال أبععو‬ ‫ذاًبا أِلي ً‬ ‫م ع َع َ‬‫ل ي ُعَعذ ّب ْك ُ ْ‬‫قَب ْ ُ‬
‫الحسن الشعري رحمه الله تعالى‪):‬وقد دل علععى إمامععة أبععي بكععر‬
‫في سععورة بععراءة فقععال للقاعععدين عععن نصععرة نععبيه عليععه السععلم‬
‫)( تفسير الرازي )‪.(169 -16/168‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( تفسير القرآن العظيم لبن كثير )‪.(5/121‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( نفس المصدر )‪.(5/121‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪168‬‬
‫ة‬
‫فع ٍ‬ ‫ه إ ِل َععى َ‬
‫طائ ِ َ‬ ‫ك الل ّع ُ‬ ‫جعَع َ‬ ‫ن َر َ‬ ‫والمتخلفين عن الخروج معه ‪} :‬فَإ ِ ْ‬
‫ن‬‫دا وَل َع ْ‬
‫َ‬
‫ي أب َع ً‬
‫معِ َ‬
‫جوا َ‬ ‫خُر ُ‬
‫ن تَ ْ‬‫ل لَ ْ‬ ‫ق ْ‬ ‫ج فَ ُ‬ ‫خُرو ِ‬ ‫ك ل ِل ْ ُ‬‫ست َأ ْذ َُنو َ‬
‫م َفا ْ‬ ‫من ْهُ ْ‬‫ِ‬
‫دوا‬‫مععّرةٍ َفاقُْععع ُ‬ ‫ل َ‬ ‫قُعود ِ أ َوّ َ‬‫م ِبال ْ ُ‬ ‫ضيت ُ ْ‬‫م َر ِ‬ ‫ي ع َد ُّوا إ ِن ّك ُ ْ‬‫معِ َ‬ ‫قات ُِلوا َ‬ ‫تُ َ‬
‫ن{ )سورة التوبة‪ ،‬آية‪ .(83:‬وقال فععي سععورة أخععرى‪:‬‬ ‫في َ‬ ‫م ع َ ال ْ َ‬
‫خال ِ ِ‬ ‫َ‬
‫م‬ ‫ها ذ َُروَنا ن َت ّب ِعْ ُ‬
‫كعع ْ‬ ‫ذو َ‬ ‫م ل ِت َأ ْ ُ‬
‫خ ُ‬ ‫م إ َِلى َ‬
‫مَغان ِ َ‬ ‫ذا ان ْط َل َ ْ‬
‫قت ُ ْ‬ ‫ن إِ َ‬
‫فو َ‬‫خل ّ ُ‬
‫م َ‬‫ل ال ْ ُ‬
‫قو ُ‬ ‫} َ‬
‫سي َ ُ‬
‫يريدو َ‬
‫ي‬‫معِ َ‬‫جوا َ‬ ‫خُر ُ‬ ‫ن تَ ْ‬‫كلَم الل ِّه{ يعني الى قوله‪} :‬ل َ ْ‬ ‫ن ي ُب َد ُّلوا َ‬
‫نأ ْ‬ ‫ُ ِ ُ َ‬
‫َ‬
‫ن بَ ْ‬
‫ل‬ ‫قوُلو َ‬ ‫ل فَ َ‬
‫سي َ ُ‬ ‫ن قَب ْ ُ‬
‫م ْ‬ ‫ل الل ّ ُ‬
‫ه ِ‬ ‫م َقا َ‬‫دا{ ثم قال الله تعالى }ك َذ َل ِك ُ ْ‬ ‫أب َ ً‬
‫ل‬‫ن ِإل قَِليل{ وقععال تعععالى‪ُ} :‬قعع ْ‬ ‫قُهععو َ‬ ‫ف َ‬ ‫ل َ‬
‫كععاُنوا ل ي َ ْ‬ ‫دون ََنا َبعع ْ‬
‫سعع ُ‬
‫ح ُ‬ ‫تَ ْ‬
‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫س عت ُد ْعَوْ َ َ‬ ‫َ‬
‫ديدٍ‬ ‫شع ِ‬‫س َ‬ ‫ن إ ِلععى قَ عوْم ٍ أول ِععي ب َعأ ٍ‬ ‫ب َ‬
‫ن العْ عَرا ِ‬
‫مع َ‬
‫ن ِ‬ ‫خل ّ ِ‬
‫في ع َ‬ ‫م َ‬ ‫ل ِل ْ ُ‬
‫ن‬ ‫قععات ُِلونهم أ َو يس عل ِمون فَعإن تطيعععوا ي عؤْت ِك ُم الل ّع َ‬
‫س عًنا وَإ ِ ْ‬
‫ح َ‬‫ج عًرا َ‬
‫هأ ْ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ِ ْ ُ ِ ُ‬ ‫َُ ْ ْ ُ ْ ُ َ‬ ‫تُ َ‬
‫وا{ ‪-‬يعني تعرضوا عن إجابععة الععداعي لكععم الععى قتععالكم‪ -‬كمععا‬ ‫ت َت َوَل ّ ْ‬
‫ل يعذ ّبك ُم عَ َ َ‬
‫ما{ )سورة الفتح‪ ،‬آيتان‪:‬‬
‫ذاًبا أِلي ً‬ ‫ن قَب ْ ُ ُ َ ْ ْ‬
‫م ْ‬ ‫}ت َوَل ّي ْت ُ ْ‬
‫م ِ‬
‫قععال اللععه ‪-‬عزوجععل‪-‬‬ ‫‪ .(15-16‬والداعي لهم إلى ذلك غير النبي ‪ε‬‬
‫َ‬
‫ي عَد ُّوا{ وقععال فععي‬ ‫قات ُِلوا َ‬
‫معِ َ‬ ‫دا وَل َ ْ‬
‫ن تُ َ‬ ‫ي أب َ ً‬‫معِ َ‬
‫جوا َ‬
‫خُر ُ‬ ‫ل لَ ْ‬
‫ن تَ ْ‬ ‫له }فَ ُ‬
‫ق ْ‬
‫سورة الفتح‪} :‬يريدو َ‬
‫ه{ فمنعهععم عععن الخععروج‬ ‫م الل ّ ِ‬ ‫كل َ‬‫ن ي ُب َد ُّلوا َ‬‫نأ ْ‬‫ُ ِ ُ َ‬
‫مع نبيه عليه السلم وجعل خروجهم معه تبديل ً لكلمه فوجب بذلك‬
‫أن الداعي الذي يدعوهم إلععى القتععال داع يععدعوهم بععد نععبيه ‪،(1)ε‬‬
‫ديد{‪ .‬هم فارس والروم‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬
‫ش ِ‬ ‫وقد قال مجاهد في قوله‪} :‬أوِلي ب َأ ٍ‬
‫س َ‬
‫وبه قال الحسن البصري‪ .‬قال عطاء‪ :‬هم فععارس وهععو أحععد قععولي‬
‫ابن عباس ‪ ،τ‬وفي رواية أخرى عنه أنهم بنععو حنيفععة يععوم اليمامععة‬
‫)( البانة عن أصول الديانة‪ ،‬ص ‪67‬؛ مقالت السلميين ) ‪.(2/144‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪-169-‬‬
‫فإن كانوا أهل اليمامة فقد قوتلوا في أيام أبي بكععر‪ :‬وهععو الععداعي‬
‫إلى قتال مسيلمة وبني حنيفعة معن أهعل اليمامعة‪ ،‬وإن كعانوا أهعل‬
‫فارس والروم)‪ ،(1‬فقد قوتلوا في أيام أبي بكععر وقععاتلهم عمععر مععن‬
‫بعده وفرغ منهم وإذا وجبت إمامة عمر وجبت إمامة أبي بكععر كمععا‬
‫وجبت إمامة عمر لنه العاقد له المامة فقد دل القرآن على إمامة‬
‫الصديق والفاروق رضي الله عنهما‪ ،‬وإذا وجبت إمامة أبي بكر بعععد‬
‫وجب أنه أفضل المسلمين ‪.(2)τ‬‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫ن‬
‫معع ْ‬‫جوا ِ‬ ‫خرِ ُ‬ ‫ن أُ ْ‬‫ذي َ‬‫ن ال ّ ِ‬
‫ري َ‬
‫ج ِ‬
‫مَها ِ‬‫قَراِء ال ْ ُ‬ ‫هع‪ -‬قال تعالى‪} :‬ل ِل ْ ُ‬
‫ف َ‬
‫َ‬
‫ن‬‫صعُرو َ‬
‫واًنا وَي َن ْ ُ‬
‫ض َ‬‫ن الل ّهِ وَرِ ْ‬
‫م َ‬‫ضل ً ِ‬ ‫ن فَ ْ‬‫م ي َب ْت َُغو َ‬ ‫وال ِهِ ْ‬‫م َ‬‫م وَأ ْ‬‫ِديارِه ِ ْ‬
‫ن{ )سورة الحشر‪ ،‬الية‪.(8 :‬‬ ‫صاد ُِقو َ‬ ‫م ال ّ‬ ‫ك هُ ُ‬ ‫ه ُأول َئ ِ َ‬‫سول َ ُ‬ ‫ه وََر ُ‬ ‫الل ّ َ‬
‫أن الله عز وجععل سععماهم‬ ‫وجه دللة هذه الية على خلفته ‪τ‬‬
‫)صادقين( ومن شهد له الرب ‪ -‬جل وعل‪ -‬بالصدق فععإنه ليقععع فععي‬
‫الكذب ول يتخذه خلقا ً بحال وقد أطبق هؤلء الموصوفون بالصععدق‬
‫ومععن هنععا كععانت‬ ‫على تسمية الصديق ‪) τ‬خليفة رسول اللععه() ( ‪ε‬‬
‫‪3‬‬

‫الية دالة على ثبوت خلفته ‪.( )τ‬‬


‫‪4‬‬

‫‪ -7‬الحاديث التي أشارت الى خلفة أبي بكر ‪:τ‬‬


‫وأما الحاديث النبوية التي جاء التنععبيه فيهععا علععى خلفععة أبععي‬
‫فكععثيرة شععهيرة متععواترة ظععاهرة الدللععة إمععا علععى وجععه‬ ‫بكععر ‪τ‬‬
‫جامع البيان للطبري )‪(84-26/82‬؛ العتقاد للبيهقي‪ ،‬ص ‪.173‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬
‫البانة في أصول الديانة‪ ،‬ص ‪.67‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫منهاج السّنة )‪(1/135‬؛ الفصل في الملل والهواء والنحل ) ‪.(4/107‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫عقيدة أهل السّنة والجماعة )‪ ،(2/538‬ناصر حسن الشيخ‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫‪170‬‬
‫التصريح أو الشارة ولشتهارها وتواترها صارت معلومة من الععدين‬
‫ومن تلك الحاديث‪.‬‬ ‫إنكارها)‪(1‬‬ ‫بالضرورة بحيث ليسع أهل البدعة‬
‫فأمرهععا أن‬ ‫أ‪ -‬عن جبير بن مطعم قععال‪ :‬أتععت امععرأة النععبي ‪ε‬‬
‫ترجع إليه قالت‪ :‬أرأيت إن جئت ولم أجدك ‪ -‬كأنهععا تقععول المععوت‪-‬‬
‫إن لم تجديني فأتي أبابكر)‪.(2‬‬ ‫قال ‪ε‬‬
‫كععانت علععى‬ ‫قال ابن حجر‪ :‬وفي الحديث أن مواعيد النععبي ‪ε‬‬
‫من يتولى الخلفة بعده تنجيزها وفيه رد على الشيعة فععي زعمهععم‬
‫أنه نص على استخلف علي والعباس)‪.(3‬‬
‫جلوس عا ً فقععال‪ :‬إنععي ل‬ ‫ب‪ -‬عن حذيفة قال‪ :‬كنا عنععد النععبي ‪ε‬‬
‫أدري ماقدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار الععى أبععي‬
‫بكر وعمر )وتمسكوا بعهد عمار وماحدثكم ابن مسعععود فصععدقوه(‬
‫) ‪. (4‬‬
‫فقوله ‪) :ε‬اقتدوا باللذين مععن بعععدي( أي‪ :‬بععالخيلفتين اللععذين‬
‫يقومان من بعععدي وهمععا أبععوبكر وعمععر وحععث علععى القتععداء بهمععا‬
‫لحسععن سععيرتهما وصععدق سععريرتهما‪ ،‬وفععي الحععديث إشععارة لمععر‬
‫الخلفة)‪.(5‬‬
‫عععن رسععول اللععه قععال‪ :‬بينمععا أنععا نععائم‬ ‫ت‪ -‬عن أبي هريرة ‪τ‬‬
‫أريت أني أنزع على حوضي أسععقي النععاس فجععاءني أبععوبكر فأخععذ‬
‫عقيدة أهل السّنة والجماعة في الصحابة )‪.(2/539‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬
‫مسلم )‪(1857 -4/1856‬؛ البخاري رقم ‪.3659‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫فتح الباري )‪.(7/24‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫سلسلة الحاديث الصحيحة لللباني )‪.(236 -3/233‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫تحفة الحوذي بشرح الترمذي )‪.(10/147‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬

‫‪-171-‬‬
‫الدلو من يدي ليروحني فنزع الدلوين وفي نزعه ضعف والله يغفععر‬
‫له فجاء ابن الخطاب فأخذ منه فلم أر نععزع رجععل قععط أقععوى منععه‬
‫حتى تولى الناس والحوض ملن يتفجر)‪.(1‬‬
‫قال الشافعي رحمه الله‪ :‬رؤيا النبياء وحي وقوله‪ :‬وفي نزعه‬
‫ضعف قصر مدته وعجلعة معوته وشععله بعالحرب لهعل العردة ععن‬
‫الفتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في طول مدته)‪.(2‬‬
‫ث‪ -‬قالت عائشة‪ :‬قال لي رسول الله ‪ ε‬في مرضععه‪) :‬ادعععي‬
‫لي أبابكر‪ ،‬وأخاك حععتى أكتععب كتاب عا ً فععإني أخععاف أن يتمععى متمععن‬
‫ويقول قائل‪ :‬أنا أولى‪ .‬ويأبى الله والمؤمنون إل أبابكر()‪.(3‬‬
‫حيععث‬ ‫دل هذا الحديث دللععة واضععحة علععى فضععل الصععديق ‪τ‬‬
‫أخبر النبي ‪ ε‬بما سيقع في المستقبل بعد التحاقه بالرفيق العلععى‬
‫وأن المسلمين يأبون عقد الخلفة لغيععره ‪ τ‬وفععي الحععديث إشععارة‬
‫أنه سيحصل نزاع ووقع كل ذلك كما أخبر عليه الصلة والسلم ثععم‬
‫اجتمعوا على أبي بكر ‪.(4)τ‬‬
‫ج‪ -‬عن عبيد الله بن عبدالله قال‪ :‬دخلت علععى عائشععة فقلععت‬
‫لها‪ :‬أل تحديثيني عن مرض رسول الله ‪ ε‬قالت‪ :‬بلى ثقل النععبي ‪ε‬‬
‫فقال‪ :‬أصلى بالناس‪ .‬قلنا‪ :‬ل وهم ينتظرونععك يارسععول اللععه‪ .‬قععال‪:‬‬

‫مسلم )‪.(1862 -4/1861‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫العتقاد للبيهقي ‪ ،‬ص ‪.171‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫مسلم )‪.(4/1857‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫عقيدة أهل السّنة والجماعة في الصحابة )‪.(2/542‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫‪172‬‬
‫ضعوا لي ماء في المخضب)‪ .(1‬ففعلنا فاغتسل ثععم ذهععب لينععوء)‪،(2‬‬
‫فأغمى عليه ثم أفاق فقال‪ :‬أصلى الناس‪ .‬قلنا‪ :‬ل وهععم ينتظرونععك‬
‫يارسول الله فقال‪ :‬ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم‬
‫ذهب لينوء فأغمى عليه ثم أفاق فقال‪ :‬أصلى الناس‪ .‬قلنا‪ :‬ل وهععم‬
‫ينتظرونععك يارسععول اللععه؟ قععالت‪ :‬والنععاس عكععوف فععي المسععجد‬
‫لصععلة العشععاء الخععرة قععالت‪ :‬فأرسععل‬ ‫ينتظععرون رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫رسول الله ‪ ε‬الى أبي بكر أن يصلي بالناس فأتان الرسول فقععال‪:‬‬
‫إن رسول الله ‪ ε‬يععأمرك أن تصععلي بالنععاس فقععال‪ :‬أبععوبكر‪ ،‬وكععان‬

‫رجل ً رقيقًا‪ :‬ياعمر ص ِ‬


‫ل بالناس قال‪ :‬فقال‪ :‬عمععر أنععت أحععق بععذلك‬
‫وجععد فععي‬ ‫قالت‪ :‬فصلى بهم أبوبكر تلك اليام ثم إن رسول الله ‪ε‬‬
‫نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلة الظهر وأبوبكر‬
‫أن‬ ‫يصلي بالناس فلما رآه أبوبكر ذهب ليتأخر فأومأ إليععه النععبي ‪ε‬‬
‫ل يتأخر وقال لهما‪ :‬أجلساني الى جنبععه‪ .‬فأجلسععاه الععى جنععب أبعي‬
‫بكر وكان أبوبكر يصلي وهو قائم بصععلة النععبي ‪ε‬‬
‫والنععاس يصععلون‬
‫بصلة أبي بكر والنبي ‪ ε‬قاعد‪ .‬قال عبيدالله‪ :‬فدخلت على عبدالله‬
‫بن عباس فقلت له‪ :‬أل أعرض عليك ماحدثتني عائشة عععن مععرض‬
‫قال‪ :‬هات فعرضت حديثها عليه فما أنكر منععه شععيئا ً‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫غير أنه قال‪ :‬أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس قلت‪ :‬ل قال‪:‬‬
‫هو علي)‪.(3‬‬
‫)( المخضب‪ :‬هي إجانة تغسل فيها الثياب‪.‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( ينوء‪ :‬أي يقوم وينهض )شرح النووي‪.(4/136 ،‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( مسلم رقم ‪418‬؛ البخاري رقم ‪.687‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-173-‬‬
‫هذا الحديث اشتمل على فوائد عظيمة منها‪ :‬فضيلة أبعي بكععر‬
‫وترجيحععه علععى جميععع الصععحابة رضععوان اللععه عليهععم‬ ‫الصععديق ‪τ‬‬
‫مععن‬ ‫أجمعين وتفضيله‪ ،‬وتنبيه على أنه أحق بخلفععة رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫غيععره ومنهععا أن المععام إذا عععرض لععه عععذر عععن حضععور الجماعععة‬
‫استخلف من يصلي بهم وأنه ل يستخلف إل أفضلهم‪ ،‬ومنها فضععيلة‬
‫لم يعدل الى غيره)‪.(1‬‬ ‫عمر بعد أبي بكر ‪ τ‬لن أبابكر ‪τ‬‬
‫د‪ -‬قال عبدالله بن مسعود ‪ :τ‬لما قبض رسول اللععه ‪ ε‬قععالت‬
‫النصار‪:‬منا أمير ومنكم أمير قال‪ :‬فأتاهم عمععر ‪ τ‬فقععال‪ :‬يامعشععر‬
‫النصار‪ ،‬ألستم تعلمون أن رسول الله ‪ ε‬قد أمر أبابكر يؤم الناس‬
‫فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبابكر ‪ τ‬فقالت النصععار‪ :‬نعععوذ بععالله‬
‫أن نتقدم أبابكر)‪.(2‬‬
‫هع‪ -‬روى ابن سعد بإسناده الى الحسن قععال‪ :‬قععال علععي‪ :‬لمععا‬
‫قد قدم أبععابكر فععي‬ ‫قبض النبي ‪ ε‬نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي ‪ε‬‬
‫لععديننا فقععدمنا‬ ‫الصععلة فرضععينا لععدنيانا مععن رضععي رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫أبابكر)‪.(3‬‬
‫لبي‬ ‫وقد علق أبو الحسن الشعري على تقديم رسول الله ‪ε‬‬
‫بكر في الصلة فقال‪ :‬وتقديمه له أمر معلععوم بالضععرورة مععن ديععن‬
‫السلم قال‪ :‬وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم لما‬
‫ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلمععاء‪ :‬أن رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫)( شرح النووي )‪.(4/137‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( المستدرك )‪.(3/67‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( الطبقات لبن سعد )‪.(3/183‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪174‬‬
‫قال‪ :‬يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كععانوا فععي القععراءة سععواء‬
‫فأعلمهم بالسّنة‪ ،‬فإن كانوا في السّنة سععواء فععأكبرهم سععنًا‪ ،‬فععإن‬
‫كانوا في السن سواء فأقدمهم إسلمًا( ‪ -‬قال ابن كثير‪ -‬وهععذا مععن‬
‫كلم الشعري رحمه الله مما ينبغي أن يكتب بمععاء العذهب ثععم قعد‬
‫وأرضاه)‪.(1‬‬ ‫اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق ‪τ‬‬
‫مععن حيععث‬ ‫هذا ولهععل السعّنة قععولن فععي إمامععة أبعي بكععر ‪τ‬‬
‫الشارة إليها بالنص الخفي أو الجلي‪ ،‬فمنهععم مععن قععال‪ :‬إن إمامععة‬
‫ثابتة بالنص الخفي والشععارة وهععذا القععول ينسععب الععى‬ ‫أبي بكر ‪τ‬‬
‫الحسن البصري رحمه الله تعالى وجماعة من أهل الحديث)‪ ،(2‬وهو‬
‫روايععة عععن المععام أحمععد بععن حنبععل)‪ ،(3‬رحمععة اللععه عليععه واسععتدل‬
‫بسععد‬ ‫أصحاب هذا القول بتقديم النبي ‪ ε‬له في الصععلة وبععأمره ‪ε‬‬
‫البواب إل باب أبي بكر‪ ،‬ومنهععم مععن قععال‪ :‬إن خلفععة أبععي بكععر ‪τ‬‬
‫ثابتة بالنص الجلي وهذا قول طائفة من أهل الحععديث)‪ ،(4‬وبععه قععال‬
‫أبومحمد بن حزم الظاهري)‪ ،(5‬واستدل هذا الفريق بحديث المععرأة‬
‫التي قال لها‪ :‬إن لم تجديني فأتي أبابكر)‪ ،(6‬وبقعوله لعائشعة رضعي‬
‫الله عنها‪ :‬ادعي لي أبابكر وأخاك حتى أكتب كتابا ً فععإني أخععاف أن‬

‫)( البداية والنهاية )‪.(5/265‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( منهاج السّنة لبن تيمية )‪.(135 -1/134‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( نفس المصدر )‪.(1/134‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( عقيدة أهل السّنة والجماعة في الصحابة )‪.(2/547‬‬ ‫‪4‬‬
‫)( الفصل في الملل والهواء والنحل )‪.(4/107‬‬ ‫‪5‬‬
‫)( مسلم )‪.(1857 -4/1856‬‬ ‫‪6‬‬

‫‪-175-‬‬
‫يتمنععى متمععن ويقععول قععائل أنععا أولععى ويععأبى اللععه والمؤمنععون إل‬
‫أبابكر)‪ ،(1‬وحديث رؤيعاه ‪ :ε‬أنعه علعى حعوض يسعقى النععاس فجعاء‬
‫أبوبكر فنزع الدلو من يده ليروحه()‪.(2‬‬
‫والذي أميل إليه ويظهر لي مععن خلل البحععث‪ :‬أن المصععطفى‬
‫‪ ε‬يأمر المسلمين بأن يكععون الخليفععة عليهععم مععن بعععده أبععابكر ‪τ‬‬
‫وإنما دلهم عليهععا لعلم اللععه سععبحانه وتعععالى لععه بععان المسععلمين‬
‫سيختارونه لما له من الفضائل العالية التي ورد بها القرآن والس عّنة‬
‫وأرضاه)‪.(3‬‬ ‫وفاق بها غيره من جميع المة المحمدية ‪τ‬‬
‫قععال ابععن تيميععة رحمععه اللععه‪ :‬والتحقيععق أن النععبي ‪ ε‬دل‬
‫المسلمين على استخلف أبي بكععر وأرشععدهم إليععه بععأمور متعععددة‬
‫من أقوله وأفعاله وأخبر بخلفته إخبار رضي بذلك حامد لععه وعععزم‬
‫على أن يكتب بذلك عهدا ً ثععم علععم أن المسععلمين يجتمعععون عليععه‬
‫فترك الكتاب اكتفاء بذلك‪ ...‬فلو كان التعيين مما يشتبه على المة‬
‫بيان عا ً قاطع عا ً للعععذر ولكععن لمععا دلهععم دللت‬ ‫لععبينه رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫متعددة على أن أبابكر هو المتعين وفهموا ذلععك حصععل المقصععورد‬
‫ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته الععتي خطبهععا بمحضععر مععن‬
‫المهاجرين والنصار‪ :‬وليس فيكم من تقطع إليه العناق مثععل أبععي‬
‫بكر‪ (...‬الععى أن قععال‪) :‬فخلفععة أبععي بكععر الصععديق دلععت النصععوص‬
‫لععه بهععا‬ ‫الصععحيحة علععى صععحتها وثبوتهععا ورضععا اللععه ورسععوله ‪ε‬‬
‫)( مسلم )‪ (4/1857‬حديث رقم ‪.2387‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( مسلم )‪.(1862 -4/1861‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( عقيدة أهل السّنة والجماعة )‪.(2/548‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪176‬‬
‫وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختيارا ً استندوا فيععه‬
‫الععى مععاعملوه مععن تفضععيل اللععه ورسععوله فصععارت ثابتععة بععالنص‬
‫والجماع جميعا ً لكن النص دل على رضا الله ورسوله بها وأنها حق‬
‫وأن الله أمر بها وقدرها وأن المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من‬
‫مجرد العهد بها لنه حينئذ كععان يكععون طريععق ثبوتهععا مجععرد العهععد‪،‬‬
‫وأما إذا كان المسلمون قد اختاروه من غير عهععد ودلععت النصععوص‬
‫على صوابهم فيما فعلوه ورضا الله ورسوله بعذلك كعان ذلعك دليل ً‬

‫على أن الصديق كان فيععه معن الفضعائل الععتي بعان بهععا ععن غيععره‬
‫ماعلم المسلمون به أنه أحقهم بالخلفة فإن ذلك ليحتاج فيه الععى‬
‫عهد خاص)‪.(1‬‬

‫‪ -8‬انعقاد الجماع على خلفة الصديق ‪:τ‬‬


‫أجمع أهل السّنة والجماعة سلفا ً وخلفا ً على أن أحععق النععاس‬
‫لفضععله وسععابقته ولتقععديم‬‫بالخلفة بعد النبي ‪ ε‬أبوبكر الصععديق ‪τ‬‬
‫النبي ‪ ε‬إياه في الصلوات على جميع الصعحابة وقعد فهععم أصعحاب‬
‫النبي ‪ ε‬مراد المصطفى عليععه الصععلة والسععلم مععن تقععديمه فععي‬
‫الصلة فأجمعوا علععى تقععديمه فععي الخلفععة ومتععابعته ولععم يتخلععف‬
‫منهم أحد ولم يكن الرب جل وعل ليجمعهععم علععى ضععللة فبععايعوه‬
‫طائعين وكان لوامعره ممتثليععن ولععم يععارض أحعد فعي تقعديمه)‪،(2‬‬
‫فعندما سئل سعيد بن زيد متى بويع أبوبكر؟ قال‪ :‬يوم مات رسول‬

‫)( منهاج السّنة )‪(141 -1/139‬؛ مجموع الفتاوى )‪.(49-35/47‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( عقيدة أهل السنة في الصحابة )‪.(2/550‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-177-‬‬
‫الله ‪ :ε‬كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة)‪ ،(1‬وقععد نقععل‬
‫جماعة من أهل العلم المعتبرين إجماع الصحابة ومععن جععاء بعععدهم‬
‫أولى بالخلفة مععن كععل‬ ‫من أهل السّنة والجماعة على أن أبابكر ‪τ‬‬
‫وهذه بعض أقوال أهل العلم‪:‬‬ ‫أحد)‪(2‬‬

‫أ‪ -‬قععال الخطيععب البغععدادي ‪-‬رحمععه اللععه‪ -‬أجمععع المهععاجرون‬


‫والنصار على خلفة أبي بكر قععالوا لععه‪ :‬ياخليفععة رسععول اللععه ولععم‬
‫عععن ثلثيععن ألععف‬ ‫يسم أحد بعده خليفة‪ ،‬وقيل‪ :‬إنععه قبععض النععبي ‪ε‬‬
‫مسلم كل قال لبي بكر‪ :‬ياخليفة رسول الله ورضوا بععه مععن بعععده‬
‫رضي الله عنهم)‪.(3‬‬
‫ب‪ -‬وقال ابو الحسن الشعععري‪ :‬أثنععى اللععه ‪-‬عععز وجععل‪ -‬علععى‬
‫المهاجرين والنصار والسابقين الى السلم‪ ،‬ونطععق القععرآن بمععدح‬
‫المهععاجرين والنصععار فععي مواضععع كععثيرة وأثنععى علععى أهععل بيعععة‬
‫ن إ ِذ ْ‬ ‫ن ال ْ ُ‬
‫م عؤ ْ ِ‬
‫مِني َ‬ ‫ي الل ّع ُ‬
‫ه ع َع ِ‬ ‫ضع َ‬ ‫الرضوان فقال عز وجل‪} :‬ل َ َ‬
‫قد ْ َر ِ‬
‫ة{ )سععورة الفتععح‪ ،‬اليععة ‪ .(18‬قععد أجمععع‬ ‫جَر ِ‬ ‫ت ال ّ‬
‫ش َ‬ ‫ح َ‬ ‫ي َُباي ُِعون َ َ‬
‫ك تَ ْ‬
‫هؤلء الذين أثنى الله عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصععديق‬
‫وسموه خليفة رسول الله وبايعوه وانقادوا له وأقروا له بالفضل‬ ‫‪τ‬‬
‫وكان أفضل الجماعة في جميع الخصال التي يسععتحق بهععا المامععة‬
‫من العلم والزهد وقوة الرأي وسياسة المة وغير ذلك)‪.(4‬‬
‫)( أباطيل يجب أن تمح من التاريخ‪ ،‬ابراهيم شعوط‪ ،‬ص ‪.101‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( عقيدة أهل السّنة والجماعة في الصحابة )‪.(2/550‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( تاريخ بغداد )‪.(131 -10/130‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( البانة عن أصول الديانة‪ ،‬ص ‪.66‬‬ ‫‪4‬‬
‫‪178‬‬
‫فقععد ثبتععت‬ ‫جع‪-‬وقال عبدالملك الجويني‪ :‬أما إمامة أبي بكر ‪τ‬‬
‫بإجماع الصحابة فإنهم أطبقوا على بذل الطاعة والنقياد لحكمه ‪...‬‬
‫فععي‬ ‫شراسا ً)‪ ،(1‬وشماسععا ً)‪(2‬‬ ‫وماتخرص به الروافض من إبداء علي‬
‫فععي السععقيفة وكععان‬ ‫عقد البيعة له كذب صععريح‪ ،‬نعععم لععم يكععن ‪τ‬‬
‫ثععم دخععل‬ ‫مستخليا ً بنفسه قد استفزه الحزن علععى رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫فيما دخل الناس فيه وبايع أبا بكر على مل من الشهاد)‪.(3‬‬
‫د‪-‬وقال أبعو بكعر البععاقلني فععي معععرض ذكععره للجمععاع علععى‬
‫مفععروض الطاعععة لجمععاع المسععلمين‬ ‫خلفة الصععديق ‪ :τ‬وكععان ‪τ‬‬
‫على طاعته وإمامته وانقيادهم له حتى قععال أميععر المععؤمنين علععي‬
‫لمعا قعال‪ :‬أقيلععوني فلسعت بخيركعم‪،‬‬ ‫عليه السلم مجيبععا لقعوله ‪τ‬‬
‫لععديننا أل نرضععاك‬ ‫فقال‪ :‬لنقيلك ولنستلقيلك قدمك رسول الله ‪ε‬‬
‫لعدنيانا يعنعي بعذلك حيعن قعدمه للمامعة فعي الصعلة معع حضعوره‬
‫أفضععل المععة‬ ‫وإسععتنابته فععي إمععارة الحععج فععأمرك علينععا وكععان ‪τ‬‬
‫وأرجحهم إيمانا ً وأكملهم فهما ً وأوفرهم علما ً)‪.(4‬‬
‫‪-9‬منصب الخلفة والخليفة‪:‬‬
‫الخلفة السلمية هي المنهععج العذي اختععارته المععة السععلمية‬
‫ة وأسععلوبا ً للحكععم تنظععم مععن خللععه أمورهععا‬
‫وأجمعت عليععه طريقع ً‬

‫)( الشراس‪ :‬شدة المعاملة‪ .‬مختار الصحاح‪ ،‬ص ‪.346‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( وشماسًا‪ :‬أي صعب الخلق‪ .‬لسان العرب )‪.(6/111‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( كتاب الرشاد‪ ،‬ص ‪.361‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( النصاف فيما يجب اعتقادة ول يجوز الجهل به‪ ،‬ص ‪.65‬‬ ‫‪4‬‬
‫وتجدر الشارة إليه أن الذي ذكرت فيه النصوص التي فيها الشارة الى خلفة الصععديق‬
‫من اليات القرآنية والحاديث النبوية وذكر الجماع اختصرتها من الكتاب القيععم عقيععدة‬
‫أهل السّنة والجماعة في الصحابة الكرام للدكتور ناصر بن عائض حسن الشيخ‪.‬‬

‫‪-179-‬‬
‫وترعى مصععالحها‪ ،‬وقععد ارتبطععت نشععأة الخلفععة بحاجععة المععة لهععا‬
‫واقتناعها بها‪ ،‬ومن ثم كععان إسععراع المسععلمين فععي اختيععار خليفععة‬
‫لرسول الله ‪ ،ε‬يقول المام أبو الحسن المععاوردي‪ :‬إن اللععه جلععت‬
‫قدرته ندب للمة زعيما ً خلف به النبوة وحاط به الملة‪ ،‬وفوض إليه‬
‫السياسة ليصدر التدبير عن دين مشروع‪ ،‬وتجتمع الكلمة على رأي‬
‫متبوع‪ ،‬فكانت المامة أصل ً عليه استقرت قواعععد الملععة وانتظمععت‬
‫به مصالح العامة حتى اسععتثبتت بععه المععور العامععة‪ ،‬وصععدرت عنععه‬
‫الوليات الخاصة)‪.(1‬‬
‫لقد كان على المة السلمية أن تواجه الموقف الصعب الذي‬
‫إلى الرفيق العلى‪ ،‬وأن تحسم أمورهععا‬ ‫نشأ عن انتقال الرسول ‪ε‬‬
‫بسرعة وحكمة وأل تدع مجال ً لنقسام قد يتسرب منه الشععك إلععى‬
‫نفوس أفرادها أو للضعف أن يتسلل إلى أركان البناء الععذي شععيده‬
‫رسول الله ‪.(2)ε‬‬
‫ولما كانت الخلفة هي نظام حكم المسععلمين فقععد اسععتمدت‬
‫أصولها من دستور المسلمين‪ ،‬من القرآن الكريم ومن سعّنة النععبي‬
‫‪ ،(3)ε‬وقععد تحععدث الفقهععاء عععن أسععس الخلفععة السععلمية فقععالوا‬
‫بالشورى والبيعة وهما أصل ً قد أشير إليهما في القععرآن الكريععم)‪،(4‬‬
‫ومنصب الخلفة أحيانعا ً يطلعق عليعه لفعظ المامعة أو المعارة وقعد‬

‫الحكام السلطانية ‪ ،‬ص ‪.3‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫عصر الخلفاء الراشدين‪ ،‬د‪ .‬فتحية النبراوي ‪ ،‬ص ‪.22‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫عصر الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.23‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.23‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫‪180‬‬
‫أجمع المسلمون على وجوب الخلفععة‪ ،‬وأن تعييععن الخليفععة فععرض‬
‫على المسلمين يرعى شؤون المة ويقيم الحدود ويعمل على نشر‬
‫الدعوة السلمية وعلى حماية الدين والمة بالجهععاد وعلععى تطععبيق‬
‫الشريعة وحماية حقععوق النععاس ورفععع المظععالم وتععوفير الحاجععات‬
‫الضرورية لكل فرد‪ .‬وهذا ثابت بالقرآن والسّنة والجماع)‪.(1‬‬
‫َ‬ ‫َ‬
‫طيعُععوا الل ّع َ‬
‫ه‬ ‫من ُععوا أ ِ‬
‫ن َءا َ‬
‫ذي َ‬ ‫وقععد قععال تعععالى‪َ} :‬ياأي ّهَععا ال ّع ِ‬
‫َ‬ ‫وأ َطيعوا الرسو َ ُ‬
‫م{ )سععورة النسععاء‪ ،‬اليععة‪:‬‬ ‫من ْك ُ ْ‬
‫مرِ ِ‬ ‫ل وَأوِلي اْل ْ‬ ‫ّ ُ‬ ‫َ ِ ُ‬
‫‪.(59‬‬
‫ض‬ ‫َ‬ ‫جعَل ْن َععا َ‬
‫ة فِععي الْر ِ‬ ‫فع ً‬ ‫خِلي َ‬‫ك َ‬ ‫داوُد ُ إ ِن ّععا َ‬
‫وقععال تعععالى‪} :‬ي َععا َ‬
‫ل‬‫سِبي ِ‬ ‫ن َ‬ ‫ضل ّ َ‬
‫ك عَ ْ‬ ‫وى فَي ُ ِ‬ ‫حقّ َول ت َت ّب ِِع ال ْهَ َ‬ ‫س ِبال ْ َ‬‫ن الّنا ِ‬ ‫م ب َي ْ َ‬‫حك ُ ْ‬‫َفا ْ‬
‫مععا‬
‫ديد ٌ ب ِ َ‬
‫ش ِ‬ ‫ب َ‬‫ذا ٌ‬ ‫م عَ َ‬ ‫ل الل ّهِ ل َهُ ْ‬ ‫سِبي ِ‬ ‫ن َ‬ ‫ن عَ ْ‬ ‫ضّلو َ‬ ‫ن يَ ِ‬‫ذي َ‬‫ن ال ّ ِ‬ ‫الل ّهِ إ ِ ّ‬
‫ب{ )سورة ص‪ ،‬الية‪.(26 :‬‬ ‫سا ِ‬‫ح َ‬‫م ال ْ ِ‬ ‫سوا ي َوْ َ‬ ‫نَ ُ‬
‫وقال ‪ :ε‬من خلع يدا ً من طاعة لقى الله يوم القيامععة لحجععة‬
‫ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)‪.(3‬‬ ‫له)‪(2‬‬

‫وأما الجماع فالصحابة رضوان الله عليهعم لععم ينتظععروا حعتى‬


‫وتوافدوا للتفععاق علععى إمععام أو خليفععة وعلععل‬ ‫يتم دفن الرسول ‪ε‬‬
‫أبوبكر قبول هذه المانة وهععو خععوفه أن تكععون فتنععة أي مععن عععدم‬
‫قال الشهرستاني في ذلععك‪) :‬مععادار فععي‬ ‫للمسلمين)‪(4‬‬ ‫تعيين خليفة‬

‫الخلفة والخلفاء الراشدون‪ ،‬ص ‪.58‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫ل حجة له في فعله ول عدالة ينفعه‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫مسلم )‪ (3/1478‬رقم ‪.1851‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫الخلفة والخلفاء الراشدون‪ ،‬ص ‪.59‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪-181-‬‬
‫قلبه ول في قلب أحد أنه يجوز خلو الرض من إمام( فدل ذلك كله‬
‫على أن الصحابة وهم الصدر الول كانوا على بكرة أبيهععم متفقيععن‬
‫على أنه لبد من إمام‪ ،‬فذلك الجماع على هذا الععوجه دليععل قععاطع‬
‫على وجوب المام)‪.(1‬‬
‫هذا وليس صحيحا ً مايروجه الحاقدون أن الطمع في الرئاسععة‬
‫سبب النشغال بالخلفة عن دفن النبي ‪.(2)ε‬‬
‫هذا وقد عّرف ابن خلدون الخلفعة‪) :‬هعي حمعل الكافععة علعى‬
‫مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الخروية والدنيوية الراجعععة‬
‫إليها إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع الععى اعتبارهععا بمصععالح‬
‫الخرة فهي في الحقيقة خلفة عن صاحب الشرع في حراسة هذا‬
‫الدين وسياسة الدنيا به()‪.(3‬‬
‫وقد تحدث العلمة ابوالحسن الندوي عن شروط خلفة النبي‬
‫ومتطلباتها‪ ،‬وقد أثبت بالدلة والحجج من خلل سيرة الصديق بععأن‬
‫أبابكر كانت شروط خلفة النبي متحققة فيه ونذكر هععذه الشععروط‬
‫بإيجاز وبدون ذكر الشواهد التي ذكرها الندوي وقد بينتهععا فععي هععذا‬
‫الكتاب متناثرة‪ ،‬فأهم هذه الشروط‪:‬‬
‫أ‪ -‬يمتاز بأنه ظل طول حياته بعد السلم متمتعا ً بثقععة رسععول‬
‫به وشهادته له‪ ،‬واسععتخلفه إيععاه فععي القيععام ببعععض أركععان‬ ‫الله ‪ε‬‬
‫)( الملل والنحل للشهرستاني )‪(7/83‬؛ نظام الحكععم‪ ،‬محمععود الخالععدي‪ ،‬ص ‪ 237‬الععى‬ ‫‪1‬‬
‫‪.248‬‬
‫)( الخلفة والخلفاء والراشدون‪ ،‬ص ‪.49‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( المقدمة‪ ،‬ص ‪.191‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪182‬‬
‫الععدين الساسععية‪ ،‬وفععي مهمععات المععور‪ ،‬والصععحبة فععي مناسععبات‬
‫خطرة دقيقة ليستصحب فيها النسان إل مععن يثععق بععه كععل الثقععة‪،‬‬
‫ويعتمد عليه كل العتماد‪.‬‬
‫ب‪ -‬يمتاز هذا الفرد بالتماسععك والصععمود فععي وجععه العاصععير‬
‫والعواصف التي تكاد تعصف بجوهر الععدين ولبععه‪ ،‬وتحبععط مسععاعي‬
‫صاحب رسالته‪ ،‬وتنخلع لها قلوب كثير ممن قوى إيمععانهم وطععالت‬
‫صحبتهم‪ ،‬ولكن يثبت هذا لفرد في وجهها ثبوت الجبال الراسععيات‪،‬‬
‫ويمثل دور خلفاء النبياء الصادقين الراسخين‪ ،‬ويكشف الغطاء عن‬
‫العيون‪ ،‬وينفض الغبار عن جوهرة الدين وعقيدته الصحيحة‪.‬‬
‫ج‪ -‬يمتاز هذا الفرد في فهمه الععدقيق السععلم‪ ،‬ومعايشععته لععه‬
‫على اختلف أطواره وألععوانه مععن سععلم وحععرب‪،‬‬ ‫في حياة النبي ‪ε‬‬
‫وخوف وأمن‪ ،‬ووحدة وإجتماع‪ ،‬وشدة ورخاء‪.‬‬
‫د‪ -‬يمتاز بشدة غيرته على أصالة هذا الدين وبقائه على ماكان‬
‫عليه في عهد نبّيه‪ ،‬غيععرة أشععد مععن غيععرة الرجععال علععى العععراض‬
‫والكرامات‪ ،‬والزواج والمهات‪ ،‬والبنين والبنات‪ ،‬ليحوله عععن ذلععك‬
‫خوف أو طمع أو تأويل أو عدم موافقة معن أقعرب النععاس وأحبهعم‬
‫إليه‪.‬‬
‫س‪ -‬يكون دقيقا ً كل الدقة وحريصعا ً أشععد الحععرص فععي تنفيععذ‬
‫رغبات الرسول الذي يخلفه في أمته بععد وفعاته‪ ،‬ليحيعد ععن ذلعك‬
‫قيد شعرة‪ ،‬ول يساوم فيه أحدًا‪ ،‬وليخاف لومة لئم‪.‬‬

‫‪-183-‬‬
‫و‪ -‬يمتاز بالزهد فععي متععاع الععدنيا والتمت ّععع بععه‪ ،‬زهععدا ً ل ُيت ّ‬
‫صععور‬
‫فوقه إل عند إمامه وهاديه سيد النبياء عليه الصععلة والسععلم‪ ،‬وأن‬
‫ليخطر بباله تأسيس الملععك والدولععة وتوسععيعهما لصععالح عشععيرته‬
‫ووَرَثته‪ ،‬كما اعتادت ذلك السر الملوكية الحاكمة في أقرب الععدول‬
‫والحكومات من جزيرة العرب‪ ،‬كالروم والفرس)‪.(1‬‬
‫وقد اجتمعت هذه الصفات والشروط كلها في سيدنا أبي بكر‬
‫قبل الخلفة‬ ‫‪ ،τ‬كما تمثلت في حياته وسيرته في حياة الرسول ‪ε‬‬
‫وبعد الخلفة الى أن توفاه الله تعالى‪ ،‬بحيث ليسع منكرا ً أن ينكره‬
‫أو مش ّ‬
‫ككا يشكك في صحته‪ ،‬فقد تحقق بطريق البداهة والتواتر)‪.(2‬‬
‫هذا وقد قام أهل الحل والعقد في سقيفة بني سععاعدة ببيعععة‬
‫الصديق بيعة‪ ،‬خاصة ثم رشحوه للنععاس فععي اليععوم الثععاني وبععايعته‬
‫المة في المسجد البيعة العامة)‪.(3‬‬
‫وقد افرز مادار في سقيفة بني ساعدة مجموعة من المبععادئ‬
‫منها‪ :‬أن قيادة المة لتقام إل بالختيار‪ ،‬وأن البيعععة هعي أصعل معن‬
‫أصول الختيار وشرعية القيادة‪ ،‬وأن الخلفة ل يتولهععا إل الصععلب‬
‫دينا ً والكفأ إدارة‪ ،‬فاختيار الخليفة يكععون وفععق مقومععات إسععلمية‪،‬‬
‫وشخصععية‪ ،‬وأخلقيععة‪ ،‬وأن الخلفععة لتععدخل ضععمن مبععدأ الوراثععة‬
‫النسبية أو القبليععة‪ ،‬وإن إثعارة )قريععش( فععي سعقيفة بنععي سععاعدة‬

‫)( المرتضى‪ ،‬سير أبي الحسن علي بن أبي طالب‪ ،‬ص ‪.65،66‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( سيرة ابي الحسن علي بن أبي طالب‪ ،‬ص ‪.67‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( الخلفة والخلفاء الراشدون‪ ،‬ص ‪.66،67‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪184‬‬
‫باعتباره واقع يجب أخععذه فععي الحسععبان‪ ،‬ويجععب اعتبععار أي شععيء‬
‫مشابه مالم يكن متعارضا ً مع أصول السلم‪ ،‬وأن الحوار الععذي دار‬
‫في سقيفة بني ساعدة قام على قاعدة المن النفسي السائد بيععن‬
‫المسلمين حيث لهرج ول مرج‪ ،‬ول تكذيب ول مععؤامرات ول نقعض‬
‫للتفاق‪ ،‬ولكن تسليم للنصوص التي تحكمهم حيععث المرجعيععة فععي‬
‫الحوار الى النصوص الشرعية)‪.(1‬‬
‫وقد استدل الدكتور توفيق الشاوي علععى بعععض المثلععة الععتي‬
‫صدرت بالشورى الجماعية في عهد الراشدين من حادثة السععقيفة‬
‫حيث قال‪:‬‬
‫· أول مععاقرره اجتمععاع يععوم السععقيفة هععو أن )نظععام الحكععم‬
‫ودستور الدولة( يقرر بالشورى الحرة‪ ،‬تطبيقا ً لمبدأ الشورى الععذي‬
‫نص عليه القرآن‪ ،‬ولذلك كان هذا المبدأ محععل إجمععاع‪ ،‬وسععند هععذا‬
‫الجمععاع النصععوص القرآنيععة الععتي فرضععت الشععورى‪ ،‬أي أن هععذا‬
‫الجماع كشف وأكد أول أصل شرعي لنظععام الحكععم فععي السععلم‬
‫وهو الشورى الملزمة‪ ،‬وهذا أول مبدأ دستوري تقرر بالجمععاع بعععد‬
‫‪ ،‬ثععم إن هععذا الجمععاع لععم يكععن إل تأييععدا ً وتطبيق عا ً‬ ‫وفاة رسولنا ‪ε‬‬
‫لنصوص الكتاب والسّنة التي أوجبت الشورى ‪.‬‬
‫· تقرر يوم السقيفة أيضا ً أن اختيار رئيس الدولة أو الحكومععة‬
‫السلمية وتحديد سلطاته يجب أن يتم بالشورى‪ ،‬أي البيعة الحععرة‬
‫التي تمنحه تفويضا ً ليتولى الولية بالشروط والقيود الععتي يتضععمنها‬
‫)( دراسات في عهد النبوة والخلفة الراشدة للشجاع‪ ،‬ص ‪.256‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪-185-‬‬
‫عقد البيعععة الختياريععة الحععرة ‪ -‬الدسععتور فععي النظععم المعاصععرة‪،-‬‬
‫وكان هذا ثاني المبادئ الدستورية التي أقرها الجماع‪ ،‬وكان قرارا ً‬

‫إجماعيا ً كالقرار السابق‪.‬‬


‫· تطبيقا ً للمبدأين السابقين‪ ،‬قرر اجتماع السقيفة اختيار أبععي‬
‫بكر ليكون الخليفة الول للدولة السلمية)‪.(1‬‬
‫ثم إن هذا الترشيح لم يصح نهائيا ً إل بعععد أن تمععت لععه البيعععة‬
‫العامة‪ ،‬أي موافقة جمهععور المسععلمين فععي اليععوم التععالي بمسععجد‬
‫الرسول ‪ ،ε‬ثم قبوله لها بالشروط التي ذكرهععا فععي خطععابه الععذي‬
‫ألقاه)‪ ،(2‬وسنأتي على ذلك بالتفصيل بإذن الله تعالى‪.‬‬

‫)( فقه الشورى والستشارة‪ ،‬د‪ .‬توفيق الشاوي‪ ،‬ص ‪.140‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.142‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪186‬‬
‫المبحث الثاني‬
‫البيعة العامة‪ ،‬وإدارة الشؤون الداخلية‬

‫أو ً‬
‫ل‪ :‬البيعة العامة‪:‬‬
‫البيعة الخاصة فععي سععقيفة بنععي‬ ‫بعد أن تمت بيعة أبي بكر ‪τ‬‬
‫ساعدة‪ ،‬كان لعمر ‪ τ‬في اليوم التالي موقععف فععي تأييععد أبععي بكععر‬
‫العامة قال‬ ‫للبيعة)‪(1‬‬ ‫وذلك في اليوم التالي حينما اجتمع المسلمون‬
‫أنس بن مالك‪ :‬لما بويع أبي بكعر فعي السعقيفة وكععان الغعد جلععس‬
‫ابوبكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمععدالله وأثنععى‬
‫عليه بما هو أهله‪ ،‬ثم قال‪ :‬أيها الناس إني كنت قلت لكععم بععالمس‬
‫مقالة ماكانت مما وجدتها في كتاب الله‪ ،‬ول كانت عهدا ً عهده الى‬
‫ولكني قد كنت أرى أن رسول الله ‪ ε‬سععيدبر أمرنععا‬ ‫رسول الله ‪ε‬‬
‫‪-‬يقول يكون آخرنا‪ -‬وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله‬
‫ورسوله ‪ ،ε‬فإن عصيتم به هداكم الله لما كان هداه لععه‪ ،‬وإن اللععه‬
‫ثعاني أثنيعن إذ‬ ‫قد جمع أمركم على خيركم صعاحب رسعول اللعه ‪ε‬‬
‫هما في الغار فقوموا فبايعوه فبايع الناس أبابكر بعد بيعة السقيفة‬
‫فتكلم أبوبكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال‪ :‬أما بعد‬

‫)( عصر الخلفاء الراشدين‪ ،‬د‪ .‬فتحية النبراوي‪ ،‬ص ‪.30‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪-187-‬‬
‫أيها الناس فإني قد وليت عليكععم ولسععت بخيركععم‪ ،‬فععإن أحسععنت‬
‫فععأعينوني‪ ،‬وإن أسععأت فقومععوني‪ ،‬الصععدق أمانععة والكععذب خيانععة‪،‬‬
‫والضعيف فيكم قوي عنععدي حعتى أرجعع عليععه حقعه إن شععاء اللعه‪،‬‬
‫والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله‪ ،‬ليععدع‬
‫قععوم الجهععاد فععي سععبيل اللععه إل ضععربهم اللععه بالععذل‪ ،‬ول تشععيع‬
‫مهعم اللعه بعالبلء‪ ،‬أطيععوني معاأطعت اللعه‬
‫الفاحشة في قوم ٍ إل ع ّ‬
‫ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فل طاعة لي عليكم‪ ،‬قوموا الععى‬
‫صلتكم يرحمكم الله)‪.(1‬‬
‫وقال عمر لبي بكر يومئذ‪ :‬اصعد المنععبر‪ ،‬فلععم يععزل بععه حععتى‬
‫صعد المنبر فبايعه الناس عامة)‪.(2‬‬
‫وتعتبر هذه الخطبة الرائعة من عيون الخطب السلمية علععى‬
‫إيجازها وقد قرر الصديق فيها قواعد العدل والرحمة فععي التعامععل‬
‫بين الحاكم والمحكوم وركز على أن طاعة ولي المر مترتبة علععى‬
‫طاعة الله ورسوله‪ ،‬ونص على الجهاد في سبيل الله لهميتععه فععي‬
‫إعععزاز المععة‪ ،‬وعلععى اجتنععاب الفاحشععة لهميععة ذلععك فععي حمايععة‬
‫المجتمع من النهيار والفساد)‪ ،(3‬من خلل الخطبة والحععداث الععتي‬
‫تمت بعد وفععاة الرسععول يمكععن للبععاحث أن يسععتنبط بععض ملمععح‬
‫نظام الحكم في بداية عهد الخلفة الراشدة والتي من أهمها‪:‬‬
‫‪ -1‬مفهوم البيعة‪:‬‬

‫)( البداية والنهاية ) ‪ (6/305،306‬إسناده صحيح‪.‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( البخاري‪ ،‬الحكام‪ ،‬رقم ‪.7219‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( التاريخ السلمي )‪.(9/28‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪188‬‬
‫عّرف العلماء البيعة بتعاريف عدة منهععا تعريععف ابععن خلععدون‪:‬‬
‫العهد على الطاعة لععولي المعر)‪ ،(1‬وعرفهععا بعضععهم بقععوله‪ :‬البيعععة‬
‫علععى التعاقععد علععى السععلم)‪ ،(2‬وعرفععت كععذلك بأنهععا أخععذ العهععد‬
‫والميثاق والمعاقدة علععى إحيععاء ماأحيععاه الكتععاب والسعّنة‪ ،‬وإقامععة‬
‫ماأقامه)‪ ،(3‬وكان المسلمون إذا بايعوا المير جعلوا أيديهم في يده‪،‬‬
‫تأكيدا ً للعهد والولء‪ ،‬فاشبه ذلك الفعل البععائع والمشععتري‪ ،‬فسععمى‬
‫هذا الفعل بيعة)‪.(4‬‬
‫ونتعلععم مععن مبايعععة المععة للصععديق بععأن الحععاكم فععي الدولععة‬
‫السلمية إذا وصل الى الحكم عن طريق أهل الحل والعقد وبايعته‬
‫المة بعد أن توفرت فيه الشروط المعتبرة‪ ،‬فيجب على المسلمين‬
‫جميعا ً مبايعته والجتماع عليه‪ ،‬ونصرته على من يخرج عليه‪ ،‬حفظا ً‬

‫على وحدة المة وتماسك بنيانهععا أمععام العععداء فععي داخععل الدولععة‬
‫السلمية وخارجها)‪.(5‬‬
‫قال ‪) :ε‬من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية()‪،(6‬‬
‫فهذا الحديث فيه حععث علععى وجععوب إعطععاء البيعععة والتوعععد علععى‬
‫تركهععا‪ ،‬فمععن مععات ولععم يبععايع عععاش علععى الضععلل ومععات علععى‬
‫الضلل)‪.(7‬‬
‫المقدمة‪ ،‬ص ‪.209‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬
‫جامع الصول في أحاديث الرسول )‪.(1/252‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫نظام الحكم في السلم‪ ،‬عارف ابوعيد‪ ،‬ص ‪.248‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.250‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫المصدر السابق‪ ،‬ص ‪.250‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬
‫مسلم‪ ،‬كتاب المارة‪ ،‬رقم ‪.1851‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬
‫نظام الحكم في السلم‪ ،‬ص ‪.250‬‬ ‫)(‬ ‫‪7‬‬

‫‪-189-‬‬
‫وقال رسول اللععه ‪) :ε‬ومععن بععايع إمامعا ً فأعطععاه صععفقة يععده‬
‫وثمرة قلبه فيطعه مااستطاع‪ ،‬فإن جاء آخر ينازعه فاضععربوا عنععق‬
‫الخر()‪.(1‬‬
‫فالشارع الحكيم قد رتب القتل وأمر به‪ ،‬نتيجعة الخعروج علعى‬
‫المام مما يدل علععى حرمععة هععذا الفعععل‪ ،‬لنععه بطلععب بيعععة أخععرى‬
‫بالبيعة الولى التي هي فرض على المسلمين)‪.(2‬‬
‫والذي يأخذ البيعة في حاضرة الدولععة هععو الخليفععة‪ .‬وأمععا فععي‬
‫القاليم فقد يأخذها المام‪ ،‬وقد يأخذها نواب المام‪ ،‬كما حدث في‬
‫بيعة الصديق ‪ ،τ‬فأهل مكة والطائف أخذها نواب الخليفة‪.‬‬
‫والععذي تجععب بيعتهععم للمععام هععم أهععل الحععل والعقععد‪ ،‬وأهععل‬
‫الختيار من علماء المة وقادتهععا‪ ،‬وأهععل الشععورى وأمععراء المصععار‬
‫وأما سائر الناس وعامتهم فيكفيهم دخولهم تحععت بيعععة هععؤلء‪ ،‬ول‬
‫يمنع العامة من البيعة بعد بيعة أهععل الحععل والعقععد)‪ ،(3‬وهنععاك مععن‬
‫العلماء من قال لبد من البيعة العامة لن الصديق لم يباشر مهامه‬
‫كخليفة للمسلمين إل بعد البيعة العامة له من المسلمين)‪.(4‬‬
‫م للصعديق ل تعطعي إل‬
‫والبيعة بهعذا المعنعى الخعاص العذي تع ّ‬
‫للمام العظم في الدولة السلمية ولتعطى لغيره من الشععخاص‬
‫سوءا في ظل الدولة السلمية أو عند فقدها‪ ،‬لما يترتب على هذه‬

‫مسلم‪ ،‬كتاب المارة رقم ‪.1852‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫نظام الحكم في السلم‪ ،‬ص ‪.253‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.253‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫فقه الشورى‪ ،‬د‪ .‬الشاوي‪ ،‬ص ‪439‬؛ عصر الخلفاء الراشدين‪ ،‬ص ‪.30‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫‪190‬‬
‫البيعة من أحكام)‪ ،(1‬وخلصة القول أن البيعة بمعناهععا الخععاص هععي‬
‫إعطاء الولء والسمع والطاعة للخليفة مقابل الحكم بما أنزل اللععه‬
‫تعالى‪ ،‬وأنها في جوهرها وأصلها عقد وميثاق بيععن طرفيععن؛ المععام‬
‫من جهة وهو الطرف الول‪ ،‬والمة مععن جهععة ثانيععة وهععي الطععرف‬
‫الثاني‪ ،‬فالمام يبايع على الحكم بالكتععاب والسعّنة والخضععوع التععام‬
‫للشريعة السلمية عقيدة وشريعة ونظام حياة‪ ،‬والمة تبععايع علععى‬
‫الخضوع والسمع والطاعة للمام في حدود الشريعة‪.‬‬
‫فالبيعة خصصية من خصائص نظام الحكم فععي السععلم تفععرد‬
‫به عن غيره من النظم الخرى في القديم والحديث‪ .‬ومفهععومه أن‬
‫الحععاكم والمععة كليهمععا مقيععد بمععا جععاء بععه السععلم مععن الحكععام‬
‫الشرعية‪ ،‬ول يحق لحدهما سواء كان الحاكم أو المة ممثلة بأهععل‬
‫الحل والعقد‪ ،‬الخروج على أحكام الشريعة أو تشريع الحكام الععتي‬
‫تصادم الكتاب والسّنة‪ ،‬أو القواعد العامة في الشععريعة ويعععد فعععل‬
‫مثل ذلك خروجا ً على السلم‪ ،‬بل إعلن الحرب على النظام العام‬
‫للدولة السلمية بل أبعد من هذا نجد أن القرآن الكريم نفى عنهععم‬
‫حّتععى‬‫ن َ‬ ‫مُنععو َ‬ ‫ك ل ي ُؤ ْ ِ‬ ‫صععفة اليمععان) (‪ ،‬قععال تعععالى‪َ} :‬فل وََرّبعع َ‬
‫‪2‬‬

‫جععا‬
‫حَر ً‬
‫م َ‬ ‫س عه ِ ْ‬
‫ف ِ‬ ‫دوا ِفي أ َن ْ ُ‬ ‫ج ُ‬ ‫م ثُ ّ‬
‫م ل يَ ِ‬ ‫جَر ب َي ْن َهُ ْ‬‫ش َ‬ ‫ما َ‬ ‫ك ِفي َ‬ ‫مو َ‬‫حك ّ ُ‬‫يُ َ‬
‫ما{ )سورة النساء‪ ،‬الية‪.(65:‬‬ ‫سِلي ً‬
‫موا ت َ ْ‬ ‫سل ّ ُ‬‫ت وَي ُ َ‬ ‫ما قَ َ‬
‫ضي ْ َ‬ ‫م ّ‬‫ِ‬
‫فهذا مفهوم البيعة من خلل عصر أبي بكر الصديق ‪.τ‬‬

‫)( نظام الحكم في السلم‪ ،‬ص ‪.254‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( نظام الحكم في السلم‪ ،‬ص ‪.152،153‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-191-‬‬
‫‪ -2‬مصدر التشريع في دولة الصديق‪:‬‬
‫قال أبوبكر ‪ :τ‬أطيعوني ماأطعت الله ورسوله‪ ،‬فععإن عصععيت‬
‫الله ورسوله فل طاعة لي عليكم)‪ ،(1‬فمصدر التشريع عند الصععديق‬
‫‪:‬‬
‫أ‪ -‬القرآن الكريم‪:‬‬
‫ن‬ ‫حك ُع َ‬
‫م ب َي ْع َ‬ ‫حقّ ل ِت َ ْ‬‫ب ب ِععال ْ َ‬
‫ك ال ْك َِتا َ‬ ‫قال تعالى‪} :‬إ ِّنا أ َن َْزل َْنا إ ِل َي ْ َ‬
‫ما{ )سععورة‬ ‫صععي ً‬ ‫خ ِ‬
‫ن َ‬ ‫ن ل ِل ْ َ‬
‫خععائ ِِني َ‬ ‫ه َول ت َك ُع ْ‬ ‫ك الل ّع ُ‬ ‫مععا أ ََرا َ‬
‫س بِ َ‬
‫الّنا ِ‬
‫النساء‪ ،‬الية‪.(105:‬‬
‫فهو المصدر الول الذي يشتمل على جميع الحكام الشععرعية‬
‫التي تتعلق بشؤون الحياة‪ ،‬كمععا يتضععمن مبععادئ أساسععية وأحكامعا ً‬

‫قاطعة لصلح كل شعبة من شعب الحياة‪ ،‬كما بين القرآن الكريععم‬


‫للمسلمين كل مايحتاجون إليه من أسس تقوم عليها دولتهم‪.‬‬
‫ب‪ -‬السّنة المطهرة‪:‬‬
‫هي المصدر الثاني الذي يستمد منه الدستور السلمي أصوله‬
‫ومععن خللهععا يمكععن معرفععة الصععيغ التنفيذيععة والتطبيقيععة لحكععام‬
‫القرآن)‪.(2‬‬
‫إن دولة الصديق خضعت للشريعة وأصبحت سععيادة الشععريعة‬
‫السلمية فيها فوق كل تشريع وفوق كل قانون وأعطت لنا صورة‬
‫مضيئة مشرقة على أن الدولة السلمية دولة شريعة‪ ،‬خاضعة بكل‬
‫أجهزتها لحكام هذه الشريعة‪ ،‬والحاكم فيها مقيد بأحكامها ليتقععدم‬

‫)( البداية والنهاية )‪.(6/306‬‬ ‫‪1‬‬


‫صلبي‪ ،‬ص ‪.432‬‬
‫)( فقه التمكين في القرآن الكريم لل ّ‬ ‫‪2‬‬
‫‪192‬‬
‫وليتأخر عنها)‪.(1‬‬
‫ففععي دولععة الصععديق وفععي مجتمععع الصععحابة‪ ،‬الشععريعة فععوق‬
‫الجميع‪ ،‬يخضع لها الحععاكم والمحكععوم ولهععذا قيععد الصععديق طععاعته‬
‫قععال‪:‬‬ ‫التي طلبها من المة بطاعة الله ورسوله‪ ،‬لئن رسول الله ‪ε‬‬
‫)ل طاعة في المعصية‪ ،‬إنما الطاعة في المعروف()‪.(2‬‬
‫‪ -3‬حق المة في مراقبة الحاكم ومحاسبته‪:‬‬
‫قعععال ابعععوبكر ‪ :τ‬فعععإن أحسعععنت فعععأعينوني وإن أسعععأت‬
‫فقوموني)‪.(3‬‬
‫فهذا الصديق يقّر بحق المة وأفرادها في الرقابة على أعماله‬
‫ومحسبته عليها‪ ،‬بل وفي مقاومته لمنع كععل منكعر يرتكبععه وإلزامعه‬
‫بمععا يعتععبرونه الطريععق الصععحيح والسععلوك الشععرعي)‪ ،(4‬وقععد أق عّر‬
‫الصععديق فععي بدايععة خطععابه للمععة أن كععل حععاكم معععرض للخطععأ‬
‫والمحاسبة‪ ،‬وأنه ليستمد سلطته من أي امتياز شخصي يجعععل لععه‬
‫أفضلية على غيره؛ لن عهععد الرسععالت والرسععل المعصععومين قععد‬
‫انتهى‪ ،‬وان آخر رسول كان يتلقى الوحى انتقل الى جوار ربه‪ ،‬وقد‬
‫كانت لععه سععلطة دينيععة مسععتمدة مععن عصععمته كنععبي ومععن صععفته‬
‫كرسول يتلقى التوجيه من السماء‪ ،‬ولكن هذه العصمة قععد انتهععت‬
‫أصبح الحكم والسلطة مسععتمدة مععن عقععد‬ ‫بوفاته ‪ ε‬وبعد وفاته ‪ε‬‬
‫نظام الحكم في السلم‪ ،‬ص ‪.227‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬
‫البخاري رقم ‪.7145‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(6/305‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫فقه الشورى والستشارة‪ ،‬ص ‪.441‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪-193-‬‬
‫البيعة وتفويض المة له)‪.(1‬‬
‫إن المة في فقه أبي بكععر لهععا إدارة حيععة واعيععة لهععا القععدرة‬
‫علععى المناصععرة والمناصععحة والمتابعععة والتقععويم‪ ،‬فععالواجب علععى‬
‫الرعية ُنصرة المام الحاكم بما أنزل الله ومعاضدته ومناصرته فععي‬
‫أمور الدين والجهاد‪ ،‬ومن نصرة المام أل يهان‪ ،‬ومععن معاضععدته أن‬
‫يحترم‪ ،‬وأن يكّرم فقوامته على المة وقيادته لها لعلء كلمة اللععه‪،‬‬
‫تستوجب تبجيله وإجلله وإكرامه وتبجيله‪ ،‬إجلل ً وإكراما ً لشرع الله‬
‫الذي ينافع عنه ويدافع عنععه‪ .‬قععال رسععول اللععه ‪) : ε‬إن مععن إجلل‬
‫الله تعالى‪ :‬إكرام ذي الشيبة المسلم‪ ،‬وحامل القرآن غير المغععالي‬
‫فيه والجافي عنه‪ ،‬وإكرام ذي السلطان المقسط()‪ ،(2‬والمة واجب‬
‫عليها أن ُتناصح ولة أمرها قال ‪) :ε‬الدين النصحية‬
‫‪-‬ثلثًا‪ (-‬قال الصحابة‪ :‬لمن يارسععول اللععه؟ قععال‪) :‬للععه ‪-‬عععز وجععل‪-‬‬
‫ولكتابه ولرسوله ولئمة المسلمين وعامتهم()‪ ،(3‬ولقد اسععتقر فععي‬
‫مفهوم الصحابة أن بقاء المة على الستقامة رهن باستقامة ولتها‬
‫ولذلك كان من واجبات الرعيععة تجععاه حكععامهم نصععحهم وتقععويمهم‬
‫ولقععد أخععذت الدولععة الحديثععة تلععك السياسععة الععرائدة للصععديق ‪τ‬‬
‫وترجمت ذلك الى لجان متخصصة ومجالس شععورية‪ ،‬تمععد الحععاكم‬
‫بالخطط‪ ،‬وتزوده بالمعلومات‪ ،‬وتشير عليه بمععا يحسععن أن يقععرره‪،‬‬
‫والشيء المحزن أن كثيرا ً مععن الععدول السععلمية تعععرض عععن هععذا‬
‫)( فقه الشورى والستشارة‪ ،‬ص ‪.441‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( صحيح سنن ابي داود رقم ‪.3504‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( مسلم ‪ ،‬كتاب اليمان‪ ،‬باب أن الدين نصحية رقم ‪.55‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪194‬‬
‫النظام الحكيععم‪ ،‬فعظععم مصععيبتها فععي تسععلط الحكععام وجععبروتهم‪،‬‬
‫والتخلق الذي يعم معظم ديععار المسععلمين مععاهو إل نتيجعة لتسععلط‬
‫بغيعععض‪) ،‬ودكتاتوريعععة( لعيعععن‪ ،‬أمعععاتت فعععي المعععة روح التناصعععح‬
‫والشجاعة‪ ،‬وبذرت فيها‪ ،‬وزرعت بهععا الجبععن والفععزع إل مععن رحععم‬
‫ربي‪ ،‬وأما المة التي تقوم بدورها فععي مراقبععة الحععاكم ومناصععحته‬
‫تأخذ بأسباب القوة والتمكين في الرض‪ ،‬فتنطلق الى آفععاق الععدنيا‬
‫تبلغ دعوة الله)‪.(1‬‬
‫‪ -4‬إقرار مبدأ العدل والمساواة بين الناس‪:‬‬
‫قال أبو بكر ‪ :τ‬الضعيف فيكم قععوي عنععدى حعتى أرجعع عليععه‬
‫حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء‬
‫الله)‪.(2‬‬
‫إن من أهداف الحكم السععلمي الحععرص علععى إقامععة قواعععد‬
‫النظام السلمي التي تساهم فععي إقامععة المجتمععع المسععلم ومععن‬
‫أهم هذه القواعد‪ ،‬الشعورى والععدل‪ ،‬والمسعاواة والحريعات‪ ،‬ففعي‬
‫خطععاب الصععديق للمععة أقعّر هععذه المبععادئ‪ ،‬فالشععورى تظهععر فععي‬
‫طريقة اختياره وبيعته وفي خطبته فععي المسععجد الجععامع‪ ،‬بمحضععر‬
‫من جمهور المسلمين وأما عدالته فتظهر في نص خطععابه ولشععك‬
‫أن العدل في فكر أبي بكععر هععو عععدل السععلم الععذي هععو الدعامععة‬
‫الرئيسية في إقامة المجتمع السلمي والحكم السععلمي فلوجععود‬

‫)( تاريخ الدعوة الى السلم‪ ،‬ص ‪.249‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( البداية والنهاية )‪.(6/305‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-195-‬‬
‫للسلم في مجتمع يسوده الظلم وليعرف العدل‪.‬‬
‫إن إقامة العدل بين الناس أفرادا ً وجماعات ودو ً‬
‫ل‪ ،‬ليست من‬
‫المور التطوعية التي تترك لمزاج الحاكم أو المير وهععواه‪ ،‬بععل إن‬
‫إقامععة العععدل بيععن النععاس فععي الععدين السععلمي تعععد مععن أقععدس‬
‫قععال‬ ‫العععدل)‪(1‬‬ ‫الواجبات وأهمها‪ ،‬وقد أجمعععت المععة علععى وجععوب‬
‫الفخر الرازي ‪-‬رحمه الله‪ -‬أجمعوا على أن مععن كععان حاكمعا ً وجععب‬
‫عليه أن يحكم بالعدل)‪.(2‬‬
‫وهذا الحكم تؤيده النصوص القرآنية والسععنة النبويععة‪ .‬إن مععن‬
‫أهداف دولة السلم إقامة المجتمع السلمي الذي تسود فيه قيععم‬
‫العدل والمساواة ورفع الظلم ومحععاربته‪ ،‬بكافععة أشععكاله وأنععواعه‪،‬‬
‫وعليها أن تفسح المجال وتيسر السبل أمام كل إنسان يطلب حقه‬
‫أن يصل إليه بأيسر السعبل وأسعرعها دون أن يكلفعه ذلعك جهعد أو‬
‫مال وعليها أن تمنع أي وسيلة مععن الوسععائل مععن شععأنها أن تعيععق‬
‫صاحب الحق من الوصول إلى حقه‪.‬‬
‫لقد أوجب السلم على الحكام أن يقيموا العععدل بيععن النععاس‬
‫دون النظععر إلععى لغععاتهم أو أوطععانهم أو أحععوالهم الجتماعيععة فهععو‬
‫يعدل بين المتخاصمين ويحكم بالحق‪ ،‬وليهمعه أن يكعون المحكعوم‬
‫لهم أصدقاء أو أعداء‪ ،‬أغنيععاء أو فقععراء عمععال ً أو أصععحاب عمععل)‪،(3‬‬
‫ن ل ِل ّعهِ ُ‬ ‫َ‬
‫داَء‬
‫ش عه َ َ‬ ‫مي َ‬
‫وا ِ‬ ‫مُنوا ُ‬
‫كوُنوا قَ ع ّ‬ ‫ن َءا َ‬ ‫قال تعالى‪َ} :‬ياأي َّها ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫)( فقه التمكين في القرآن الكريم‪ ،‬ص ‪.455‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( تفسير الرازي )‪.(10/141‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( فقه التمكين في القرآن الكريم‪ ،‬ص ‪.459‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪196‬‬
‫ن قَ عوْم ٍ ع َل َععى أ َل ّ ت َعْعد ُِلوا اع ْعد ُِلوا‬‫شَنآ ُ‬ ‫م َ‬‫من ّك ُ ْ‬
‫جرِ َ‬‫ط َول ي َ ْ‬ ‫س ِ‬‫ق ْ‬ ‫ِبال ْ ِ‬
‫َ‬
‫ن{‬‫مل ُععو َ‬‫مععا ت َعْ َ‬
‫خِبي عٌر ب ِ َ‬
‫ه َ‬‫ن الل ّع َ‬‫ه إِ ّ‬‫قوا الل ّ َ‬
‫وى َوات ّ ُ‬ ‫ق َ‬ ‫هُوَ أقَْر ُ‬
‫ب ِللت ّ ْ‬
‫)سورة المائدة‪ ،‬آية‪.(8:‬‬
‫قعدوة فعي ععدله يأسععر القلعوب ويبهععر‬ ‫لقعد كععان الصعديق ‪τ‬‬
‫اللباب‪ ،‬فالعدل في نظره دعوة عمليععة للسععلم فيععه تفتععح قلععوب‬
‫الناس لليمان‪ ،‬لقد عدل بين الناس في العطععاء‪ ،‬وطلععب منهععم أن‬
‫يكونوا عونا ً له في هذا العععدل‪ ،‬وعععرض القصععاص مععن نفسععه فععي‬
‫واقعة تدل على العدل والخوف من الله سععبحانه)‪ ،(1‬فعععن عبععدالله‬
‫قععام يععوم جمعععة‬ ‫بن عمرو بععن العععاص ‪ :τ‬أن أبععا بكععر الصععديق ‪τ‬‬
‫فقال‪ :‬إذا كنا بالغداة فأحضععروا صععدقات البععل نقسععمها‪ ،‬وليععدخل‬
‫علينا أحد إل بإذن‪ ،‬فقالت امرأة لزوجها خذ هذا الخطععام لعععل اللععه‬
‫يرزقنا جم ً‬
‫ل‪ ،‬فأتى الرجل فوجد أبا بكر وعمر رضي الله عنهمععا قععد‬
‫دخل إلى البل فدخل معهمععا‪ ،‬فععالتفت أبععو بكععر فقععال‪ :‬مععا أدخلععك‬
‫علينا؟ ثم أخذ منه الخطام فضربه‪ ،‬فلمعا فعرغ أبعو بكعر معن قسعم‬
‫البل دعا الرجل فأعطاه الخطام وقال‪ :‬استقد ‪ ..‬فقال عمر‪ :‬والله‬
‫ليستقد ولتجعلها سنة‪ ،‬قال أبو بكر فمن لي من الله يوم القيامة؟‬
‫قال عمععر‪ :‬أرضععه‪ ،‬فععأمر أبععو بكععر غلمععه أن يععأتيه براحلععة ورحلهععا‬
‫وقطيفة وخمسة دنانير فأرضاه بها)‪.(2‬‬
‫وأما مبدأ المساواة الذي أقره الصديق في بيععانه الععذي ألقععاه‬

‫)( تاريخ الدعوة الى السلم في عهد الخلفاء‪ ،‬ص ‪.410‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.411‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-197-‬‬
‫على المة‪ ،‬فيعد أحد المبادئ العامة التي أقرها السلم وهععي مععن‬
‫المبادئ التي تساهم في بناء المجتمع المسلم وسبق به تشريعات‬
‫وقوانين العصر الحاضر‪ ،‬ومما ورد في القرآن الكريم تأكيععدا ً لمبععدأ‬
‫خل َ ْ‬ ‫َ‬
‫ن ذ َك َع ٍ‬
‫ر‬ ‫م ْ‬‫م ِ‬‫قَناك ُ ْ‬ ‫س إ ِّنا َ‬‫المساواة قول الله تعالى‪َ} :‬ياأي َّها الّنا ُ‬
‫ل ل ِتعععارُفوا إ َ‬ ‫ُ‬
‫عن ْعد َ‬
‫م ِ‬ ‫مك ُع ْ‬
‫ن أك َْر َ‬ ‫ِ ّ‬ ‫شُعوًبا وَقَب َععائ ِ َ َ َ َ‬ ‫م ُ‬ ‫جعَل َْناك ُ ْ‬ ‫وَأن َْثى وَ َ‬
‫ر{ )سورة الحجرات‪ ،‬آية‪.(13:‬‬ ‫خِبي ٌ‬ ‫م َ‬ ‫ن الل ّ َ‬
‫ه ع َِلي ٌ‬ ‫م إِ ّ‬ ‫قاك ُ ْ‬‫الل ّهِ أ َت ْ َ‬
‫إن النعععاس جميععععا ً فعععي نظعععر السعععلم سواسعععية‪ ،‬الحعععاكم‬
‫والمحكوم‪ ،‬الرجال والنساء‪ ،‬العرب والعجم‪ ،‬البيض والسععود‪ ،‬لقععد‬
‫ألغى السلم الفوارق بين الناس بسبب الجنس واللون أو النسععب‬
‫أو الطبقة‪ ،‬والحكام والمحكومون كلهم في نظععر الشععرع سععواء)‪،(1‬‬
‫وجاءت ممارسة الصديق لهذا المبدأ خيععر شععاهد علععى ذلععك حيععث‬
‫يقول‪ :‬وليت عليكم ولست بخيركععم‪ ،‬فععإن أحسععنت فععأعينوني وإن‬
‫أسأت فقوموني القوي فيكم ضعيف عندي حععتى آخععذ الحععق منععه‪،‬‬
‫والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه)‪.(2‬‬
‫ينفق معن بيعت معال المسعلمين فيعطعي كععل معافيه‬ ‫وكان ‪τ‬‬
‫سواسية بين الناس‪ ،‬فقد روى ابن سعد وغيره أن أبا بكععر ‪ ،τ‬كععان‬
‫سنح معروف‪ ،‬ليس يحرسه أحد‪ ،‬فقيل له‪ :‬أل تجعل‬
‫له بيت مال بال ّ‬
‫على بيت المال من يحرسه؟ فقال‪ :‬ليخاف عليه‪ ،‬قيععل لععه‪ :‬ولععم؟‬
‫قال‪ :‬عليه قفل! وكان يعطي مافيه حععتى ليبقععى فيععه شععيئًا‪ ،‬فلمععا‬

‫)( فقه التمكين في القرآن الكريم‪ ،‬ص ‪.460،461‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( البداية والنهاية )‪.(6/305‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪198‬‬
‫وله معه فجعله في الدار التي كان فيها‪ ،‬وقدم‬ ‫ول إلى المدينة ح ّ‬
‫تح ّ‬
‫جهينة‪ ،‬فكان كععثيرًا‪ ،‬وانفتععح معععدن‬
‫عليه مال من معدن من معادن ُ‬
‫بني سليم في خلفته‪ ،‬فقدم عليه منه بصدقة فكان يضع ذلععك فععي‬
‫ويًا‪ ،‬بيعن الحعر والعبعد‪ ،‬والعذكر‬
‫بيت المال‪ ،‬فيقسمه بين النعاس سع ّ‬
‫والنثى‪ ،‬والصغير والكبير على السععواء‪ .‬قععالت عائشععة رضععي اللععه‬
‫عنها‪ :‬فأعطى أول عام الح عّر عشععرة والمملععوك عشععرة‪ ،‬وأعطععى‬
‫المرأة عشرة‪ ،‬وأمتها عشرة‪ ،‬ثم قسم في العام الثاني‪ ،‬فأعطععاهم‬
‫عشرين عشرين‪ ،‬فجاء ناس من المسلمين فقالوا‪ :‬ياخليفة رسول‬
‫ويت بين الناس‪ ،‬ومن الناس أناس‬
‫الله‪ :‬إنك قسمت هذا المال فس ّ‬
‫لهععم فضععل وسععوابق وقععدم‪ ،‬فلععو فضععلت أهععل السععوابق والقععدم‬
‫والفضل‪ .‬فقال‪ :‬أما معاذكرتم معن السعوابق والقعدم والفضعل فمعا‬
‫أعرفني بذلك وإنمعا ذلعك شعئ ثعوابه علعى اللعه جع ّ‬
‫ل ثنعاؤه‪ ،‬وهعذا‬
‫فقد كان توزيععع العطععاء فععي‬ ‫الثرة)‪(1‬‬ ‫معاش‪ ،‬فالسوة فيه خير من‬
‫أبا بكر‬ ‫خلفته على التسوية بين الناس‪ ،‬وقد ناظر الفاروق عمر ‪τ‬‬
‫فععي ذلععك فقععال‪ :‬أتسععوي بيععن مععن هععاجر الهجرتيععن وصععلى إلععى‬
‫القبلتين‪ ،‬وبين من أسلم عام الفتح؟ فقال أبو بكر‪ :‬إنما عملوا لله‪،‬‬
‫وإنما أجورهم على الله‪ ،‬وإنما الدنيا بلغ للراكب‪.‬‬
‫ورغم أن عمععر ‪ τ‬غي ّععر فععي طريقععة التوزيععع فجعععل التفضععيل‬
‫بالسابقة إلى السلم والجهععاد إل أنععه فععي نهايععة خلفتععه قععال‪ :‬لععو‬
‫اسعتقبلت معن أمعري مااسعتدبرت لرجععت إلعى طريقعة أبعي بكعر‬
‫)( أبوبكر الصديق‪ ،‬طنطاوي‪ ،‬ص ‪187،188‬؛ ابن سعد ) ‪.(3/193‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪-199-‬‬
‫فسويت بين الناس)‪.(1‬‬
‫وكان يشتري البل والخيل والسلح‪ ،‬فيحمل في سععبيل اللععه‪،‬‬
‫واشترى عاما ً قطائف )القطيفة كساء مخمل( أتى بها من الباديععة‪،‬‬
‫ففرقها في أرامل أهل المدينة في الشتاء وقد بلغ المال الذي ورد‬
‫على أبي بكر في خلفته مائتي ألف وزعت في أبواب الخير)‪.(2‬‬
‫المنهج الرباني في إقعرار الععدل‪ ،‬وتحقيعق‬ ‫لقد اتبع ابو بكر ‪τ‬‬
‫المساواة بين الناس وراعى حقوق الضعفاء فععرأى أن يضععع نفسععه‬
‫في كفة هؤلء الواهنة أصواتهم فيتبعهم بسمع مرهععف وبصععر حععاد‬
‫وإرادة واعية لتستذلها عوامل القوة الرضية فتملي كلمتهععا ‪ ..‬إنععه‬
‫السلم في فقه رجل دولته النابه الذي قام يضع القهر تحت أقدام‬
‫قومه‪ ،‬ويرفع بالعدل رؤوسهم فيؤمن بععه كيععان دولتععه ويحفععظ لهععا‬
‫دورها في حراسة الملة والمة)‪.(3‬‬
‫لقععد قععام الصععديق منععذ أول لحظععة بتطععبيق هععذه المبععادئ‬
‫السامية‪ ،‬فقد كان يدرك أن العدل عععز للحععاكم والمحكععوم‪ ،‬ولهععذا‬
‫وضع الصديق سياسته تلك موضع التنفيععذ وهععو يعردد قععوله تعععالى‪:‬‬
‫ن وَِإيَتاِء ِذي ال ْ ُ‬ ‫}إن الل ّ ْ‬
‫قْرب َععى وَي َن ْهَععى‬ ‫سا ِ‬‫ح َ‬ ‫ل َوال ِ ْ‬ ‫مُر ِبال ْعَد ْ ِ‬‫ه ي َأ ُ‬
‫َ‬ ‫ِ ّ‬
‫م ت َعذ َك ُّرو َ‬
‫ن{‬ ‫م ل َعَل ّك ُع ْ‬
‫ي ي َعِظ ُك ُع ْ‬‫من ْك َعرِ َوال ْب َغْ ع ِ‬
‫شاِء َوال ْ ُ‬‫ح َ‬ ‫ن ال ْ َ‬
‫ف ْ‬ ‫عَ ِ‬
‫)سورة النحل‪ ،‬آية‪.(90:‬‬
‫أكان أبو بكر يريد أن يطمئن المسععلمون إلععى دينهععم‪ ،‬وحريععة‬
‫)( الحكام السلطانية للماوردي ‪،‬ص ‪.201‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( تاريخ الدعوة الى السلم‪ ،‬ص ‪.258‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( أبوبكر رجل الدولة‪ ،‬ص ‪.46‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪200‬‬
‫الدعوة إليه‪ ،‬وإنما تتم الطمأنينععة للمسععلمين ماقععام الحععاكم فيهععم‬
‫على أساس من العدل المجرد عن الهوى‪.‬‬
‫والحكم على هذا الساس يقتضي الحاكم أن يسمو فععوق كععل‬
‫اعتبار شخصي وأن يكعون الععدل والرحمعة مجتمعيعن‪ ،‬وقعد كعانت‬
‫نظرية أبي بكر في تععولي أمععور الدولععة قائمععة علععى إنكععار الععذات‪،‬‬
‫والتجرد لله تجععردا ً مطلقعا ً جعلععه يشعععر بضععف الضعععيف‪ ،‬وحاجععة‬
‫المجتمع ويسمو بعععدله علععى كععل هععوى‪ ،‬وينسععى فععي سععبيل ذلععك‬
‫نفسه وأبناءه‪ ،‬وأهله‪ ،‬ثم يتتبع أمور الدولة جليلها‪ ،‬ورقيقها بكععل مععا‬
‫أتاه الله من يقظة وحذر)‪.(1‬‬
‫وبناء على ماسبق يرفع العدل لععواءه بيععن النععاس‪ ،‬فالضعععيف‬
‫آمن على حقه‪ ،‬وكله يقين أن ضعفه يزول حينما يحكم العدل‪ ،‬فهو‬
‫به قوي ليمنع حقععه وليضععيع‪ ،‬والقععوي حيععن يظلععم يردعععه الحععق‪،‬‬
‫وينتصف منه للمظلوم‪ ،‬فل يحتمي بجاه أو سععلطان أو قرابععة لععذي‬
‫سطوة أو مكانة‪ ،‬وذلك هععو العععز الشععامخ‪ ،‬والتمكيععن الكامععل فععي‬
‫الرض)‪.(2‬‬
‫وما أجمل ماقاله ابن تيمية رحمه الله‪ :‬إن اللععه ينصععر الدولععة‬
‫العادلععة وإن كععانت كععافرة ولينصععر الدولععة الظالمععة ولععو كععانت‬
‫الموال)‪.(3‬‬ ‫مسلمة‪ ...،‬بالعدل تستصلح الرجال‪ ،‬وتستغزر‬
‫‪-5‬الصدق أساس التعامل بين الحاكم والمحكوم‪:‬‬

‫)( الصديق لهيكل باشا‪ ،‬ص ‪.224‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( تاريخ الدعوة الى السلم‪ ،‬ص ‪.246‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( السياسة الشرعية‪ ،‬ص ‪.10‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-201-‬‬
‫أعلععن الصععديق‬ ‫خيانة)‪(1‬‬ ‫قال أبو بكر ‪ :τ‬الصدق أمانة والكذب‬
‫مبدأ أساسيا ً تقوم عليه خطته في قيادة المة وهععو‪ :‬أن الصععدق‬ ‫‪τ‬‬
‫بيعن الحعاكم والمعة هعو أسعاس التعامعل‪ ،‬وهعذا المبعدأ السياسعي‬
‫الحكيم له الثر الهام في قوة المة حيث ترسيخ جسور الثقة بينهععا‬
‫وبين حاكمها إنععه خلععق سياسععي منطلععق مععن دعععوة السععلم إلععى‬
‫َ‬
‫ع‬
‫م َ‬
‫كوُنوا َ‬ ‫قوا الل ّ َ‬
‫ه وَ ُ‬ ‫مُنوا ات ّ ُ‬
‫ن َءا َ‬ ‫الصدق قال تعالى‪َ} :‬ياأي َّها ال ّ ِ‬
‫ذي َ‬
‫ن{ )سورة التوبععة‪ ،‬آيععة‪ (119:‬ومععن التحععذير منععه كقععول‬ ‫صاد ِِقي َ‬
‫ال ّ‬
‫رسول الله ‪ :ε‬ثلثة ليكلمهم الله يوم القيامععة وليزكيهععم ولينظععر‬
‫إليهم ولهم عذاب أليم‪ :‬شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر)‪.(2‬‬
‫فهذه الكلمات )الصدق أمانععة( اكتسععت بالمعععاني‪ ،‬فكععأن لهععا‬
‫روحا ً تروح بها وتغدو بيعن النعاس‪ ،‬تلهعب الحمعاس‪ ،‬وتصعنع المعل‪،‬‬
‫)والكذب خيانة( وهكذا يأبى أبو بكر إل أن يمس المعاني‪ ،‬فيسععمي‬
‫الشياء بأسمائها‪ ،‬فالحاكم الكذاب هععو ذلععك الوكيععل الخععائن الععذي‬
‫يأكعل خععبز المعة ثعم يخعدعها‪ ،‬فمعا أتععس حعاكم يتععاطى الكعذب‬
‫فيسميه بغير اسمه‪ ،‬لقععد نعتععه الصععديق بالخيانععة‪ ،‬وأنععه عععدو أمتععه‬
‫الول ‪ ..‬وهل بعد الخيانة من عداوة؟ حقا لزال الصديق يطل على‬
‫الععدنيا مععن مععوقفه هععذا فيرفععع أقوامعا ً ويسععقط آخريععن! ‪ ..‬وتظععل‬
‫صناعة الرجال أرقى فنون الحكم! إذ هم عدة المة ورصيدها الذي‬
‫تدافع به عن نفسها ملمات اليام‪ ،‬ولشك أن من تأمل كلمات أبعي‬

‫)( البداية والنهاية )‪.(6/305‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( مسلم‪ ،‬كتاب اليمان‪ ،‬رقم ‪.172‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪202‬‬
‫بكر تلك أصدقته الخبر بأن الرجل كان رائدا ً في هذا الفععن الرفيععع‪،‬‬
‫إن شعوب العالم اليوم‬ ‫الكريم)‪(1‬‬ ‫فقد كان يسير على النهج النبوي‬
‫تحتاج إلى هذا المنهج الرباني في التعامل بيععن الحععاكم والمحكععوم‬
‫لكي تقععاوم أسععاليب تزويععر النتخابععات وتلفيععق التهععم‪ ،‬واسععتخدام‬
‫العلم وسععيلة لترويععج اتهامععات باطلعة لمععن يعارضعون الحكععام أو‬
‫ينتقدونهم‪ ،‬ولبد من إشععراف المععة علععى الععتزام الحكععام بالصععدق‬
‫والمانة من خلل مؤسساتها التي تساعدها على تقععويم ومحاسععبة‬
‫الحكععام إذا انحرفععوا)‪ ،(2‬فتمنعهععم مععن سععرقة إرادتهععا‪ ،‬وشععرفها‪،‬‬
‫وحريتها وأموالها‪.‬‬
‫‪-6‬إعلن التمسك بالجهاد وإعداد المة لذلك‪:‬‬
‫قال أبو بكر ‪ :τ‬وماترك قوم الجهاد في سبيل الله إل خععذلهم‬
‫الله بالذل)‪ ،(3‬لقد تلقى أبو بكر تربيتععه الجهاديععة مباشععرة مععن نععبيه‬
‫وقائده العظيم ‪ ،ε‬تلقاها تربية حية في ميادين الصراع بين الشرك‬
‫واليمان‪ ،‬والضععلل والهععدى‪ ،‬والشععر والخيععر ولقععد ذكععرت مواقععف‬
‫معن حعديث‬ ‫الصديق في غزوات الرسول ‪ ،ε‬ولقد فهم الصعديق ‪τ‬‬
‫رسول الله ‪ :ε‬إذا تبععايعتم بالعينععة وأخععذتم أذنععاب البقععر‪ ،‬ورضععيتم‬
‫بالزرع‪ ،‬وتركتم الجهاد سلط الله عليكععم ذل ً لينزعععه حععتى ترجععوا‬
‫إلى دينكم)‪ ،(4‬إن المة تصاب بالذل إذا تركت الجهععاد فلععذلك جععل‬

‫ابوبكر رجل الدولة‪ ،‬مجدي حمدي‪ ،‬ص ‪.36،37‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫فقه الشورى والستشارة‪ ،‬ص ‪.442‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(6/305‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫سنن ابي داود رقم ‪ 3462‬صححه اللباني‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪-203-‬‬
‫الصديق الجهاد إحععدى حقععائق الحكععم فععي دولتععه)‪ ،(1‬ولععذلك حشععد‬
‫طاقات المة من أجل الجهاد‪ ،‬لكي يرفععع الظلععم عععن المظلععومين‬
‫ويزيل الغشاوة عن أعيععن المقهععورين ويعيععد الحريععة للمحروميععن‪،‬‬
‫وينطلق بدعوة الله في آفاق الرض يزيل كل عائق ضدها‪.‬‬
‫‪-7‬إعلن الحرب على الفواحش‪:‬‬
‫قال أبو بكععر ‪ :τ‬ولتشععيع الفاحشععة فععي قععوم إل عمهععم اللععه‬
‫بععالبلء)‪ ،(2‬والصععديق هنععا يععذكر المععة بقععول النععبي ‪ ):ε‬لععم تظهععر‬
‫الفاحشة في قوم قععط حععتى يعلنععوا بهععا‪ ،‬إل فشععا فيهععم الطععاعون‬
‫إن‬ ‫مضععوا‪(3)(...‬‬ ‫والوجاع التي لم تكن مضت فععي أسععلفهم الععذين‬
‫الفاحشة هععي داء المجتمععع العضععال الععذي لدواء لععه‪ ،‬وهععي سععبيل‬
‫تحلله وضعفه حيث لقداسة لشيء‪ ،‬فالمجتمع الفاحش ليغار ويقر‬
‫الدنية ويرضععاها‪ ،‬إنععه مجتمععع الضعععف والعععار والوجععاع والسععقام‪،‬‬
‫وحععال النععاس أدل شععاهد‪ .‬لقععد وقععف أبععو بكععر يحفععظ قيععم المععة‬
‫وأخلقهععا)‪ ،(4‬فقعد حععرص فععي سياسععته علععى طهعر المععة ونقائهععا‪،‬‬
‫يريد بعذلك أمعة‬ ‫وبعدها عن الفواحش ماظهر منها ومابطن‪ ،‬وهو ‪τ‬‬
‫قوية لتشععغلها شععهواتها‪ ،‬وليضععلها شععيطانها‪ ،‬لتعيععش أمععة منتجععة‬
‫تعطي الخير‪ ،‬وتقدم الفضل لكل الناس‪.‬‬
‫إن علقة الخلق بقيام الدول وظهور الحضارة علقة ظاهرة‪،‬‬

‫ابو بكر رجل الدولة‪ ،‬ص ‪.73‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫البداية والنهاية )‪.(6/305‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫صحيح اللباني )‪ (2/370‬رقم الحديث في ابن ماجة ‪.4019‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫ابو بكر رجل الدولة‪ ،‬ص ‪.66‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫‪204‬‬
‫فإن فسدت الخلق‪ ،‬وخربت الذمم‪ ،‬ضاعت المم‪ ،‬وعمها الفسععاد‬
‫والدمار والدارس لحياة المم السابقة والحضععارات السععالفة بعيععن‬
‫البصيرة‪ ،‬يدرك كيف قامت حضارات على الخلق الكريمة والععدين‬
‫الصععحيح كالحضععارة الععتي قععامت فععي زمععن داود وسععليمان عليععه‬
‫السلم والتي قامت في زمن ذي القرنيععن وكععثير مععن المععم الععتي‬
‫التزمت بالقيم والخلق فظلت قوية طالمععا حععافظت عليهععا‪ ،‬فلمععا‬
‫دب سوس الفواحش إليها استسلمت للشياطين‪ ،‬وبدلت نعمة الله‬
‫حضععارتها)‪(1‬‬ ‫كفرًا‪ ،‬وأحلت قومها دار البوار‪ ،‬فزالت قوتها‪ ،‬وتلشععت‬
‫إن الصديق ‪ τ‬استوعب سععنن اللععه فععي المجتمعععات وبنععاء الععدول‬
‫وزوالها وفهم أن زوال العدول يكعون بعالترف والفسعاد والنغمعاس‬
‫ك قَْري َ ً‬
‫ة‬ ‫ن ن ُهْل ِ َ‬ ‫َ‬ ‫في الفواحش والموبقات قال تعالى‪} :‬وإ َ َ‬
‫ذا أَرد َْنا أ ْ‬ ‫َِ‬
‫ح عقّ ع َل َي ْهَععا ال ْ َ‬ ‫َ‬
‫ها‬ ‫ل ف َ عد َ ّ‬
‫مْرَنا َ‬ ‫ق عو ْ ُ‬ ‫قوا ِفيَها فَ َ‬
‫س ُ‬ ‫مت َْرِفيَها فَ َ‬
‫ف َ‬ ‫مْرَنا ُ‬
‫أ َ‬
‫را{ )سورة السراء‪ ،‬آيععة‪ .(16:‬أي أمرنععاهم بععالمر الشععرعي‬
‫مي ً‬
‫ت َد ْ ِ‬
‫من فعل الطاعات وترك المعاصعي فعصععوا وفسعقوا فحععق عليهععم‬
‫مرنععا{)‪(2‬‬
‫}أ ّ‬ ‫العذاب والتدمير جزاء فسقهم وعصيانهم‪ .‬وفي قراءة‬
‫بالتشععديد أي جعلنععاهم أمععراء‪ .‬والععترف وإن كععان كععثرة المععال‬
‫والسلطان من أسبابه إل أنه حالة نفسععية ترفععض السععتقامة علععى‬
‫منهج الله وليس كل ثراء ترف)‪.(3‬‬
‫إن سياسععة الصععديق فععي حربععه للفععواحش حععرى بحكععام‬
‫)( تاريخ الدعوة الى السلم‪ ،‬ص ‪.252‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( تفسير ابن كثير )‪.(5/58‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( منهج كتابة التاريخ السلمي‪ ،‬محمد هامل‪ ،‬ص ‪.65‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-205-‬‬
‫المسلمين أن يقتدوا به‪ ،‬فالحعاكم التقعي العذكي الععادل هعو العذي‬
‫يربي أمته على الخلق القويمة لنه حينئذ سيقود شعبا ً أحس طعم‬
‫الدمية‪ ،‬وجرى في عروقععه دم النسععانية‪ ..‬وأمععا إن سععلب الحععاكم‬
‫الذكاء‪ ،‬وصار من الغبياء‪ ..‬أشاع الفاحشة في قععومه وعمععل علععى‬
‫حمايتها بععالقوة والقععانون‪ ،‬وحععارب القيععم والخلق الحميععدة ودفععع‬
‫بقععومه إلععى مسععتنقعات الرذيلععة ليصععبحوا كالحيوانععات الضععالة‪،‬‬
‫والقطعان الهائمة لهم لها إل المتععاع‪ ،‬والزينععة الخادعععة‪ ،‬فيصععبحوا‬
‫ويصدق فيهم قععول‬ ‫والشهامة)‪(1‬‬ ‫بعد ذلك أقزامًا‪ ،‬قد وّدعوا الرجولة‬
‫ة‬ ‫مط ْ َ‬
‫مئ ِن ّع ً‬ ‫ة ُ‬ ‫من َع ً‬
‫ت َءا ِ‬ ‫ة ك َععان َ ْ‬
‫مث َل ً قَْري َع ً‬
‫ه َ‬‫ب الل ّع ُ‬ ‫ضَر َ‬‫الله تعالى‪} :‬وَ َ‬
‫ذاقََها‬ ‫ت ب ِأ َن ْعُم ِ الل ّهِ فَأ َ َ‬ ‫ن فَك َفََر ْ‬ ‫م َ‬
‫كا ٍ‬ ‫ل َ‬‫ن كُ ّ‬ ‫م ْ‬ ‫دا ِ‬‫ي َأِتيَها رِْزقَُها َرغ َ ً‬
‫ْ‬

‫ن{ )سععورة‬ ‫مععا ك َععاُنوا ي َ ْ‬


‫ص عن َُعو َ‬ ‫ف بِ َ‬‫خ عو ْ ِ‬‫جععوِع َوال ْ َ‬ ‫س ال ْ ُ‬ ‫الل ّ ُ‬
‫ه ل ِب َععا َ‬
‫النحل‪ ،‬آية‪.(112:‬‬
‫هذه بعض التعليقات التي فتح الله بهععا بمععا تععرى علععى البيععان‬
‫الذي ألقاه الصديق للمة والذي رسم فيععه سياسععة الدولععة‪ ،‬فحععدد‬
‫مسؤولية الحاكم ومدى العلقة بينععه وبيعن المحكععومين وغيععر ذلععك‬
‫من القواعد المهمة في بناء الدولة وتربية الشعععوب وهكععذا قععامت‬
‫الخلفة السلمية‪ ،‬وتحدد مفهوم الحكم تحديدا ً عمليا ً وكععان حععرص‬
‫المععة علععى منصععب الخلفععة واختيععار الخليفععة علععى هععذه الصععورة‬
‫ومسارعة الناس إلى الرضا بذلك دليل ً علععى أنهععم كععانوا يسععلمون‬
‫بأن النظام الذي أنشأه النبي عليه الصلة والسععلم واجععب البقععاء‪،‬‬
‫)( تاريخ الدعوة الى السلم‪ ،‬ص ‪.253‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪206‬‬
‫وإن مات فإنه خلف فيهم دينععا وكتابععا يسععيرون علععى‬ ‫وأن النبي ‪ε‬‬
‫هععديه فرضععاء النععاس يععومئذ يعععبر عععن إرادة السععتمرار فععي ظععل‬
‫النظام الذي أنشأه النبي ‪.(1)ε‬‬
‫إن حكومة الصديق ‪ τ‬تمتع بها المسععلمون زمن عا ً ليععس بكععثير‬
‫وعّين أبو بكر حد السلطة العليا فيهععا بتلععك الخطبععة الراقيععة علععى‬
‫مسعتوى أنظمعة الحكعم فعي ذلعك العصعر وفعي هعذا الزمعن فهعي‬
‫حكومة شورية قل أن يجععد طلب الحريععة والعععدل فععي كععل عصععر‬
‫قادها التلميذ النجب والذكى والعلم‬ ‫منها)‪(2‬‬ ‫أحسن لسياسة المم‬
‫أبو بكر ‪.τ‬‬ ‫والعظم ايمانا ً للحبيب المصطفى ‪ε‬‬
‫وقد بين المام مالك بأنه ليكون أحد إمامعا ً أبعدا ً إل علعى هعذا‬
‫يقصد بالمضامين العظيمة التي ألقاها الصديق في بيععانه‬ ‫الشرط)‪(3‬‬

‫السياسي الول‪.‬‬
‫ثانيًا‪ :‬إدارة الشؤون الداخلية‪:‬‬
‫أن ينفذ السياسة التي رسععمها لععدولته واتخععذ‬ ‫أراد الصديق ‪τ‬‬
‫من الصحابة الكرام أعوانا ً يساعدونه على ذلععك‪ ،‬فجعععل أبععا عبيععدة‬
‫بن الجراح أمين هذه المة )وزير المالية( فأسند إليععه شععؤون بيععت‬
‫المععال‪ ،‬وتعولى عمععر بععن الخطععاب القضعاء )وزارة العععدل( وباشععر‬
‫الصديق القضاء بنفسه أيضًا‪ ،‬وتععولى زيععد بععن ثععابت الكتابععة )وزيععر‬

‫)( دراسات في الحضارة السلمية‪ ،‬احمد ابراهيم الشريف‪ ،‬ص ‪.210،219‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( أشهر مشاهير السلم في الحرب والسياسة‪ ،‬ص ‪.120‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( تاريخ الخلفاء للسيوطي‪ ،‬ص ‪.92‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-207-‬‬
‫وأحيان عا ً يكتععب لععه مععن يكععون حاضععر مععن‬ ‫والمواصععلت()‪(1‬‬ ‫البريععد‬
‫الصحابة كعلي بن أبي طالب أو عثمان بن عفان رضي الله عنهععم‪،‬‬
‫وأطلق المسعلمون علعى الصعديق لقعب خليفعة رسعول اللعه ورأى‬
‫رجل ً‬ ‫الصحابة ضرورة تفريغ الصديق للخلفة‪ ،‬فقد كان أبععو بكععر ‪τ‬‬
‫تاجرا ً يغدو كل يوم إلى السوق فيبيع ويبتععاع فلمععا اسعُتخلف أصععبح‬
‫غاديا ً إلى السوق وعلى رقبته أثععواب يتجععر بهععا‪ ،‬فلقيععه عمععر وأبععو‬
‫عبيدة فقال‪ :‬أين تريععد ياخليفععة رسععول اللععه؟ قععال‪ :‬السععوق‪ .‬قععال‪:‬‬
‫تصنع مععاذا وقععد وليععت أمععور المسععلمين؟ قععال‪ :‬فمععن أيععن أطعععم‬
‫عيالي؟ فقال‪):‬انطلق معنا حتى نفرض لععك شععيئًا‪ .‬فععانطلق معهمععا‬
‫ففرضوا له كل يوم شطر شععاه)‪ ،(2‬وجععاء فععي الريععاض النضععرة أن‬
‫رزقه الذي فرضوه له خمسون ومائتا دينار في السنة وشععاة يؤخععذ‬
‫من بطنها ورأسها وأكاِرعها‪ ،‬فلم يكن يكفيععه ذلععك ولعيععاله‪ ،‬قععالوا‬
‫وقد كان قد ألقى كل دينار ودرهم عنده في بيت مععال المسععلمين‪،‬‬
‫فععإذا هععو بنسععوة‬ ‫فخرج إلى البقيععع فتصععافق )بععايع( فجععاء عمععر ‪τ‬‬
‫يقضعي‬ ‫جلوس‪ ،‬فقال‪):‬ماشأنكن؟( قلن‪ :‬نريد خليفة رسول اللعه ‪ε‬‬
‫بيننا‪ ،‬فانطلق فوجده في السوق فأخذه بيده فقال‪):‬تعععالى هاهنععا(‪.‬‬
‫فقال‪ :‬لحاجة لي في إمارتكم)‪ ،(3‬رزقتمععوني مععاليكفيني ولعيععالي‬
‫قال‪ ):‬فإّنا نزيدك(‪ .‬قال أبو بكر‪):‬ثلثمائة دينععار والشععاة كلهعا( قعال‬
‫وهمععا علععى حالهمععا تلععك‪ ،‬قععال‪:‬‬ ‫عمر‪ :‬أمععا هععذا فل‪ ،‬فجععاء علععي ‪τ‬‬
‫)( في التاريخ السلمي‪ ،‬ابو مجليل‪ ،‬ص ‪.218‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( الرياض النضرة في مناقب العشرة‪ ،‬ص ‪.291‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.291‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪208‬‬
‫وانطلععق‬ ‫فعلنا()‪(1‬‬ ‫)أكملها له( قال‪):‬ترى ذلك؟( قال‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪):‬قد‬
‫فصعد المنبر‪ ،‬واجتمع إليه الناس فقعال‪) :‬أيهععا النعاس إن‬ ‫أبوبكر ‪τ‬‬
‫رزقي كان خمسين ومائتي دينار وشععاة يؤخععذ مععن بطنهععا ورأسععها‬

‫عها وإن عمر وعليا ً ك ّ‬


‫مل لي ثلثمائة دينار والشععاة أفرضععيتم؟‬ ‫وأكارِ ُ‬
‫قال المهاجرون‪):‬اللهم نعم قد رضينا()‪.(2‬‬
‫وهكذا وقف الصحابة في فهمهم الراقي لوليععة الععدين وأمانععة‬
‫الحكم يفرضون لمامهم رزقا ً يغتنعي بعه ععن التجعارة بععد إذ صعار‬
‫عامل ً للمة تملك منه الوقت والجهععد والفكععر ‪ ..‬ومععن ثععم يقععررون‬
‫معنى في السلم بديعا ً يفصل الذمة المالية للمة عن ذمة الحاكم‪.‬‬
‫هذا المعنى الذي لم يعرفه الغرب إل فععي عهععوده القريبععة‪ ،‬إذ‬
‫ظلت راية مالقيصععر لقيصععر مشععرعة خفاقععة يقاتععل النععاس دونهععا‬
‫أزمانا ً طويلة‪ ،‬إن أصدق تعبير نقف بععه علععى دخععول الذمععة الماليععة‬
‫للدولة بأسرها في ذمة الحاكم لهو مقالة لويس الخامس عشر )أنا‬
‫الدولة والدولة أنا( لقد كععان لععويس تععاجر غلل معروف عا ً يتجععر فععي‬
‫قوت أمته وهي تتضور جوع عا ً ثععم ليععرى أحععد فععي ذلععك شععيئا ً مععن‬
‫العار ‪ ..‬أليس هو الصل والمة فرع عنه؟)‪.(3‬‬
‫اين البشرية اليوم معن أولئك الصعحابة رضعوان اللعه عليهعم؟‬
‫فإن الخزينة قد أضحت بعدهم بيد أشخاص ينفقون كيف يشععاءون‪،‬‬
‫ويتصرفون كما يريدون‪ ،‬كما أصبحت لهم نفقععات مسععتورة لحصععر‬
‫)( المصدر السابق‪ ،‬ص ‪.291‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( الرياض النضرة في مناقب العشرة ‪ ،‬ص ‪.291‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( ابوبكر رجل الدولة‪ ،‬ص ‪.35‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-209-‬‬
‫لها‪ ،‬وفوق هعذا فقععد تكدسعت لهععم المعوال فعي المصععارف خععارج‬
‫البلد‪ ،‬حتى غععدت دول أجنبيععة تعيععش علععى هععذه المععوال لكثرتهععا‬
‫وأكثرها يعود إلى الحكام وأمراء الشعوب المستضعفة‪ ،‬مع أنععه قععد‬
‫ظهر أن هذه الموال مهما بلغععت‪ ،‬والعقععارات مهمععا كععثرت‪ ،‬فإنهععا‬
‫لتكفي شيئًا‪ ،‬ولتغني صاحبها شيئًا‪ ،‬فإن شاه إيران مع ضخامة مععا‬
‫يملك لم يجد أرضا ً تقبله ليأوي إليها هذا في الدنيا‪ ،‬وأما في الخرة‬
‫فالمر أشد والحساب عظيم)‪.(1‬‬
‫فعلى حكام المسلمين أن يقتدوا بهذا الصحابي الجليععل الععذي‬
‫أدار دولة السلم بعد وفاة الرسععول ‪ ،ε‬فمععا أجمععل قععوله ‪ :τ‬لقععد‬
‫علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي وشغلت بعأمر‬
‫المسلمين‪ ،‬فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال وأحترف للمسلمين‬
‫فيه)‪.(2‬‬
‫إن الصديق يؤكد معاني بديعة‪ ،‬فولية الععدين ليسععت فععي حععد‬
‫ذاتها مغنما‪ ،‬أما مايفرض لها من رزق فلما تقضي إليه من اشتغال‬
‫عامل المة عن أمر نفسه)‪.(3‬‬
‫لقد سطر الصديق والصحابة الكرام صفحات رائعة في جععبين‬
‫الزمن‪ ،‬حتى أن البشرية تسعى في سععلم التطععور وتسعععى ثععم إذا‬
‫هي قابعة عند أقدامهم)‪.(4‬‬

‫التاريخ السلمي‪ ،‬محمود شاكر‪ ،‬ص ‪.11‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫البخاري‪ ،‬كتاب البيوع‪ ،‬باب كسب الرجل وعلمه رقم ‪.2070‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫ابو بكر رجل الدولة‪ ،‬ص ‪.35‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.36‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫‪210‬‬
‫سار الصديق في بناء دولة السلم بجد ونشاط واهتععم بالبنععاء‬
‫الداخلي‪ ،‬ولم يترك أي ثغرة يمكن أن تؤثر في ذلك البنعاء الشعامخ‬
‫الذي تركه رسول الله ‪ ،ε‬فاهتم بالرعية وله مواقف مشععرفة فععي‬
‫هذا الباب‪ ،‬وأعطى للقضاء اهتماما ً خاصًا‪ ،‬وتععابع أمععر الععولة وسععار‬
‫على المنهععج النبععوي الكريععم فععي كععل خطععواته وإليععك شععيء مععن‬
‫التفصيل عن تلك السياسة الرشيدة‪:‬‬
‫‪-1‬الصديق في المجتمع‪:‬‬
‫بيععن المسععلمين كخليفععة لرسععول اللععه ‪،ε‬‬ ‫عععاش الصععديق ‪τ‬‬
‫فكان ليترك فرصة تمر إل علم الناس وأمر بالمعروف ونهععى عععن‬
‫المنكر‪ ،‬فكانت مواقفه تشع علععى مععن حععوله مععن الرعيععة بالهععدى‬
‫واليمان والخلق فمن هذه المواقف‪:‬‬
‫أ‪-‬حلبه للغنام‪ ،‬والعجوز العمياء‪ ،‬وزيارة أم أيمن‪:‬‬
‫كان قبل الخلفة يحلب للحي أغنامهم‪ ،‬فلما بويع لععه بالخلفععة‬
‫قالت جارية من الحي‪ :‬الن ليحلب لنا منايح )أغنام( دارنا فسمعها‬
‫أبو بكر فقال‪ :‬لعمري لحلبنها لكم‪ ،‬وإني لرجو أل يغيرني مادخلت‬
‫ن‬
‫ن إذا أتينععه بأغنععامه ّ‬
‫ن‪ ،‬وك ّ‬
‫فيه عن خلق كنت عليه‪ ،‬فكان يحلب له ّ‬
‫يقول‪ :‬أنضح أم ألبد؟ فإن قالت انضح باعد الناء من الضععرع حععتى‬
‫تشتد الرغوة‪ ،‬وإن قععالت ألبععد أدنععاه منععه حععتى لتكععون لععه رغععوة‪،‬‬
‫سنح ستة أشهر ثم نزل إلى المدينة)‪.(1‬‬
‫فمكث كذلك بال ّ‬
‫ففي هذا الخبر بيععان شعيء معن أخلق أبعي بكععر الصععديق ‪،τ‬‬

‫)( ابن سعد في الطبقات )‪ (3/186‬وله شواهد‪ ،‬فإسناده حسن لغيره‪.‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪-211-‬‬
‫فهذا تواضع كبير من رجل كبير‪ ،‬كبير في سنه‪ ،‬وكععبير فععي منزلتععه‬
‫وجاهه‪ ،‬حيث كان خليفة المسلمين‪ ،‬وكان حريص عا ً علععى أن لتغيععر‬
‫الخلفة شيئا ً من معاملته للناس وإن كان ذلععك سععيأخذ عليععه وقتععا‬
‫هو بحاجة إليه‪ ،‬كما أن هذا العمل يدلنا على مقدار تقعدير الصععحابة‬
‫رضععي اللععه عنهععم لعمععال الععبر والحسععان وإن كلفتهععم الجهععد‬
‫والوقت)‪.(1‬‬
‫هذا أبو بكر ‪ τ‬غلب بعزيمته الصادقة‪ ،‬وثباته العجيب الجزيععرة‬
‫العربية‪ ،‬وأخضععها لععدين اللعه‪ ،‬ثععم بععث بهععا فقعاتلت تحعت ألععويته‬
‫الدولتين الكبريين على وجه الرض‪ ،‬وغلبت عليها‪ .‬أبو بكر‪ ..‬يحلععب‬
‫ن‪ ،‬ويقعول‪ :‬أرجععو أن ليغيرنعي مععادخلت فيععه‪.‬‬
‫لجواري الحي أغنامه ّ‬
‫وليس الذي دخل فيععه بععالمر الهيععن‪ ،‬بععل هععو خلفععة رسععول اللععه‪،‬‬
‫وسععيادة العععرب‪ ،‬وقيععادة الجيععوش الععتي ذهبععت لتقلععع مععن الرض‬
‫الجبروت الفارسععي‪ ،‬والعظمععة الرومانيععة‪ ،‬وتنشععئ مكانهمععا صععرح‬
‫العدل‪ ،‬والعلم والحضارة‪ ،‬ثم يرجو أل ّ يغيره هذا كله‪ ،‬وليمنعه مععن‬
‫ي)‪.(2‬‬
‫حلب أغنام الح ّ‬
‫إن مععن ثمععار اليمععان بععالله تعععالى أخلق حميععدة منهععا خلععق‬
‫التواضع الذي تجسد في شخصية الصديق فعي هعذا الموقعف وفعي‬
‫غيره من المواقف وكان عندما يسقط خطععام نععاقته ينععزل ليأخععذه‬
‫أل‬ ‫فيقال له‪ :‬لو أمرتنععا أن ننععاولكه‪ ،‬فيقععول‪ :‬أمرنععا رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫)( التاريخ السلمي )‪.(19/8‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( أبوبكر الصديق رضي الله عنه‪ ،‬طنطاوي‪ ،‬ص ‪.186‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪212‬‬
‫نسأل الناس شععيئا ً)‪ ،(1‬لقععد تععرك لنععا الصععديق مثععال ً حيعا ً فععي فهععم‬
‫َ‬
‫وتطععبيق خلععق التواضععع المسععتمد مععن قععوله تعععالى‪} :‬فَأ َ‬
‫خ عذ َْناهُ‬
‫ة‬
‫عاقَِبعع ُ‬‫ن َ‬‫كععا َ‬ ‫م َفععان ْظ ُْر ك َْيعع َ‬
‫ف َ‬ ‫م ِفععي ال َْيعع ّ‬
‫جُنععود َه ُ فَن ََبععذ َْناهُ ْ‬ ‫وَ ُ‬
‫ن{ )سورة القصص‪ ،‬آيععة‪ (40:‬ومععن قععوله ‪) :ε‬مانقصععت‬ ‫مي َ‬ ‫ال ّ‬
‫ظال ِ ِ‬
‫صدقة من مال‪ ،‬ومازاد الله عبدا ً بعفو إل عزا‪ ،‬وماتواضععع أحععد للععه‬
‫إل رفعه اللععه()‪ .(2‬ولقععد دفعععه هععذا الخلععق إلععى خدمععة المسععلمين‬
‫وبخاصة أهل الحاجة منهم والضعفاء فعععن أبععي صععالح الغفععاري أن‬
‫عمر بن الخطاب كان يتعهد عجوزا ً كبيرة عمياء في بعض حواشععي‬
‫المدينة من الليل‪ ،‬فيسقي لها‪ ،‬ويقوم بأمرها فكان إذا جاءهععا وجععد‬
‫غيره قد سبقه إليها فأصلح ماأرادت‪ ،‬فجاءها غيععر مععرة كيل يسععبق‬
‫إليهععا –فرصععده عمععر‪ ،‬فععإذا هععو أبععو بكععر الععذي يأتيهععا وهععو يععومئذ‬
‫بعععد وفععاة رسععول‬ ‫خليفة) (‪ ،‬وعن أنس بن مالك ‪ :τ‬قال أبو بكر ‪τ‬‬ ‫‪3‬‬

‫الله ‪ ε‬لعمر‪ :‬انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كععان رسععول اللععه‬
‫‪ ε‬يزورها‪ ،‬فلما انتهينا إليها بكت‪ ،‬فقال مايبكيك؟ ماعنععد اللععه خيععر‬
‫لرسول الله ‪ ،ε‬فقالت‪ :‬ما أبكي أن أكون أعلم أن ماعند الله خيععر‬
‫لرسول اللعه ‪ ،ε‬ولكعن أبكعي أن العوحي قعد انقطعع معن السعماء‪.‬‬
‫فهيجتهما على البكاء فجعل يبكيان معها)‪.(4‬‬
‫ب‪-‬نصحه لمرأة نذرت أن لتحدث أحدًا‪:‬‬

‫)( التاريخ السلمي‪ ،‬محمود شاكر‪ ،‬ص ‪.8‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( مسلم‪ ،‬كتاب البر والصلة والداب رقم ‪.2588‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( ابوبكر الصديق‪ ،‬طنطاوي‪ ،‬ص ‪.29‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( مسلم‪ ،‬فضائل الصحبة رقم ‪.2454‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪-213-‬‬
‫ينهى عن أعمال الجاهلية‪ ،‬والبتداع في الدين‪،‬‬ ‫كان أبو بكر ‪τ‬‬
‫ويدعو إلى إلى أعمال السلم‪ ،‬والتمسك بالسّنة)‪ ،(1‬فعن قيس بععن‬
‫أبي حازم‪ :‬دخل أبو بكر على امرأة من أحمس)‪ ،(2‬يقال لها زينععب‪،‬‬
‫فرآها لتتكلععم‪ .‬فقععال أبععو بكععر‪ :‬مالهععا لتتكلععم؟ قععالوا‪ :‬نععوت حجععه‬
‫هعذا معن عمعل‬ ‫ليحعل‪(4)،‬‬ ‫فقعال لهععا‪ :‬تكلمعي‪ ،‬فععإن هعذا‬ ‫مصمتة)‪(3‬‬

‫الجاهلية‪ .‬قال‪ :‬فتكلمععت‪ ،‬فقععالت‪ :‬مععن أنععت؟ قععال‪ :‬أنععا امععرؤ مععن‬
‫ي‬
‫المهاجرين‪ .‬قالت‪ :‬أيّ المهاجرين؟ قال‪ :‬من قريش‪ .‬قالت‪ :‬من أ ّ‬
‫قريش أنت؟ قال‪ :‬إنك لسؤول‪ ،‬أنا أبو بكر‪ .‬قالت‪ :‬ياخليفععة رسععول‬
‫اللععه‪ :‬مابقاؤنععا علععى هععذا المععر الصععالح‪ ،‬الععذي جععاء اللععه بععه بعععد‬
‫الجاهلية؟ فقال‪ :‬بقاؤكم عليه مااستقامت به أئمتكم‪.‬‬
‫قالت‪ :‬وما الئمععة؟ قععال‪ :‬أمععا كععان لقومععك رؤوس وأشععراف‬
‫يأمرونهم فيطيعونهم؟‬
‫قالت‪ :‬بلى قال‪ :‬فهم أولئك على الناس)‪.(5‬‬
‫قال الخطابي رحمه الله‪ :‬كععان مععن نسعك الجاهليععة الصععمت‪،‬‬
‫فكععان أحععدهم يعتكععف اليععوم والليلععة‪ ،‬ويصععمت‪ ،‬فنهععوا عععن ذلععك‪،‬‬
‫وأمروا بالنطق بالخير‪ ،‬وقد استدل بقول أبي بكر هذا من قال بععأن‬
‫من حلف أن ليتكلم استحب له أن يتكلم‪ ،‬ولكفععارة عليععه‪ ،‬لن أبععا‬

‫)( صحيح التوثيق في سيرة حياة الصديق‪ ،‬ص ‪ ،140‬مجدي فتحي السيد‪.‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( نفس المصدر‪ ،‬ص ‪ 140‬وقيل الحمس‪ :‬المتشدد على نفسه في الدين والورع‪.‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( أي ساكنة‪.‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( أي ترك الكلم‪.‬‬ ‫‪4‬‬
‫)( البخاري رقم ‪.3834‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪214‬‬
‫بكر لم يأمرها بالكفارة‪ ،‬وقياسه أن من نععذر أن ليتكلععم لععم ينعقععد‬
‫نذره‪ ،‬لن أبا بكر أطلق أن ذلك ليحل‪ ،‬وأنه من فعل الجاهلية‪ ،‬وأن‬
‫السلم هدم ذلععك‪ ،‬وليقععول مثععل هععذا إل عععن علععم مععن النععبي ‪ε‬‬
‫فيكون في حكم المرفوع)‪.(1‬‬
‫وقال ابن حجر‪ :‬وأما الحاديث الععواردة فععي الصععمت وفضععله‪،‬‬
‫فليعارض لختلف المقاصد في ذلك‪ ،‬فالصمت المرغب فيه‪ :‬تععرك‬
‫الكلم بالباطل‪ ،‬وكذا المباح إن جر إلى شيء مععن ذلععك‪ ،‬والصععمت‬
‫المنهي عنه تععرك الكلم فععي الحععق لمععن يسععتطيعه‪ ،‬وكععذا المبععاح‬
‫المستوي الطرفين‪ ،‬والله أعلم)‪.(2‬‬
‫جع‪-‬اهتمامه بالمر بالمعروف والنهي عن المنكر‪:‬‬
‫يعأمر بععالمعروف وينهعى ععن المنكععر ويعبين‬ ‫كعان الصعديق ‪τ‬‬
‫للناس ما التبس عليهم من الفهم فعن قيععس بععن أبععي حععازم قععال‬
‫سمعت أبا بكر الصديق يقول‪) :‬يا أيها الذين آمنوا عليكععم أنفسععكم‬
‫يقععول‪:‬‬ ‫ليضركم من ضل إذا اهتديتم( إني سععمعت رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫إن القععوم إذا رأوا المنكععر فلععم يغي ّععروه عمهععم اللععه بعقععاب‪ .‬وفععي‬
‫رواية‪ :‬يا أيها الناس إنكم تقععرؤن هععذه اليععة‪ ،‬وتضعععونها علععى غيععر‬
‫يقول‪ :‬إن الناس إذا رأوا الظالم فلم‬ ‫مواضعها‪ ،‬وإنا سمعنا النبي ‪ε‬‬
‫قال النووي‪ :‬وأما‬ ‫بعقاب)‪(3‬‬ ‫يأخذوا على يديه‪ ،‬أوشك أن يعمهم الله‬

‫)( فتح الباري )‪.(7/150‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( فتح الباري )‪.(7/151‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( حديث صحيح سنن أبي داود رقم ‪.4338‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-215-‬‬
‫س عك ُ ْ‬
‫م{ اليععة‪ .‬فليععس‬ ‫م أ َن ْ ُ‬
‫ف َ‬ ‫من ُععوا عَل َي ْك ُع ْ‬
‫ن َءا َ‬
‫ذي َ‬
‫َ‬
‫قوله تعالى}َياأي ّهَععا ال ّع ِ‬
‫مخالفا ً لوجوب المر بالمعروف‪ ،‬والنهي عن المنكععر‪ ،‬لن المععذهب‬
‫الصحيح عند المحققين في معنى الية‪ :‬أنكم إذا فعلتم ماكلفتم بععه‬
‫فليضركم تقصير غيركععم‪ ،‬مثععل قععوله تعععالى‪َ} :‬ول ت َعزُِر َوازَِرةٌ وِْزَر‬
‫خَرى{ فإذا كان كذلك فمما كلف به المر بالمعروف‪ ،‬والنهي عن‬ ‫أُ ْ‬
‫المنكر‪ ،‬فإذا فعله‪ ،‬ولم يمتثععل المخععاطب فلعتععب بعععد ذلععك علععى‬
‫الفاعل لكونه أدى ماعليه)‪.(1‬‬
‫يحث الناس على الصواب‪ ،‬فععن ميمععون بعن مهعران‬ ‫وكان ‪τ‬‬
‫أن رجل ً سّلم على أبي بكر فقععال‪ :‬السععلم عليععك ياخليفععة رسععول‬
‫الله‪ .‬قال‪ :‬من بين هؤلء أجمعين)‪ ،(2‬وكان ‪ τ‬يععترك السععنة مخافععة‬
‫أن يظن مالعلم له أنها فريضة أو واجبة‪ ،‬فعن حذيفة بععن أسععيد ‪τ‬‬
‫أنه قال‪ :‬رأيت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما‪ ،‬وما يضحيان مخافععة‬
‫أن يستن بهما وفي رواية‪ :‬كراهية أن يقتدي بهما)‪ ،(3‬وكععان يوصععي‬
‫ابنه عبدالرحمن بحسن المعاملة لجيرانععه‪ ،‬فقععد قععال لععه ذات يععوم‬
‫وهععو يخاصععم جععارا ً لععه‪ :‬لتمععاظ جععارك‪ ،‬فععإ ّ‬
‫ن هععذا يبقععى ويععذهب‬
‫الناس)‪ ،(4‬وكان بارا ً بوالده فلما اعتمر في رجب سنة اثنععتي عشععر‬
‫من الهجرة‪ ،‬دخل مكة ضحوة فأتى منزله وأبوه أبو قحافععة جععالس‬
‫على باب داره‪ ،‬معه فتيان يحوشععهم‪ ،‬فقيععل لععه‪ :‬هعذا ابنععك فنهعض‬

‫عون المعبود شرح سنن أبي داود )‪.(11/329‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫الجامع لخلق الراوي وآداب السامع للخطيب )‪ (1/172‬رقم ‪.255‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫اسناده صحيح أخرجه الطبراني في الكبير رقم ‪.3057‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫الزهد لبن المبارك )‪.(1/551‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫‪216‬‬
‫قائمًا‪ ،‬وعجل أبو بكر أن ينيخ ناقته فنزل عنها وهي قائمععة –ليقابععل‬
‫أباه في بر وطاعة‪ ،‬وجاء الناس يسععلمون عليععه‪ ،‬فقععال أبععو قحافعة‬
‫ياعتيق هؤلء المل فأحسن صحبتهم فقال أبععو بكععر‪ :‬يععا أبععة لحععول‬
‫ولقوة إل بععالله‪ ،‬طععوقت أمععرا ً عظيم عا ً لقععدرة لععي بععه وليععدان إل‬
‫وكان يهتم بالصلة والخشوع فيها ويحعرص علعى حسعن‬ ‫‪(1)(..‬‬ ‫بالله‬
‫العبادة‪ ،‬وكان ليلتفت في صلته)‪ ،(2‬وكان أهل مكععة يقولععون‪ :‬أخععذ‬
‫ابن جريج الصلة من عطاء‪ ،‬وأخذها عطاء من ابن الزبيععر‪ ،‬وأخععذها‬
‫ابععن الزبيععر مععن أبععي بكععر‪ ،‬وأخععذها أبععو بكععر مععن النععبي ‪ ،ε‬وكععان‬
‫عبدالرزاق يقول‪ :‬مارأيت أحدا ً أحسن صلة من ابن جريج)‪ ،(3‬وعععن‬
‫قععال‪ :‬صععلى أبععو بكععر بالنععاس الفجععر فععاقترأ البقععرة فععي‬ ‫أنععس ‪τ‬‬
‫ركعتيه‪ ،‬فلما انصرف قال له عمر‪ :‬ياخليفة رسول الله ماانصععرفت‬
‫حععتى رأينععا أن الشععمس قععد طلعععت قععال‪ :‬لععو طلعععت لععم تجععدنا‬
‫غافلين)‪ ،(4‬وكان يحث الناس على الصبر في المصائب ويقول لمن‬
‫مات له أحد‪ :‬ليس مع العزاء مصععيبة ولمعع الجعزع فععائدة‪ ،‬المععوت‬
‫أهون مما قبله وأشد ّ ممععا بعععده‪ ،‬اذكععروا فقععد رسععول اللععه تصععغر‬
‫عن طفل أصيب به‬ ‫مصيبتكم‪ ،‬وعظم الله أجركم) (‪ ،‬وعّزى عمر ‪τ‬‬
‫‪5‬‬

‫يحذر الناس مععن‬ ‫فقال‪ :‬عّوضك الله منه ماعوضك منك) (‪ ،‬وكان ‪τ‬‬
‫‪6‬‬

‫صفة الصفوة )‪.(1/258‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫فضائل الصحابة للمام أحمد )‪.(1/254‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫نفس المصدر )‪.(1/255‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫الرياض النضرة في مناقب العشرة‪ ،‬ص ‪.224‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫عيون الخبار )‪.(70 ،3/69‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬
‫عيون الخبار )‪.(3/62‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪-217-‬‬
‫ن فيه ك ُ ّ‬
‫ن عليععه‪ :‬البغععي‪،‬‬ ‫البغي‪ ،‬والنكث‪ ،‬والمكر ويقول ثلث من ك ُ ّ‬
‫وكان يعظ الناس ويذكرهم بعالله ومعن معواعظه‬ ‫والمكر)‪(1‬‬ ‫والنكث‬

‫‪ :τ‬الظلمات خمس وال ّ‬


‫سُرج خمس‪ :‬حب الدنيا ظلمة والسراج لععه‬
‫التقوى‪ ،‬والذنب ظلمة والسراج له التوبة‪ ،‬والقععبر ظلمععة والسععراج‬
‫له ل إله إل الله محمد رسععول اللععه‪ ،‬والخععرة ظلمععة والسععراج لهععا‬
‫العمل الصالح‪ ،‬والصراط ظلمععة والسععراج لهععا اليقيععن) (‪ ،‬وكععان ‪τ‬‬
‫‪2‬‬

‫من خلل منععبر الجمعععة يحععث علععى الصععدق والحيععاء ويحععث علععى‬
‫العتبار والسععتعداد للقععدوم علععى اللععه ويحععذر مععن الغععرور‪ ،‬فعععن‬
‫أوسط بن اسماعيل رحمه الله قععال‪ :‬سععمعت أبععا بكععر الصععديق ‪τ‬‬
‫يخطب بعد وفاة رسول الله بسنة فقال‪ :‬قععام فينععا رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫مقامي هذا عام أول‪ ،‬ثم بكعى أبعو بكعر ثعم قععال‪ :‬وفعي روايعة‪ ،‬ثعم‬
‫ذرفت عيناه‪ ،‬فلععم يسععتطيع مععن العععبرة أن يتكلععم‪ ،‬ثععم قععال‪ :‬أيهععا‬
‫الناس‪ :‬اسألوا الله العافية‪ ،‬فإنه لم يعط أحد خير من العافيععة بعععد‬
‫اليقين‪ ،‬وعليكم بالصدق فععإنه مععع الععبر‪ ،‬وهمععا فععي الجنععة‪ ،‬وإيععاكم‬
‫والكذب‪ ،‬فإنه مع الفجور‪ ،‬وهمععا فععي النععار ولتقععاطعوا ولتععدابروا‪،‬‬
‫ولتباغضوا‪ ،‬ولتحاسدوا‪ ،‬وكونوا عباد الله إخوانا ً)‪ ،(3‬وقال الزبير بن‬
‫العوام ‪ :τ‬إن أبا بكر قال وهو يخطب الناس‪ :‬يامعشر المسععلمين‪:‬‬
‫استحيوا من الله عزوجععل‪ ،‬فوالععذي نفسععي بيععده إنععي لظععل حيععن‬

‫)( مجمع المثال للميداني )‪.(2/450‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( فرائد الكلم للخلفاء الكرام‪ ،‬قاسم عاشور‪ ،‬ص ‪.29‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( صحيح التوثيق في سيرة وحياة الصديق‪ ،‬ص ‪.179‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪218‬‬
‫عزوجل)‪(1‬‬ ‫أذهب الغائط في الفضاء متقنعا ً بثوبي استحياء من ربي‬
‫فقال‪ :‬أما بعد‪:‬‬ ‫وعن عبدالله بن حكيم قال‪ :‬خطبنا أبو بكر ‪τ‬‬
‫فإني أوصيكم بتقوى الله‪ ،‬وأن تثنوا عليه بما هو له أهععل‪ ،‬وأن‬
‫تخلطوا الرغبة بالرهبة‪ ،‬وتجمعوا اللحاح بالمسألة‪ ،‬فععإن اللععه أثنععى‬
‫ت‬ ‫ن فِععي ال ْ َ‬
‫خي ْعَرا ِ‬ ‫عو َ‬ ‫م ك َععاُنوا ي ُ َ‬
‫سععارِ ُ‬ ‫على زكريا وأهل بيته فقال‪} :‬إ ِن ّهُ ْ‬
‫ن{‪ ،‬ثم اعلمععوا عبععاد اللععه أن‬ ‫شِعي َ‬ ‫خا ِ‬ ‫كاُنوا ل ََنا َ‬
‫عون ََنا َرغًَبا وََرهًَبا وَ َ‬
‫وَي َد ْ ُ‬
‫الله قد ارتهن بحقه أنفسكم‪ ،‬وأخذ على ذلععك مععواثيقكم‪ ،‬فاشععترى‬
‫القليل الفاني بالكثير الباقي‪ ،‬وهذا كتاب الله فيكم لتفنى عجععائبه‪،‬‬
‫وليطفأ نوره‪ ،‬فصدقوا قوله‪ ،‬وانتصحوا كتابه‪ ،‬واستوضئوا منه ليوم‬
‫الظلمة‪ ،‬فإنما خلقكم للعبادة‪ ،‬ووكل بكم الكرام الكععاتبين يعلمععون‬
‫ماتفعلون ثم اعلموا عباد الله أنكم تغدون وتروحون فععي أجععل قععد‬
‫غّيب عنكم علمه‪ ،‬فإن استطعتم أن تنقضي الجال وأنتم وأنتم في‬
‫عمل لله فافعلوا‪ ،‬ولن تستطيعوا ذلك إل بالله‪ ،‬فسابقوا فععي مهععل‬
‫آجالكم قبل أن تنقضي آجالكم فيردكم إلععى أسععوأ أعمععالكم‪ ،‬فععإن‬
‫أقواما ً جعلوا آجالهم لغيرهم‪ ،‬ونسععوا أنفسععهم‪ ،‬فأنهععاكم أن تكونععوا‬
‫مثلهم‪ .‬فالوحا الوحا)‪ ،(2‬ثععم النجععا النجععا‪ ،‬فععإن وراءكععم طلبعا ً حثيثعا ً‬

‫سريع وفي رواية أخرى‪ :‬أين مععن تعرفععون مععن إخععوانكم؟!‬ ‫مرهُ)‪(3‬‬
‫َ‬
‫ّ‬
‫ومن أصحابكم؟! قد وردوا على ماقدموا‪ ،‬قدموا ماقدموا فععي أيععام‬
‫سلفهم‪ ،‬وحلوا فيه بالشقوة والسعععادة‪ .‬أيععن الجبععارون الععذين بنععوا‬
‫)( نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.182‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( الوحا الوحا‪ :‬السرعة السرعة‪ ،‬يقال‪ :‬توحيت أي أسرعت‪.‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( مره‪ :‬مروره‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-219-‬‬
‫المدائن‪ ،‬وحففوها بالحوائط‪ ،‬قد صاروا تحععت الصععخر والبععار‪ .‬أيععن‬
‫الوضاءة الحسنة وجوههم‪ ،‬المعجبون بشبابهم؟ أيععن الملععوك وأيععن‬
‫الذين كانوا يعطون الغلبة في مععواطن الحععرب؟ قععد تضعضععع بهععم‬
‫الدهر‪ ،‬فأصبحوا في ظلمات القبور‪ .‬لخير في قول ليراد بععه وجععه‬
‫الله‪ ،‬ولخير في مال لينفق في سععبيل اللععه‪ ،‬ولخيععر فيمععن يغلععب‬
‫جهله حلمه‪ ،‬ولخير فيمن يخاف في الله لومة لئم‪.‬‬
‫إن الله تعالى ليس بينه وبين أحد من خلقه نسععب يعطيععه بععه‬
‫خيرًا‪ ،‬وليصرفه عن سوءًا‪ ،‬إل بطاعته واتباع أمره‪ ،‬وإنه لخير بخير‬
‫بعده النار‪ ،‬ولشر بشر بعده الجنة‪ ،‬واعلمععوا أنكععم مععا أخلفتععم للععه‬
‫عزوجل فربكم أطعتم‪ ،‬وحقكم حفظتععم‪ ،‬وأوصععيكم بععالله لفقركععم‬
‫وفاقتكم أن تتقوه‪ ،‬وأن تثنوا عليه بما هو أهله‪ ،‬وأن تستغفروه إنععه‬
‫كان غفارًا‪ ،‬أقول قولي هذا‪ ،‬واستغفر الله لي ولكم)‪.(1‬‬
‫وهكععذا كععان الصععديق يهتععم بععالمجتمع فيععوعظ المسععلمين‪،‬‬
‫ويحثهم على الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر‪ ،‬فهععذا غيععظ‬
‫من فيظ‪ ،‬وقليل من كثير‪.‬‬
‫‪-2‬القضاء في عهد الصديق‪:‬‬
‫يعتبر عهد الصديق بداية العهد الراشدي الععذي تتجلععى أهميتععه‬
‫بصععلته بالعهععد النبععوي وقربععه منععه‪ ،‬فكععان العهععد الراشععدي عامععة‪،‬‬
‫والجانب القضائي خاصة‪ ،‬امتععدادا ً للقضععاء فععي العهععد النبععوي‪ ،‬مععع‬

‫)( إسناده حسن لغيره‪ ،‬مصنف ابععن أبععي شععيبة )‪(7/144‬؛ صععحيح التوثيععق فععي سععيرة‬ ‫‪1‬‬
‫وحياة الصديق‪ ،‬ص ‪.181‬‬

‫‪220‬‬
‫المحافظة الكاملة والتامة علععى جميععع مععاثبت فععي العهععد النبععوي‪،‬‬
‫وتطععبيقه بحععذافيره وتنفيععذه بنصععه ومعنععاه‪ ،‬وتظهععر أهميععة العهععد‬
‫الراشدي في القضاء بأمرين أساسيين‪:‬‬
‫· المحافظة على نصوص العهد النبععوي فععي القضععاء‪ ،‬والتقيععد‬
‫بما جاء فيه‪ ،‬والسير في ركابه‪ ،‬والستمرار في اللتزام به‪.‬‬
‫· وضع التنظيمات القضععائية الجديععدة لترسععيخ دعععائم الدولععة‬
‫السلمية الواسعة ومواجهة المستجدات المتنوعة)‪.(1‬‬
‫يقضي بنفسه إذا عرض له قضاء‪ ،‬ولععم تفصععل‬ ‫كان أبو بكر ‪τ‬‬
‫ولية القضاء عن الولية العامة في عهده‪ ،‬ولم يكععن للقضععاء وليععة‬
‫خاصة مستقلة كمععا كععان المععر فععي عهععد رسععول اللععه ‪ ،ε‬إذ كععان‬
‫الناس على مقربععة مععن النبععوة‪ ،‬يأخععذون أنفسععهم بهععدي السععلم‪،‬‬
‫وتقوم حياتهم على شريعته‪ ،‬وقلما توجد بينهم خصومة تذكر‪ ،‬ففععي‬
‫المدينة عهد أبو بكععر إلععى عمععر بالقضععاء‪ ،‬ليسععتعين بععه فععي بعععض‬
‫القضية ولكن هذا لم يعطي لعمر صفة الستقلل بالقضاء)‪ ،(2‬وأقر‬
‫معظععم القضععاة والععولة الععذين عينهععم رسععول اللععه‬ ‫أبععو بكععر ‪τ‬‬
‫عهععده)‪(3‬‬ ‫واستمروا على ممارسة القضاء والوليععة أو أحععديهما فععي‬
‫وسوف نأتي على ذكر الولة وأعمالهم بإذن الله تعالى‪.‬‬
‫هي‪:‬‬ ‫وأما مصادر القضاء في عهد الصديق ‪τ‬‬
‫‪-1‬القرآن الكريم‪.‬‬
‫)( تاريخ القضاء في السلم للزحيلي‪ ،‬ص ‪.83،84‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( وقائع ندوة النظم السلمية أبوظبي )‪.(1/366‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( تاريخ القضاء في السلم‪ ،‬ص ‪.134‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-221-‬‬
‫‪-2‬السنة النبوية ويندرج فيها قضاء رسول الله ‪.ε‬‬
‫‪-3‬الجماع‪ ،‬باستشارة أهل العلم والفتوى‪.‬‬
‫‪-4‬الجتهاد والرأي‪ ،‬وذلك عند عدم وجود مايحكم به من كتاب‬
‫أو سنة أو إجماع)‪.(1‬‬
‫إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعععالى‪،‬‬ ‫فكان ابو بكر ‪τ‬‬
‫فإن وجد فيه مايقضي به قضى‪ ،‬فإن لم يجد فععي كتععاب اللععه نظععر‬
‫في سنة رسول الله ‪ ،ε‬فإن وجد فيها مايقضي به قضععى بععه‪ ،‬فععإن‬
‫قضععى فيععه‬ ‫أعياه ذلك سأل الناس‪ ،‬هل علمتععم أن رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫بقضاء‪ ،‬فربما قام إليه القعوم فيقولععون‪ :‬قضعى فيععه بكعذا أو بكعذا‪،‬‬
‫فيأخذ بقضاء رسول الله‪ ،‬يقول عندئذ‪ :‬الحمد لله الععذي جعععل فينععا‬
‫مععن يحفععظ عععن نبينععا وإن أعيععاه ذلععك دعععا رؤوس المسععلمين‬
‫وعلماءهم فاستشارهم‪ ،‬فإذا اجتمع رأيهم على المعر قضعى بعه)‪،(2‬‬
‫ويظهععر أن الصععديق يععرأى الشععورى ملزمععة إذا اجتمععع رأي أهععل‬
‫الشورى على أمر‪ ،‬إذ ليجوز للمععام مخععالفتهم وهععذا مععاحكى عنععه‬
‫في القضاء فإنه كان إذا اجتمع رأي المستشارين على المر قضععى‬
‫به وهذا ماأمر به عمرو بن العاص عندما أرسل إليه خالد بن الوليد‬
‫يتثبععت فععي‬ ‫مددا ً حيث قععال لععه‪ :‬شععاورهم ولتخععالفهم) (‪ ،‬وكععان ‪τ‬‬
‫‪3‬‬

‫قبول الخبار‪ ،‬فعن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلعى أبعي بكعر‬
‫تلتمس أن تورث فقال‪ :‬ما أجععد لععك فععي كتععاب اللععه تعععالى شععيئًا‪،‬‬
‫)( وقائع ندوة النظم السلمية )‪.(1/390‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( موسوعة فقه أبي بكر الصديق‪ ،‬قلعجي ‪ ،‬ص ‪.155‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.156‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪222‬‬
‫وماعلمت أن رسول الله ‪ ε‬ذكر لك شعيئًا‪ ،‬ثعم سعأل النعاس فقعام‬
‫يعطيهععا السععدس فقععال أبععو‬ ‫المغيرة فقال‪ :‬حضرت رسول اللععه ‪ε‬‬
‫بكر‪ :‬هل معك أحد؟ فشهد ابن مسلمة بمثل ذلععك فأنفععذه لهععا أبععو‬
‫بكر ‪ ،(1)τ‬وكان يرأى أن القاضي ليحكععم بعلمععه الشخصععي‪ ،‬إل إذا‬
‫أنععه‬ ‫كان معه شاهد آخر يعزز هذا العلم‪ ،‬فقد روي عن أبععي بكععر ‪τ‬‬
‫قال‪ :‬لو رأيت رجل ً على حد‪ ،‬لم أعاقبه حتى تقععوم البينععة عليععه‪ ،‬أو‬
‫يكون معي شاهد آخر)‪ ،(2‬وهذه بعض القضية التي صدرت في عهد‬
‫أبي بكر ‪:τ‬‬
‫أ‪-‬قضيه قصاص‪:‬‬
‫قال علي بن ماجععدة السععهمي‪ :‬قععاتلت رج ً‬
‫ل‪ ،‬فقطعععت بعععض‬
‫أذنه‪ ،‬فقدم أبو بكر حاجا‪ ،‬فرفع شأننا إليه‪ ،‬فقال لعمععر‪ :‬انظععر هععل‬
‫جام‪ ،‬فلما ذكر الحجام قععال‬
‫ي بالح ّ‬
‫بلغ أن يقتص منه‪ ،‬قال‪ :‬نعم‪ ،‬عل ّ‬
‫يقععول‪ :‬إنعي وهبععت لخععالتي ُ‬
‫غلمععا‪،‬‬ ‫أبو بكر‪ :‬سمعت رسول اللعه ‪ε‬‬
‫صععابًا‪ ،‬أو‬
‫أرجو أن يبارك لها فيه‪ ،‬وإني نهيتها أن تجعله حجام عًا‪ ،‬أو ق ّ‬
‫صانعا ً)‪.(3‬‬
‫‪-2‬نفقة الوالد على الولد‪:‬‬
‫عن قيس بن حازم قال‪ :‬حضرت أبا بكر الصديق ‪ ،τ‬فقال لععه‬
‫رجل‪ :‬ياخليفة رسول الله‪ :‬هذا يريد أن يأخععذ مععالي كلععه ويجتععاحه‪،‬‬
‫فقال أبو بكر ‪ :τ‬إنما لك من ماله مايكفيك‪ ،‬فقال‪ :‬ياخليفة رسععول‬
‫)( تذكرة الحفاظ للذهبي )‪.(1/2‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( تراث الخلفاء الراشدين‪ ،‬د‪ .‬صبحي محمصاني‪ ،‬ص ‪.186‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( أخبار القضاة لوكيع )‪ (2/102‬نقل ً عن تاريخ القضاء للزحيلي‪ ،‬ص ‪.136‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-223-‬‬
‫الله ‪ ،ε‬أليس قال رسول الله ‪ :ε‬أنت ومالك لبيك؟ فقال أبو بكععر‬
‫‪ :τ‬ارض بما رضي الله به‪ ،‬ورواه غيره عن المنذر بن زيععاد‪ ،‬وقععال‬
‫فيه‪ :‬إنما يعني بذلك النفقة)‪.(1‬‬
‫‪-3‬الدفاع المشروع‪:‬‬
‫عن أبي مليكة عن جععده أن رجل ً ع ع ّ‬
‫ض يععد رجععل فأن عذ ََر ثنيتععه‬
‫)قلع سنه( فأهدرها أبو بكر)‪.(2‬‬
‫‪-4‬الحكم بالجلد‪:‬‬
‫روى المام مالك عن نافع أن صفية بنت أبي عبيد أخبرته‪ :‬أن‬
‫أبا بكر الصديق أتى برجل قععد وقععع علععى جاريععة بكععر فأحبلهععا‪ ،‬ثععم‬
‫اعترف على نفسه بالزنا‪ ،‬ولم يكن أحصن‪ ،‬فأمر به أبععو بكععر فجلععد‬
‫د‪ ،‬ثم ُنفي إلى فدك)‪ ،(3‬وفي رواية بععأنه لععم يجلععد الجاريععة ولععم‬
‫الح ّ‬
‫ينفها لنهععا اسععتكرهت‪ ،‬ثععم زوجهعا إيعاه أبععو بكععر وأدخلعه عليهععا)‪،(4‬‬
‫وعندما سئل الصديق عن رجل زنى بععامرأة‪ ،‬ثععم يريععد أن يتزوجهععا‬
‫قال‪ :‬مامن توبععة أفضععل مععن أن يتزوجهععا‪ ،‬خرجععا مععن سععفاح إلععى‬
‫نكاح)‪.(5‬‬
‫‪-5‬الحضانة للم مالم تتزوج‪:‬‬
‫طلق عمر بن الخطاب امرأته النصارية‪-‬أم ابنه عاصم‪ -‬فلقيها‬

‫)( السنن الكبرى )‪ (7/481‬نقل ً عن تاريخ القضاء للزحيلي‪ ،‬ص ‪ .136‬ضعععيف جععدا ً بععل‬ ‫‪1‬‬
‫قد تكون موضوعة‪ .‬اللباني ارواء ) ‪.(3/329‬‬
‫)( تارخ القضاء للزحيلي‪ ،‬ص ‪.137‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( الموطأ‪ ،‬كتاب الحدود رقم ‪.848‬‬ ‫‪3‬‬
‫)( مصنف عبدالرزاق رقم ‪.12796‬‬ ‫‪4‬‬
‫)( نفس المصدر رقم ‪ 12796‬الرواية فيها راوي مجهول‪.‬‬ ‫‪5‬‬
‫‪224‬‬
‫سر)‪ ،(1‬ولقيه قد ُفطم ومشى‪ ،‬فأخذ بيديه لينتزعه منها‪،‬‬
‫ح ّ‬
‫م َ‬
‫تحمله ب ُ‬
‫ونازعها إياه حتى أوجع الغلم وبكى‪ ،‬وقععال‪ :‬أنععا أحععق بععإبني منععك‪.‬‬
‫جُرهععا‬
‫ح ْ‬
‫فاختصمها إلى أبي بكععر‪ ،‬فقضععى لهععا بععه‪ ،‬وقععال‪ :‬ريحهععا‪ ،‬و ِ‬
‫وفي روايععة‪ :‬هععي‬ ‫لنفسه)‪(2‬‬ ‫وفرشها خير له منك حتى يشب ويختار‬
‫حنععا وأرأف‪ ،‬وهععي أحععق بولععدها مععالم‬
‫أعطععف وألطععف وأرحععم وأ ْ‬
‫تتزوج)‪.(3‬‬
‫هذه بعض القضية والحكام التي حدثت في عهععد الصععديق ‪τ‬‬
‫هذا وقد تميز القضاء في عهد الصديق بعدة أمور منها‪:‬‬
‫أ‪-‬كان القضاء في عهد الصععديق امتععدادا ً لصععورة القضععاء فععي‬
‫العهععد النبععوي‪ ،‬بععاللتزام بععه‪ ،‬والتأسععي بمنهجععه‪ ،‬وانتشععار التربيععة‬
‫الدينية‪ ،‬والرتباط باليمان والعقيدة والعتماد على الععوازع الععديني‪،‬‬
‫والبساطة في سير الدعوى‪ ،‬واختصعار الجعراءات القضعائية‪ ،‬وقلعة‬
‫الدعاوى والخصومات‪.‬‬
‫ب‪ -‬اصععبحت الحكععام القضععائية فععي عصععر الصععديق مععوئل‬
‫البععاحثين‪ ،‬ومحععط النظععار للفقهععاء‪ ،‬وصععارت الحكععام القضععائية‪،‬‬
‫مصدرا ً للحكام الشععرعية‪ ،‬والجتهععادات القضععائية‪ ،‬والراء الفقهيععة‬
‫في مختلف العصور‪.‬‬
‫جع‪-‬مارس الصديق وبعض ولته النظر في المنازعات‪ ،‬وتععولي‬
‫القضاء بجانب الولية‪.‬‬
‫)( محسر‪ :‬موضع بين مكة وعرفة‪ .‬معجم البلدان )‪.(5/62‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( مصنف عبدالرزاق )‪ (7/54‬رقم ‪.12601‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( نفس المصدر )‪ (7/54‬رقم ‪.12600‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-225-‬‬
‫د‪-‬ساهمت فترة الصديق في ظهور مصادر جديدة للقضاء في‬
‫العهد الراشدي‪ ،‬وصععارت مصععادر الحكععام القضععائية هععي‪ :‬القععرآن‬
‫الكريم‪ ،‬والسنة الشععريفة‪ ،‬الجمععاع‪ ،‬القيععاس‪ ،‬السععوابق القضعائية‪،‬‬
‫الرأي الجتهادي مع المشورة)‪.(1‬‬
‫هع‪-‬كانت آداب القضععاء مرعيععة فععي حمايععة الضعععيف‪ ،‬ونصععرة‬
‫المظلوم‪ ،‬والمسععاواة بيععن الخصععوم وإقامععة الحععق والشععرع علععى‬
‫جميع الناس‪ ،‬ولو كععان الحكععم علععى الخليفععة أو الميععر أو الععوالي‪،‬‬
‫وكععان القاضعي فعي الغععالب يتععولى تنفيععذ الحكععام‪ ،‬إن لععم ينفعذها‬
‫الطراف طوعا ً واختيارًا‪ ،‬وكان التنفيذ عقب صدور الحكم فورا ً)‪.(2‬‬
‫‪-3‬الولية على البلدان‪:‬‬
‫كان أبو بكر يستعمل الولة في البلدان المختلفة ويعهد إليهععم‬
‫بالوليعة العامعة فععي الدارة والحكععم والمامعة‪ ،‬وجبايععة الصعدقات‪،‬‬
‫وسععائر أنععواع الوليععات‪ ،‬وكععان ينظععر إلععى حسععن اختيععار الرسععول‬
‫للمراء والولة على البلدان فيقتدي به في هذا العمل‪ ،‬ولهذا نجععده‬
‫قعد أقعر جميعع عمعال الرسعول العذين تعوفي الرسعول وهعم علعى‬
‫وليتهم‪ ،‬ولم يعزل أحدا ً منهم إل ليعينه في مكان آخععر أكععثر أهميععة‬
‫وكععانت‬ ‫العععاص)‪(3‬‬ ‫من موقعه الول ويرضاه كمععا حععدث لعمععرو بععن‬
‫بالدرجععة الولععى‬ ‫مسؤوليات الولة فععي عهععد أبعي بكععر الصععديق ‪τ‬‬
‫امتدادا ً لصعلحياتهم فعي عصعر الرسععول ‪ ε‬خصوصعا ً العولة العذين‬

‫)( تاريخ القضاء في السلم‪ ،‬ص ‪.157،158‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.160‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( الولية على البلدان‪ ،‬عبدالعزيز ابراهيم العمري )‪.(1/55‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪226‬‬
‫سبق تعيينهم أيام الرسول ويمكن تلخيععص أهععم مسععئوليات الععولة‬
‫في عصر أبي بكر وهي‪:‬‬
‫أ‪-‬إقامة الصععلة وإمامععة النععاس وهععي المهمععة الرئيسععية لععدى‬
‫الولة نظرا ً لما تحمله من معان دينية ودنيوية سياسععية واجتماعيععة‬
‫حيث الولة يؤمون الناس وعلى وجه الخصوص في صلة الجمعععة‪،‬‬
‫والمراء دائما ً كانت توكععل إليهععم الصعلة سععواء كععانوا أمععراء علععى‬
‫البلدان أم أمراء على الجناد‪.‬‬
‫ب‪-‬الجهاد كان يقوم به أمععراء الجنععاد فععي بلد الفتععح‪ ،‬فكععانوا‬
‫يتولون أموره ومافيه من مهام مختلفة بأنفسهم أو ينيبععون غيرهععم‬
‫في بعض المهام كتقسيم الغنععائم أو المحافظععة علععى السععرى‪ ،‬أو‬
‫غير ذلك‪ ،‬وكععذلك مععايتبع هععذا الجهععاد مععن مهععام أخععرى كمفاوضععة‬
‫العداء وعقود المصالحة معهععم وغيرهععا‪ ،‬ويتسععاوى فععي المهمععات‬
‫الجهادية أمراء الجناد في الشام والعراق وكذلك المراء فععي البلد‬
‫التي حدثت فيها الردة كاليمن والبحرين وعمان ونجد‪ ،‬نظرا ً لوجود‬
‫تشابه في العمليات الجهادية مععع اختلف السععباب الموجهععة لهععذه‬
‫العمليات‪.‬‬
‫ت‪-‬إدارة شؤون البلد المفتوحة وتعيين القضاة والعمال عليها‬
‫من قبل المراء أنفسهم‪ ،‬وبإقرار من الخليفععة أبععي بكععر‪ ،‬أو تعييععن‬
‫من أبي بكر ‪ ،τ‬عن طريق هؤلء العمال)‪.(1‬‬
‫جع‪-‬أخذ البيعة للخليفة‪ ،‬فقد قام الولة فععي اليمععن وفععي مكععة‬
‫)( الولية على البلدان )‪.(1/59‬‬ ‫‪1‬‬

‫‪-227-‬‬
‫من أهل البلد الععتي كععانوا‬ ‫والطائف وغيرها بأخذ البيعة لبي بكر ‪τ‬‬
‫يتولون عليها‪.‬‬
‫ح‪-‬كععانت هنععاك أمععور ماليععة توكععل إلععى الععولة إو إلععى مععن‬
‫يساعدهم ممن يعينهم الخليفة أو الوالي لخذ الزكععاة مععن الغنيععاء‬
‫وتوزيعها على الفقراء أو أخذ الجزية من غيععر المسععلمين وصععرفها‬
‫في محلها الشرعي وهي امتداد لما قام به ولة الرسععول فععي هععذا‬
‫الخصوص‪.‬‬
‫حيععث قععام والععي‬ ‫خ‪-‬تجديد العهود القائمة من أيام الرسول ‪ε‬‬
‫بناء علععى‬ ‫نجران بتجديد العهد الذي كان بين أهلها وبين الرسول ‪ε‬‬
‫طلب نصارى نجران)‪.(1‬‬
‫د‪-‬كانت من أهم مسؤوليات الولة إقامة الحدود وتععأمين البلد‬
‫وهم يجتهدون رأيهععم فيمععا لععم يكعن فيععه نععص شععرعي‪ ،‬كمععا فععل‬
‫المهاجر بن أبي أمية بالمرأتين اللتين تغنتععا بععذم الرسععول وفرحتععا‬
‫بوفاته وسيأتي بيان ذلك بإذن الله تعالى في جهععاد الصععديق لهععل‬
‫الردة‪.‬‬
‫س‪-‬كان للولة دور رئيسي في تعليم الناس أمور دينهم وفععي‬
‫نشر السلم في البلد التي يتولون عليها وكععان الكععثير مععن هععؤلء‬
‫الولة يجلسون في المساجد يعلمون الناس القرآن والحكام وذلك‬
‫وتعتبر هذه المهمة من أعظم المهام وأجلها‬ ‫عمل ً بسنة الرسول ‪ε‬‬
‫في نظر الرسول وخليفته أبي بكر‪ ،‬وقد اشتهر عععن ولة أبععي بكععر‬
‫)( تاريخ الطبري )‪.(3/165‬‬ ‫‪1‬‬
‫‪228‬‬
‫ذلك حيث يتحدث أحد المؤرخين عن عمل زياد والي أبي بكر علععى‬
‫حضرموت فيقول‪ :‬فلما أصبح زياد غدا ً يقرئ الناس كما كان يفعععل‬
‫قبل ذلك)‪.(1‬‬
‫وبهذا التعليم كان للولة دور كبير في نشر السلم فععي ربععوع‬
‫البلد التي يتولونها‪ ،‬وبهذا التعليم تثبععت أقععدام السععلم سععواء فععي‬
‫البلد المفتوحععة الحديثععة عهععد بالسععلم أو فععي البلد الععتي كععانت‬
‫مسلمة وارتععدت‪ ،‬وهععي حديثععة عهععد بععالردة جاهلععة بأحكععام دينهععا‪،‬‬
‫إضافة إلى أن البلد المستقرة كمكة والطائف والمدينععة‪ ،‬كععان بهععا‬
‫من يقرئ الناس بأمر مععن الععولة أو الخليفععة نفسععه‪ ،‬أو مععن يعينععه‬
‫الخليفة على التعليم في هذه البلدان)‪.(2‬‬
‫وقد كععان الععوالي هععو المسععؤل مسععئولية مباشععرة عععن إدارة‬
‫القليم الذي يتوله وفي حالة سفر هذا الوالي فإنه يتعين عليععه أن‬
‫يستخلف أو ينيب عنه من يقوم بعمله حتى يعععود هععذا الععوالي إلععى‬
‫عمله‪ ،‬ومن ذلك أن المهاجر بن أبي أمية عينه الرسول على كنععدة‬
‫ثم أقره أبو بكر بعد وفاة الرسول ولم يصععل المهععاجر إلععى اليمععن‬
‫مباشرة وتأخر نظرا ً لمرضه فأرسل إلى )زياد بن لبيد( ليقوم عنععه‬
‫بعمله حتى شفائه وقدومه‪ ،‬وقد أقرأ أبععو بكععر ذلععك)‪ ،(3‬كععذلك كععان‬
‫خالد أثناء وليته للعراق ينيب عنه في الحيرة من يقوم بعمله حععتى‬
‫عودته‪.‬‬
‫)( الولية على البلدان )‪.(1/60‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( نفس المصدر )‪.(1/61‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( المصدر السابق )‪.(1/55‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-229-‬‬
‫يشاور الكثير مععن الصععحابة قبععل إختيععار أحععد‬ ‫وكان أبو بكر ‪τ‬‬
‫من المراء سواء على الجنععد أو علععى البلععدان‪ ،‬ونجععد فععي مقدمععة‬
‫مستشاري أبي بكر في هذا المر عمر بن الخطاب وعلي بععن أبععي‬
‫يشاور الشععخص الععذي يريععد‬ ‫طالب وغيرهما) (‪ ،‬كما كان أبو بكر ‪τ‬‬
‫‪1‬‬

‫تععوليته قبععل أن يعينععه وعلععى وجععه الخصععوص إذا أراد أن ينقععل‬


‫الشخص من ولية إلى أخرى كما حدث حينما أراد أن ينقععل عمععرو‬
‫بععن الععاص معن وليتععه الععتي وله عليهععا الرسععول إلعى وليعة جنعد‬
‫فلسطين‪ ،‬فلم يصدر أبو بكر قراره إل بعد أن استشاره وأخععذ منععه‬
‫موافقة على ذلك)‪ ،(2‬كذلك الحال بالنسبة للمهاجر بععن أميععة الععذي‬
‫خّيره أبو بكر بين اليمن أو حضرموت فاختار المهاجر اليمن فعينععه‬
‫أبو بكر عليها)‪.(3‬‬
‫أنعه كععان يعمعل بسعنة‬ ‫ومن المور التي سار عليها أبو بكعر ‪τ‬‬
‫النبي ‪ ε‬في تولية بعض الناس على قومهم إذا وجد فيهععم صععلحاء‪،‬‬
‫كالطائف وبعععض القبععائل وكععان أبععو بكععر ‪ τ‬عنععدما يريععد أن يعيععن‬
‫شخصا ً على ولية يكتب للشخص المعين عهععدا ً لععه علععى المنطقععة‬
‫التي وله عليها‪ ،‬كما أنه في كثير من الحيان قعد يحعدد لعه طريقعه‬
‫إلى وليته ومايمر عليه من أماكن خصوصا ً إذا كان التعيين مختصععا ً‬

‫بمنطقة لم تفتح بعد ولم تدخل ضمن سلطات الدولة ويتضععح ذلععك‬
‫في حروب الردة‪ ،‬وفتوح الشام والعراق وقام الصديق أحيانا ً بضععم‬
‫)( الولية على البلدان )‪.(1/55‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( نفس المصدر )‪.(1/55‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( المصدر السابق )‪.(1/55‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪230‬‬
‫بعض الوليات إلى بعض‪ ،‬خصوصا ً بعد النتهاء مععن قتععال المرتععدين‬
‫فقد ضم أبو بكر كندة إلى زياد بن لبيد البياضي‪ ،‬وكععان والي عا ً علععى‬
‫حضرموت واستمر بعد ذلك واليا ً لحضرموت وكندة)‪.(1‬‬
‫وكانت معاملة أبي بكر للولة تتسم بالحترام المتبععادل الععذي‬
‫لم تشبه شائبة‪ ،‬وأما عن التصالت بين الععولة وبيععن الخليفععة أبععي‬
‫فقد كانت تجري بصفة دائمة وكانت هذه التصععالت تختععص‬ ‫بكر ‪τ‬‬
‫بمصالح الولية ومهام العمل‪ ،‬فقد كان الولة كثيرا ً مععايكتبون لبععي‬
‫بكر في مختلف شععئونهم يستشععيرونه‪ ،‬وكععان أبععو بكععر يكتععب لهععم‬
‫الجابة على استفسععاراتهم‪ ،‬أو يععوجه لهععم أوامععره وكععانت الرسععل‬
‫تأتي بالخبار من الولة سواء أخبار الجهاد أو قبل ذلك على جبهات‬
‫حروب المرتدين كذلك كان الولة يبعثون بأخبار ولياتهم من تلقععاء‬
‫أنفسهم)‪ ،(2‬وكان الولة يتصل بعضهم ببعض عن طريق الرسععل أو‬
‫عن طريععق التصععال المباشععر واللقععاءات‪ ،‬وتتمثععل هععذه اللقععاءات‬
‫والتصالت بالدرجة الولى بين ولة اليمن وحضرموت بعضععهم مععع‬
‫بعععض‪ ،‬وكععذلك الحععال بالنسععبة لععولة الشععام‪ ،‬الععذين كععانوا كععثيرا ً‬

‫مايجتمعون لتععدارس أمعورهم العسععكرية بالدرجعة الولععى‪ ،‬وكععانت‬


‫تختص بحث الولة علععى الزهععد فععي‬ ‫كثير من مراسلت أبي بكر ‪τ‬‬
‫الدنيا وطلب الخرة‪ ،‬وكانت بعض هذه النصائح تصععدر علععى شععكل‬
‫كتب عامة رسمية من الخليفة نفسععه إلععى مختلععف الععولة وأمععراء‬

‫)( الولية على البلدان )‪.(1/56‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( نفس المصدر )‪.(1/57‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-231-‬‬
‫هذا وقد قسمت الدولة السلمية في عهد أبععي بكععر إلععى‬ ‫الجناد)‪(1‬‬

‫عدة وليات وهذه أسماء الوليات والولة‪:‬‬


‫أ‪-‬المدينة‪ :‬عاصمة الدولة وبها الخليفة أبو بكر ‪.τ‬‬
‫ب‪-‬مكة‪ :‬وأميرها عتاب بن أسععيد وهععو الععذي وّله الرسععول ‪ε‬‬
‫واستمر مدة حكم أبي بكر‪.‬‬
‫ت‪-‬الطائف‪ :‬وأميرها عثمان بن أبي العاص‪ ،‬و ّ‬
‫له رسععول اللععه‬
‫وأقره أبو بكر عليها‪.‬‬ ‫‪ε‬‬
‫ث‪-‬صنعاء‪ :‬وأميرها المهاجر بن أبععي أميععة‪ ،‬وهععو الععذي فتحهععا‬
‫ووليها بعد انتهاء أمر الردة‪.‬‬
‫جع‪-‬حضرموت‪ :‬ووليها زياد بن لبيد‪.‬‬
‫حع‪-‬زبيد ورقع‪ :‬ووليها أبو موسى الشعري‪.‬‬
‫خع‪-‬خولن‪ :‬ووليها يعلى بن أبي أمية‪.‬‬
‫ذ‪-‬الجند‪ :‬وأميرها معاذ بن جبل‪.‬‬
‫س‪-‬نجران‪ :‬ووليها جرير بن عبدالله‪.‬‬
‫ش‪-‬جرش‪ :‬ووليها عبدالله بن نور‪.‬‬
‫ك‪-‬البحرين‪ :‬ووليها العلء بن الحضرمي‪.‬‬
‫ل‪-‬العراق والشام كان أمراء الجند هم ولة المر فيها‪.‬‬
‫و‪-‬عمان‪ :‬ووليها حذيفة بن محصن‪.‬‬
‫هع‪-‬اليمامة‪ :‬ووليها سليط بن قيس)‪.(2‬‬

‫)( المصدر السابق )‪.(1/57‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( الدول العربية السلمية‪ ،‬منصور الحرابي‪ ،‬ص ‪.96،97‬‬ ‫‪2‬‬
‫‪232‬‬
‫‪-4‬موقف علي والزبير رضي الله عنهما من خلفة الصديق‪:‬‬
‫وردت أخبار كثيرة في شأن تعأخر علعي ععن مبايععة الصعديق‬
‫جع ّ‬
‫ل هععذه الخبععار‬ ‫رضي الله عنهما وكذا تععأخر الزبيععر بععن العععوام و ُ‬
‫ليس بصحيح إل مارواه ابن عباس رضي الله عنهمععا قععال‪ :‬إن عليععا‬
‫والزبير‪ ،‬ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنعت رسعول اللعه‬
‫‪ ،(1)ε‬فقد كان انشغال جماعة من المهاجرين وعلى رأسععهم علععي‬
‫من تغسيل‪ ،‬وتكفين‪ ،‬ويبدو‬ ‫بن أبي طالب بأمر جهاز رسول الله ‪ε‬‬
‫مععن أن أبععا بكععر‬ ‫ذلك واضحا ً فيما رواه الصحابي سالم بن عبيععد ‪τ‬‬
‫قععال لهععل بيععت النععبي‪ ،‬وعلععى رأسععهم علععي‪ :‬عنععدكم صععاحبكم‪،‬‬
‫فأمرهم يغسلونه)‪.(2‬‬
‫وقد بايع الزبير بن العوام وعلععي بععن أبععي طععالب رضععي اللععه‬
‫عنهما أبا بكر في اليوم التالي لوفععاة الرسععول‪ ،‬وهععو يععوم الثلثععاء‪،‬‬
‫قال أبو سعيد الخدري‪ :‬لما صعد أبو بكععر المنععبر‪ ،‬نظععر فععي وجععوه‬
‫القوم‪ ،‬فلم ير الزبير بن العوام فدعا بععالزبير فجععاء‪ ،‬فقععال لععه أبععو‬
‫بكععر‪ :‬يععابن عمععة رسععول اللععه ‪ ،ε‬وحععواّريه‪ ،‬أتريععد أن تش عقّ عصععا‬
‫المسلمين؟ فقال الزبير‪ :‬لتثريب عليك ياخليفة رسول الله‪ ،‬فقععام‬
‫الزبير‪ ،‬فبايع أبا بكر!‪ ،‬ثم نظر أبو بكععر فععي وجععوه القععوم‪ ،‬فلععم يععر‬
‫م‬
‫علي بن أبي طالب فدعا بعلي‪ ،‬فجاء‪ .‬فقال له أبو بكر‪ :‬يا ابععن ع ع ّ‬
‫رسول الله ‪ ،ε‬وختنه على ابنته‪ ،‬أتريد أن تشق عصا المسلمين؟‬
‫فقال علي‪ :‬لتثريب عليك ياخليفة رسول الله ‪ ،ε‬فقام علععي‪،‬‬
‫)( صحيح التوثيق في سيرة وحياة الصديق‪ ،‬ص ‪.98‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.98‬‬ ‫‪2‬‬

‫‪-233-‬‬
‫فبايع أبا بكر)‪!(1‬‬
‫ومما يدل على أهمية حديث أبععي سعععيد الخععدري الصععحيح أن‬
‫المام )مسلم بن الحجاج( صاحب الجامع الصعحيح العذي هععو أصعح‬
‫الكتععب الحديثيععة بعععد صععحيح البخععاري‪ -‬ذهععب إلععى شععيخه المععام‬
‫الحافظ محمد بن إسحاق بن خزيمة – صاحب صحيح ابن خزيمة –‬
‫فسأله عن هذا الحديث‪ ،‬فكتععب لععه ابععن الخزيمععة الحععديث‪ ،‬وقععرأه‬
‫عليه‪ ،‬فقال مسلم لشيخه ابن خزيمة‪ :‬هعذا الحعديث يسععاوي بدنععة‪،‬‬
‫فقعط‪ ،‬إنعه يسعاوي‬ ‫ب َد ََنعة)‪(2‬‬ ‫فقال ابن خزيمة‪ :‬هذا الحديث ليساوي‬
‫مال‪ ،‬وعلق على هذا الحديث ابن كثير –رحمه الله‪ -‬فقععال‪:‬‬ ‫بدرة)‪(3‬‬

‫هذا إسناد صحيح محفوظ‪ ،‬وفيه فائدة جليلة‪ ،‬وهي مبايعة علي بععن‬
‫أبي طالب إما في أول يوم أو في اليوم الثععاني مععن الوفععاة‪ ،‬وهععذا‬
‫حق‪ ،‬فإن علي بن أبي طععالب لععم يفععارق الصععديق فععي وقععت مععن‬
‫الوقات‪ ،‬ولم ينقطع في صلة من الصععلوات خلفعه)‪ ،(4‬وفعي روايععة‬
‫حبيب بن أبي ثابت‪ ،‬حيث قال‪ :‬كان علي بن أبي طععالب فععي بيتععه‪،‬‬
‫ي إلععى‬
‫فأتاه رجل‪ ،‬فقال له‪ :‬قد جلس أبععو بكععر للبيعععة‪ ،‬فخععرج عل ع ّ‬
‫جعل‪ ،‬كراهعة‬
‫المسجد في قميص له‪ ،‬معاعليه إزار ولرداء‪ ،‬وهععو متع ّ‬
‫أن يبطئ عن البيعة‪ .‬فبايع أبععا بكععر‪ ،‬ثععم جلععس‪ ،‬وبعععث إلععى ردائه‪،‬‬
‫وقد سأل عمرو بن حريث سعيد‬ ‫قميصه)‪(5‬‬ ‫فجاؤوه به‪ ،‬فلبسه فوق‬
‫صححه ابن كثير في البداية والنهاية )‪.(5/249‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬
‫البدنة‪ :‬نقاة أو بقرة تنحر بمكة ولعظمها وضخامتها سميت بدنة‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫البدرة‪ :‬كيس فيه ألف أو عشرة آلف دينار والمعنى‪ :‬أنه كنز ثمين‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(5/249‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫الخلفاء الراشدون للخالدي‪ ،‬ص ‪.56‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬
‫‪234‬‬
‫ت وفاة رسول الله ‪ε‬؟‬
‫بن زيد ‪ ،τ‬فقال له‪ :‬أشهِد ْ َ‬
‫قال‪ :‬نعم‪.‬‬
‫قال له‪ :‬متى بويع أبو بكر؟‬
‫قال سعيد‪ :‬يوم مات رسول الله ‪ ،ε‬كره المسلمون أن يبقوا‬
‫بعض يوم‪ ،‬وليسوا في جماعة‪.‬‬
‫قال‪ :‬هل خالف أحد أبا بكر؟‬
‫قال سعيد‪ :‬ل‪ .‬لم يخالفه إل مرتد‪ ،‬أو كعاد أن يرتعد‪ ،‬وقعد أنقعذ‬
‫الله النصار‪ ،‬فجمعهم عليه وبايعوه‪.‬‬
‫قال‪ :‬هل قعد أحد من المهاجرين عن بيعته؟‬
‫قال سعيد‪ :‬ل‪ .‬لقد تتابع المهاجرون على بيعته)‪.!!(1‬‬
‫فلم يفارق الصديق في وقعت معن الوقعات ولععم‬ ‫وأما علي ‪τ‬‬
‫ينقطععع عنععه فععي جماعععة مععن الجماعععات‪ ،‬وكععان يشععاركه فععي‬
‫المشورة‪ ،‬وفي تدبير أمور المسلمين)‪.(2‬‬
‫ويرى ابن كثير وكثير من أهل العلععم أن عليعا ً جع ّ‬
‫دد بيعتععه بعععد‬
‫ستة أشهر من البيعة الولى أي بعد وفاة فاطمة رضي اللععه عنهععا‪،‬‬
‫وجاءت في هذه البيعة روايات صحيحة)‪.(3‬‬
‫جح عا ً لمععا فيععه‬
‫وكان علي في خلفة أبي بكر عيبة نصح له‪ ،‬مر ّ‬
‫مصعلحة للسعلم والمسعلمين علعى أي شعيء آخعر‪ ،‬ومعن العدلئل‬
‫السععاطعة علععى إخلصععه لبععي بكععر ونصععحه للسععلم والمسععلمين‬
‫)( الخلفاء الراشدون ‪ ،‬ص ‪.56‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.56‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( البداية والنهاية )‪.(5/49‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-235-‬‬
‫وحرصه على الحتفععاظ ببقععاء الخلفععة واجتمععاع شععمل المسععلمين‬
‫بنفسععه إلععى ذي القصععة)‪،(1‬‬ ‫ماجاء من موقفه من توجه أبي بكععر ‪τ‬‬
‫وعزمه على محاربة المرتدين‪ ،‬وقيادته للتحركات العسكرية ضدهم‬
‫بنفسععه‪ ،‬وماكععان فععي ذلععك مععن مخععاطرة وخطععر علععى الوجععود‬
‫السلمي)‪ ،(2‬فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال‪ :‬لما برز أبععو بكععر‬
‫إلى ذي القصة‪ ،‬واسععتوى علععى راحلتععه أخعذ علعي بععن أبعي طعالب‬
‫بزمامها‪ ،‬وقال‪ :‬إلى أين ياخليفة رسول اللععه ‪ε‬؟ أقععول لععك ماقععال‬

‫رسول الله ‪ ε‬يوم أحد‪ :‬ل ّ‬


‫م سيفك ولتفجعنععا بنفسععك‪ ،‬وارجععع إلععى‬
‫المدينة‪ ،‬فوالله لئن فجعنا بك ليكون للسلم نظام أبدا ً فرجع)‪.(3‬‬
‫‪-‬أعاذه الله من ذلك‪ -‬لم ينشرح صععدره لبععي‬ ‫فلو كان علي ‪τ‬‬
‫بكر وقد بايعه على رغم من نفسه‪ ،‬فقد كععانت هععذه فرصععة ذهبيععة‬
‫ينتهزها علي‪ ،‬فيترك أبا بكر وشأنه‪ ،‬لعله يحدث به حععدث فيسععتريح‬
‫منه ويصفو الجو له‪ ،‬وإذا كان فوق ذلك‬
‫‪-‬حاشاه عنه‪ -‬من كراهته له وحرصه على التخل ّععص منععه‪ ،‬أغععرى بععه‬
‫أحدا ً يغتاله‪ ،‬كما يفعله الرجال السياسيون بمنافسيهم وأعدائهم)‪.(4‬‬
‫ث ماتركنا صدقة()‪:(5‬‬
‫‪)-5‬إنا معشر النبياء لن َُر ُ‬
‫قالت عائشة رضي الله عنها‪ :‬أن فاطمة والعباس رضي اللععه‬
‫وهمععا حينئذ‬ ‫عنهم‪ :‬أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله ‪ε‬‬
‫ذي القصة‪ :‬من المدينة على مراحل‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬
‫المرتضى سيرة علي بن أبي طالب‪ ،‬ص ‪ 97‬للندوي‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫البداية والنهاية )‪.(315 -6/314‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫المرتضى سيرة علي بن أبي طالب‪ ،‬ص ‪.97‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫البخاري رقم ‪.6725‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬
‫‪236‬‬
‫يطلبان أرضيهما من فدك وسهمهما من خيبر فقال لهما أبععو بكععر‪:‬‬
‫يقول‪ :‬لنورث‪ ،‬ماتركنا صدقة‪ ،‬إنما يأكععل آل‬ ‫سمعت رسول الله ‪ε‬‬
‫محمد من هذا المال)‪ ،(1‬وفي رواية قال أبو بكر ‪ … :τ‬لست تاركعا ً‬

‫يعمل بععه إل عملععت بععه‪ ،‬فععإني أخشععى إن‬ ‫شيئا ً كان رسول الله ‪ε‬‬
‫تركت شيئا ً من أمره أن أزيغ)‪.(2‬‬
‫وعن عائشة رضي الله عنها قععالت‪ :‬إن أزواج النععبي ‪ ،ε‬حيععن‬
‫إلععى أبععي‬ ‫توفى رسول الله ‪ ،ε‬أردن أن يبعثن عثمان بن عفععان ‪τ‬‬
‫بكر‪ ،‬يسألنه ميراثهن‪ ،‬فقالت عائشة‪ :‬أليععس قععال رسععول اللععه ‪:ε‬‬
‫قععال رسععول اللععه ‪:ε‬‬ ‫لنورث ماتركنا صدقة) (‪ ،‬وعن أبي هريرة ‪τ‬‬
‫‪3‬‬

‫ليقتسم ورثتي دينارًا‪ ،‬ماتركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهععو‬
‫صدقة)‪.(4‬‬
‫مع فاطمععة رضععي اللععه عنهععا‬ ‫وهذا مافعله أبو بكر الصديق ‪τ‬‬
‫إمتثال ً لقوله ‪ ε‬لذلك قال الصديق‪ :‬لست تاركعا ً شععيئا ً كععان رسععول‬
‫الله يعمل به إل عملت به)‪ ،(5‬وقال‪ :‬والله لأدع أمعرا ً رأيعت رسععول‬
‫يصنعه فيه إل صنعته)‪.(6‬‬ ‫الله ‪ε‬‬
‫وقد تركععت فاطمععة رضععي اللععه عنهععا منععازعته بعععد احتجععاجه‬
‫بالحديث وبيانه لها وفيه دليل على قبولها الحق واذعانها لقععوله ‪:ε‬‬

‫البخاري‪ ،‬رقم ‪.6726‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫مسلم رقم ‪ 1759‬بصيغة اخرى وبنفس المعنى‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫البخاري‪ ،‬رقم ‪6730‬؛ مسلم رقم ‪.1758‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫البخاري‪ ،‬رقم ‪.6729‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫مسلم رقم ‪.1758‬‬ ‫)(‬ ‫‪5‬‬
‫البخاري رقم ‪.6726‬‬ ‫)(‬ ‫‪6‬‬

‫‪-237-‬‬
‫قال ابن قتيبة)‪ ،(1‬وأما منازعة فاطمة أبا بكر رضي الله عنهما فععي‬
‫ميراث النبي ‪ ε‬فليس بمنكر‪ ،‬لنها لم تعلم ماقععاله رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫وظنت أنها ترثه كما يرث الولد آباءهم فلما أخبرها بقوله كفت)‪.(2‬‬
‫وقال القاضي عياض‪ :‬وفي ترك فاطمة منازعة أبي بكععر بعععد‬
‫احتجاجه عليها بالحديث التسععليم للجمععاع علععى قضععية‪ ،‬وأنهععا لمععا‬
‫بلغها الحديث وبين لها التأويل تركت رأيها ثم لم يكن منهععا ول مععن‬
‫ذريتها بعد ذلك طلب ميراث ثم ولي علي الخلفععة فلععم يعععدل بهععا‬
‫عما فعله أبو بكر وعمر رضي الله عنهم)‪.(3‬‬
‫وقال حماد بن إسحاق‪ :‬والذي جععاءت بععه الروايععات الصععحيحة‬
‫من أبي بكععر‬ ‫فيما طلبه العباس وفاطمة وعلي لها وأزواج النبي ‪ε‬‬
‫رضي الله عنهم جميععا ً إنمععا هععو الميععراث حععتى أخععبرهم أبععو بكععر‬
‫أنعه قعال‪) :‬لنعورث ماتركنععا‬ ‫والكععابر معن أصعحاب رسعول اللعه ‪ε‬‬
‫صدقة( فقبلوا بذلك وعلموا أنه الحق ولو لععم يقععل رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫ذلك كان لبي بكر وعمر فيه الحظ الوافر بميراث عائشة وحفصععة‬
‫رضي الله عنهمععا فععآثروا أمععر اللععه وأمععر رسععوله‪ ،‬ومنعععوا عائشععة‬
‫وحفصة‪ ،‬ومن سواهما ذلك‪ ،‬ولو كان رسول‪ ،‬يورث‪ ،‬لكان لبي بكر‬
‫وعمر أعظم الفخر به أن تكون ابنتاهما وارثتي محمد ‪.(4)ε‬‬
‫وأما ماذكره مععن الععرواة فعي كععون فاطمععة رضعي اللععه عنهععا‬

‫عبدالله بن مسلم بن قتيبة ت ‪276‬هع )شذرات الذهب )‪.(2/169‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫تأويل مختلف الحديث‪ ،‬ص ‪.189‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫شرح صحيح مسلم للنووي )‪.(12/318‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫البداية والنهاية )‪ (253 -5/252‬وقال إسناده جيد قوي‪.‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬
‫‪238‬‬
‫غضبت وهجرت الصديق حتى ماتت فبعيد جدا ً لعدة أدلة منها‪:‬‬
‫أ‪-‬مارواه البيهقي من طريق الشعبي‪ :‬أن أبا بكر عاد فاطمععة‪،‬‬
‫فقال لها علي‪ :‬هذا أبو بكر يستأذن عليك فقالت‪ :‬أتحب أن آذن له‬
‫قال‪ :‬نعم فأذنت له فدخل عليهععا فترضععاها حععتى رضععيت)‪ ،(1‬وبهععذا‬
‫يزول الشكال الوارد في تمادي فاطمة رضي الله عنها لهجععر أبععي‬
‫بكر الصديق ‪ ،τ‬كيععف وهععو القععائل‪ :‬واللععه لقرابععة رسععول اللععه ‪،ε‬‬
‫إل امتثال ً وإتباعا ً لمععر‬ ‫ي أن أصل من قرابتي) (‪ ،‬ومافعل ‪τ‬‬
‫‪2‬‬
‫أحب إل ّ‬
‫رسول الله ‪.( )ε‬‬
‫‪3‬‬

‫ب‪-‬لقد انشغلت عن كل شعيء بحزنهعا لفقعدها أكعرم الخلعق‪،‬‬


‫وهي مصيبة تزري بكل المصائب‪ ،‬كما أنها انشغلت بمرضععها الععذي‬
‫ألزمها الفراش عن أي مشاركة في أي شأن مععن الشععؤون‪ ،‬فضعل ً‬

‫عن لقاء خليفة المسععلمين المشععغول ‪-‬لكععل لحظععة مععن لحظععاته‪-‬‬


‫بشؤون المة‪ ،‬وحروب الردة وغيرها‪ ،‬كمععا أنهععا كععانت تعلعم بقععرب‬
‫بأنها أول من يلحق به من‬ ‫لحوقها بأبيها‪ ،‬فقد أخبرها رسول الله ‪ε‬‬
‫أهله ‪-‬ومن كععان فععي مثععل علمهععا ليخطععر ببععاله أمععور الععدنيا‪ ،‬ومععا‬
‫أحسن قول المهلب الذي نقله العيني‪ :‬ولم يععرو أحععد‪ ،‬أنهمععا ألتقيععا‬
‫وامتنعا عن التسليم‪ ،‬وإنمععا لزمععت بيتهععا‪ ،‬فعععبر الععراوي عععن ذلععك‬
‫بالهجران)‪.(4‬‬

‫اباطيل يجب أن تمحى من التاريخ‪ ،‬ص ‪.109‬‬ ‫)(‬ ‫‪1‬‬


‫البخاري رقم ‪.4036‬‬ ‫)(‬ ‫‪2‬‬
‫العقيدة في أهل البيت بين الفراط والتفريط‪ ،‬د‪.‬سالم السحيمي ‪ ،‬ص ‪.291‬‬ ‫)(‬ ‫‪3‬‬
‫أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ‪ ،‬ص ‪.108‬‬ ‫)(‬ ‫‪4‬‬

‫‪-239-‬‬
‫هذا ومن الثابت تاريخيا ً أن أبابكر دام أيام خلفته يعطي أهععل‬
‫في المدينة‪ ،‬ومن أموال فععدك‬ ‫البيت حقهم في فيء رسول الله ‪ε‬‬
‫وخمس خيبر‪ ،‬إل أنه لم ينفذ فيها أحكام الميراث‪ ،‬عمل ً بما سععمعه‬
‫وقععد روي عععن محمععد بععن علععي بععن الحسععين‬ ‫مععن رسععول اللععه ‪ε‬‬
‫المشهور بمحمد الباقر‪ ،‬وعن زيد بن علي أنهما قال‪ :‬إنععه لععم يكععن‬
‫من أبي بكر ‪-‬فيما يختص بآبائهم‪ -‬شيء من الجععور أو الشععطط‪ ،‬أو‬
‫مايشكونه من الحيف أو الظلم)‪.(1‬‬
‫ولما توفيت فاطمة رضي الله عنها بعد رسععول اللععه ‪ ε‬بسععتة‬
‫أشهر على الشهر‪ ،‬وقد كان صلوات الله وسلمه عليععه عهععد إليهععا‬
‫أنها أول أهله لحوقا ً به‪ ،‬وقال لها مع ذلععك‪ :‬أمععا ترضععين أن تكععوني‬
‫سععيدة نسععاء أهععل الجنععة)‪ ،(2‬وذلععك ليلععة الثلثععاء لثلث خلععون مععن‬
‫رمضان سنة إحدى عشرة‪ ،‬عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيععه‬
‫عععن جععده علععي بععن الحسععين‪ ،‬قععال‪ :‬مععاتت فاطمععة بيععن المغععرب‬
‫والعشاء‪ ،‬فحضرها أبوبكر وعمر وعثمان والزبير وعبععدالرحمن بععن‬
‫ضعت لُيصلى عليها‪ ،‬قععال علعي‪ :‬تقعدم ياأبععابكر‪ ،‬قععال‬
‫عوف‪ ،‬فلما وُ ِ‬
‫أبوبكر‪ :‬وأنت شاهد ياأبا الحسن؟ قال‪ :‬نعم تقدم‪ ،‬فععوالله ل يصععلي‬
‫عليها غيرك؛ فصلى عليها أبوبكر ودفنت لي ً‬
‫ل‪ ،‬وجاء في رواية‪ :‬صلى‬
‫أربعا ً)‪(3‬‬ ‫فكبر عليها‬ ‫أبوبكر الصديق على فاطمة بنت رسول الله ‪ε‬‬

‫)( المرتضى لبي الحسن الندوي‪ ،‬ص ‪ 90،91‬نقل ً عن نهج البلغة شرح أبي الحديد‪.‬‬ ‫‪1‬‬
‫)( المرتضى للندوي‪ ،‬ص ‪.94‬‬ ‫‪2‬‬
‫ً‬
‫)( المرتضى للندوي‪ ،‬ص ‪ 94‬نقل عن الطبقات الكبرى )‪.(7/29‬‬ ‫‪3‬‬
‫‪240‬‬
‫وفي رواية مسلم صلى عليها علي بن أبي طالب)‪.(1‬‬
‫هذا وقد كانت صلة سيدنا أبي بكر الصديق خليفة رسول اللععه‬
‫بأعضاء أهل البيت‪ ،‬صلة ودية تقديرية تليق به وبهم‪ ،‬وقععد كععانت‬ ‫‪ε‬‬
‫مى علععي‬ ‫هذه المودة والثقة متبادلتين بين أبي بكر وعلي‪ ،‬فقععد سع ّ‬
‫أحد أولده بأبي بكر)‪ ،(2‬وقد احتضن علي ابن أبي بكععر محمععدا ً بعععد‬
‫وفاة الصععديق وكفلععه بالرعايععة ورشععحه للوليععة فععي خلفتععه حععتى‬
‫حسب عليه‪ ،‬وانطلقت اللسنة بانتقاده من أجله)‪.(3‬‬
‫هذا بعض القضععايا الداخليععة الععتي عالجهععا الصععديق ‪τ‬‬
‫والععتزم‬
‫فيها بمتابعة الرسول ‪ ε‬بكل دقة وحرص ر ‪ τ‬وعن جميع الصععحابة‬
‫الكرام الطيبين البرار‪.‬‬

‫)( مسلم رقم ‪.1759‬‬ ‫‪1‬‬


‫)( المرتضى للندوي‪ ،‬ص ‪.98‬‬ ‫‪2‬‬
‫)( نفس المصدر‪ ،‬ص ‪.98‬‬ ‫‪3‬‬

‫‪-241-‬‬